ها قد سقطت أقنعة الظالمين، وظهر لواء الحق ساطعا بين العالمين، وردد الكون كله بصوت واحد صادق مبين: أن النصر مع الصبر، وأن اليسر مع العسر، وأن الانعتاق مع السجن، وأن الله ناصر المظلوم ولو بعد حين … فأبشروا حماة ظهر المجاهدين، وافرحوا بنصركم والله مظهر دينه على رغم أنف الحاقدين… فوعده حق، وقوله حق، وتدبيره حق… وإنها لعقبات حتى النصر… والله يحب الصابرين…تلاقت عصافير الجِنان بواديها *** وأحيت معاني الحب فينا أغانيها
تردد ألحانا غدت للصبر آيةً *** وتصغي لها الأكوانُ همسا تناغيها
وتبسم في الأفلاك بين ظلامها *** شموسٌ تحلّت بالثبات تناجيها
وتحضنها الأزهارُ نشوى بذكرها *** عليها سدول الحسن تبدو معانيها
وأيقظها صوت الحمام بروضةٍ *** تعيد نشيد النصر جهرا روابيها
وأرسلتِ الأشواقُ دمعا وفرحةً *** تمجد بالإكبار حِبّا مآقيها
قضت بين قضبان السجون ضريبةً *** وليس لها في الأمر شيءٌ يقاضيها
فأطلق وهّاب الحياة سراحها *** وجاد عليها بالعطايا يهاديها
وكرّمها بالخير والنور والسنا *** فأدركت الأرواح منها تدانيها
وألبسها ثوب التقى فيه عبرة *** لمن جد يرجو بالصلاح تآخيها
تألفها نهجٌ قويمٌ مجددٌ *** وأبعدها عن كل شر تناهيها
وصارت بها الركبان تضرب حكمةً *** وترشد أقواما لنيل مغانيها
فخابت خفافيش الظلام وأخفقت *** وضلت على رغم الذئاب مساعيها
وباءت ثعابين الأثافي1 بغيظها *** تملكها الأحقاد تبدي مساويها
وضاقت وحوش الغاب ذَرعا بعصبة *** وأرقها بيض الوجوه تلاقيها
ألا أيها العادي عليها بخيله *** تأرّ2 فقد صار الإله يراعيها
وسائلةٍ عنها يقول لسانها *** علام قضت في الغل عمرا لياليها؟
وكيف استحالت زهرة العمر ظلمةً *** تلاها -وساءت بنى الحكم- قاضيها
أيهنأ جلاّد ويسعد حاكمٌ *** وتفرح بالبلوى وتنجو مواليها؟
ويسلم أفّاقٌ يهدد دعوةً *** عليه مسوحُ الذل جرّت مخازيها؟
ويسكت ملتاعٌ تأذّى بسطوةٍ *** ويخلد مغرورٌ بأرض علا فيها؟
لئن بات طغيان الولاة سياسةً *** فقد خابت الآمال واشتد عانيها
تجبر أقزامٌ وأحدث طُغمةٌ *** وعمّر في الأوطان جبرا دراريها
سيمهله الله وينسف حكمه *** كما أخذ الجبّار عادا مبانيها
فلا تحسبوا أن الإله مجيبه *** وأن فلول الظلم تنجو بحاديها
عبرتم إلى بر العلوم أعزة *** وألقت مقاليد البلاغ مجاريها
وكنتم بلا منٍّ أكابر معشر *** وحزتم من الأفضال خيرا يوافيها
رسمتم على خد الزمان بطولةً *** مفاخر تبقى في كتاب معاليها
وأعلى الإله في الكرام مقامكم *** لكم ألقت الأنساب فخرا مراقيها
لقد بكت الحيطان تشكو لبعدكم *** وهيّج أشواق السواري تنائيها
وذرّف مسجونٌ رأى في صحابةٍ *** خصالا غدت أبهى لباسٍ لراعيها
وتائبة يرجو الصلاحَ عفافُها *** أصابت من الأنذال قولا يعاديها
وثاكلة يلقى الهوانَ صغارُها *** تردد شكوى لم تجد من يواسيها
وصارت حكومات الطغاة بليةً *** تملكها الإكراه والغرب حاميها
فواعجبا منها تبيع وتشتري *** على رغم أنف الأكرمين أهاليها
تذيق الأذى كل العباد توعّدا *** وتبدع ألوان العذاب أياديها
تداعى على الأشراف منها عصابةٌ *** تقوّت على المستضعفين أفاعيها
فلا يسلم الأطهار منها وقد غدا *** لها في عقاب الشعب كلبٌ يجاريها
فلا العيش يحلو للكريم ولا الهنا *** إذا ما أصاب الناس بالقوس باريها
لقد تعبت نفسٌ من القهر والخنا *** وأيقظها ذكرٌ كريمٌ يداويها
تحررْ من النفس الخبيثة فالعلى *** تحررُ نفسٍ من عقال تجافيها
وسرْ في سبيل الحق تبن صروحه *** لتبقى خصال الخير تعلو رواسيها
تجلى بتاوناتٍ سرورٌ وفرحةٌ *** فجاءت جبال العز تهدي تهانيها
تبارك للأبطال والحق ظاهرٌ *** خروجا غدا للنفس أغلى أمانيها
ثباتٌ ونصرٌ واصطبارٌ وعزةٌ *** وحريةٌ تحكي ضلال معاديها
أضاءت منارات الهدى في سمائنا *** فصارت أحاديث الزمان تحاكيها
أصلي على الهادي صلاة موحدٍ *** روتها دموع العين والقلب تاليها
1- أصابته ثالثة الأثافي: أي رمي بداهية.

2- تأر: انتظر.

الحسن السلاسي

تاونات في 05 / 11 / 2009.