أخطأ العرب والفلسطينيون عندما قبلوا بواقع الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، وعندما رضخوا للإرادة الإسرائيلية التي قضت بتقسيم الصلاة في المسجد بين المسلمين واليهود، وجعلت بوابات أمنية إسرائيلية على مداخل الحرم، وداخل أروقة المسجد، وحددت أماكن بعينها كأماكن مقدسة لليهود، وجعلت زيارة المسلمين إلى الحرم الإبراهيمي للصلاة فيه مرهونة بالموافقة الأمنية الإسرائيلية، التي تسمح أحياناً للمصلين المسلمين بالصلاة في الحرم، وتحول بينهم وبين تأدية الصلاة فيه أحياناً أخرى، وقد أصبح الحرم مقسماً بين اليهود والمسلمين، وفي المناسبات اليهودية يكون كله تحت تصرف اليهود، ويحظر على المسلمين الوصول إليه، فالوصول إلى الحرم الإبراهيمي في الأيام العادية يكتنفه مصاعب جمة، لأن المستوطنين لم يسيطروا على الحرم فقط ولكن على مفاصل مهمة من البلدة القديمة في الخليل، تجعل من الوصول إلى الحرم مهمة صعبة، كما تتحكم إدارة الاحتلال في آلية رفع الأذان فوق مآذن الحرم، حيث تمنع المشرفين على المسجد من رفع الأذان فيه، واعتادت قوات الاحتلال الإسرائيلي أن تفرض حول الحرم الإبراهيمي وقت صلاة الجمعة وخلال شهر رمضان المبارك، إجراءاتٍ أمنية صارمة، لتحول دون تزايد عدد المصلين في المسجد، حيث يتعرض المصلون لعمليات تفتيش جسدي ولما يحملون من أمتعة، وتدقيق في بطاقات هوياتهم قبل أن تسمح لبعضهم بالدخول، ورغم أن الحرم الإبراهيمي يتسع لعشرات آلاف المصلين المسلمين، إلا أن قوات الاحتلال لا تسمح في العادة لأكثر من خمسة عشر ألف مصلٍ بالدخول إلى المسجد لتأدية الصلاة فيه، إذ تغلق بوابات الحرم أمام المصلين، ويحيط بالحرم الإبراهيمي بواباتٌ حديدة ضخمة، وبوابات تفتيش إلكترونية، وممرات لولبية، وحواجز عسكرية، ونقاط مراقبة، وعادة ما يتجمع المستوطنون المسلحون على بوابات الحرم إلى جانب القوات العسكرية الإسرائيلية.

ويشعر المسلمون في مدينة الخليل أن الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى السيطرة التامة على الحرم الإبراهيمي لا تتوقف، ولكنها تتم بصمتٍ وبعيداً عن جلبة وضوضاء الإعلام، ولكن الخطوات الإسرائيلية المتراكبة والمتتالية تكاد تفرض على الأرض وقائع وحقائق يصعب تجاوزها، خاصةً لجهة بناء الكنس اليهودية والمقامات الدينية التي تكاد تستولي على أغلب باحات الحرم، ويتيح الجيش الإسرائيلي للتنظيمات اليهودية المتطرفة، التي تتشكل من غلاة المستوطنين الإسرائيليين، حرية التجوال داخل الحرم، وإقامة الصلاة والشعائر الدينية فيه، وغالباً تخبر سلطات الاحتلال سدنة الحرم أنها تعتزم إغلاق بوابات الحرم أمام المصلين المسلمين لتمكين المصلين اليهود من تأدية صلاتهم، خاصة عشية الأعياد الدينية اليهودية، كعيد رأس السنة العبرية ويوم الغفران ” كيبور ” وعيد العرش وغيرها، وكانت سلطات الاحتلال تصر على إغلاق بوابات الحرم أمام المصلين المسلمين أيام أعياد المسلمين لو صادفت أعياد اليهود، وذلك وفق توصيات “لجنة شمغار” الإسرائيلية، وهي لجنة شكلتها سلطات الاحتلال عقب المذبحة المروعة التي ارتكبها المستوطن والجندي الإسرائيلي باروخ غولدشتاين داخل الحرم، في شهر رمضان عام 1994، وأدت الى استشهاد 29 مواطناً أثناء تأديتهم صلاة الفجر، وكان الاحتلال الإسرائيلي قد فرض تقسيماً إجبارياً على الحرم الإبراهيمي بعد المجزرة، فصادر نحو 50% من مساحته ومبانيه لصالح المتطرفين اليهود، وأقر سلسلة إجراءات حرمت الفلسطينيين من الصلاة في المسجد أو رفع الأذان فيه معظم الأوقات، ويسمح الجيش الإسرائيلي لغلاة المستوطنين أن يقيموا بؤراً ” زمنية ” داخل الحرم الإبراهيمي، ويعلنون عنها أنها أماكن يهودية مقدسة، وعلى المسلمين احترام قدسيتها، وعدم المساس بحرمتها، وعلى المسلمين أن يخلوا باحات الحرم لتمكين اليهود من تأدية شعائرهم المفترضة في الأماكن الدينية المغتصبة من المسلمين، وتقوم سلطات الاحتلال عادةً بحماية جموع المستوطنين التي تقتحم المسجد في أوقات مختلفة، وتبدأ في إطلاق أبوابقها ومزاميرها، وتنخرط في صلاواتٍ تلمودية، وسجلت دائرة الأوقاف الإسلامية في مدينة الخليل حالات اعتداء جسدي عدة على مؤذني الحرم، لمنعهم من رفع الأذان، وعلى حراس وسدنة وخدم الحرم، ويوقفونهم لساعاتٍ طويلة على بوابات الحرم، كما يعتدي أفراد الجيش الإسرائيلي وعناصر المستوطنين على المصلين المسلمين بحجة حمايتهم للمصلين اليهود المتواجدين داخل الحرم.

وترفع سلطات الاحتلال العلم الإسرائيلي داخل الحرم الإبراهيمي وعلى مداخله وأسواره، ويقوم من وقتٍ لآخر بإجراء أعمال ترميم وصيانة وتغيير معالم لتمكين المصلين اليهود من الدخول الآمن إلى الحرم، ولا يراعي الإسرائيليون حرمة المكان، حيث يقيمون فيه الحفلات الصاخبة، ويدخلون الكلاب إلى باحاته، ويخصصون بعض المرافق فيه لليهود فقط، ولا يسمحون للمسلمين بالدخول إليها، وخاصةً المغارة التي تضم أضرحة الأنبياء ونسائهم، ويمنعون دخول جنازات المسلمين إلى الحرم، ويقيمون فيه حفلات زواج يهودية، يسكبون خلالها الخمر ويحتسونه في داخل المسجد، ويجرون عمليات ختان الأطفال اليهود داخل المسجد، وتمكنوا من إدخال أعدادٍ كبيرة من نسخ التوراة القديمة، وبعضاً من الشمعدانات التلمودية وقناديل الشمع، وكراسي العبادة، وأبواق ومزامير للنفخ، وشهد فلسطينيون أن مستوطنين يهود مزقوا نسخاً من القرآن الكريم وداسوا عليها، وكسروا الهلال، ونزعوه من أكثر من موضعٍ كان مثبتاً فيه، وقامت مستوطنة يهودية بإلقاء رأس خنزيرٍ في باحة الحرم، ويعمد المستوطنون إلى التشويش على المصلين المسلمين أثناء تأديتهم الصلاة، ويرشقونهم بالغاز المسيل للدموع وقنابل الدخان، وحتى يتحقق لليهود كل هذه الأهداف، قاموا ببناء العديد من البؤر الاستيطانية حول الحرم، وصادروا مئات البيوت العربية القريبة من المسجد، وأجبروا السكان الفلسطينيين الذين تطل بيوتهم على الحرم على إغلاق نوافذ بيوتهم، ومنعهم من الإطلالة على المسجد، فضلاً عن إجراءات منع التجوال، وإغلاق الطرق والشوارع، وسد المنافذ بالمكعبات الإسمنتية، وتثبيت أعدادٍ كبيرة من كاميرات المراقبة والتسجيل.

إن ما تقوم به إسرائيل إنما هو اعتداءٌ صارخ على حرمات المسلمين، وهو اعتداء على حرية العبادة التي كفلتها الشرائع السماوية، وانتهاك صارخ لمواثيق حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، وتدخل في شؤون الفلسطينيين الدينية، ومحاولة محمومة لتقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف، وتحويل أجزاء ومساحات كبيرة منه إلى كنيس يهودي، ولكن ستبقى الخليل كما القدس، مدينةٌ إسلامية عربيةٌ فلسطينية موغلةٌ في القدم، إليها ينتمي كثيرٌ من العرب وينتسبون، والحرم الإبراهيمي كما الحرم القدسي الشريف، مسجدٌ للمسلمين وحدهم، ليس لهم فيه شركاء ولا أصحاب حق، وهو مسجد الخليل إبراهيم عليه السلام، جد النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن المسلمين في مدينة الخليل مصممون على الدفاع عن مسجدهم، والحفاظ على إسلاميته وهويته، ومنع محاولات تهويده والسيطرة عليه، ولهذا يحرصون على أن يؤموا المسجد عند كل صلاة، وأن يتحدوا كل الإجراءات الإسرائيلية التعسفية، ويدركون أن أي إهمال أو تقصير أو تراجع في مستوى الحذر واليقظة سيدفع بالإسرائيليين إلى تطبيقه كمثال على الأقصى الشريف، علماً أن هذا المخطط ليس حلماً يراود المستوطنين الإسرائيليين أو المتدينيين اليهود فقط، وإنما هو جزء من خطة لكبار السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، الذين أعلنوا أكثر من مرة عن نيتهم تطبيق ذات النظام المتبع للصلاة في الحرم الإبراهيمي في المسجد الأقصى، ولكن هبات المسلمين الشعبية داخل فلسطين وخارجها قد حالت دون تحقيق هذا الحلم، والحيلولة دون تمكن الإسرائيليين من خلق موطئ قدم لهم في الحرم القدسي ليكون لهم بعد ذلك حجة لتقسيم الأوقات فيه بين المصلين المسلمين واليهود، ويكون لهم حجة وذريعة للبقاء والإقامة فيه، والادعاء أنه لهم كما هو للمسلمين …