أجرى موقع الجماعة حوارا مع الأستاذ محمد سلمي، منسق الهيئة الحقوقية وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول طبيعة ملف معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر.

فيما يلي نص الحوار:

سؤال:

أين يمكن تصنيف المعتقلين الإثني عشر لجماعة العدل والإحسان؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، أما بعد فإن معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر المحكوم عليهم بعشرين سنة سجنا نافذا معتقلون سياسيون، لأن سبب اعتقالهم هو انتسابهم لجماعة إسلامية ذات مواقف سياسية معارضة. وهم معتقلو رأي-إن شئت- لأن جماعة العدل والإحسان لا تضطهد بسبب أعمال سياسية، وإنما بسبب أفكارها وآرائها. وهم معتقلون في أحداث ذات طبيعة سياسية. فجل ما يقع في الجامعات المغربية من أحداث تشارك فيها مختلف الفصائل الطلابية، هي أحداث ذات طبيعة سياسية يغذيها البعد الإيديولوجي والفكري لهذه الفصائل والتنظيمات التي تنتسب إليها. كما أن المتتبعين لشأن الجماعة يدركون أن أحداث اعتقالهم، صنعت في ظرف سياسي، تميز بفشل النظام المغربي في مساومة قيادة الجماعة (مجلس الإرشاد) المعتقلة وقتئذ بسجن سلا، وبحثه عن ملف اعتقال ضخم يمارس به مزيدا من الضغط على الجماعة، عساها تخضع لمساوماته.

أما أن يكونوا معتقلي الحق العام، فباطل من أساسه. فإدانتهم غير ثابتة، ومحاكمتهم غير عادلة، واستثناؤهم حتى مما تمتع به معتقلو الحق العام دليل قاطع على الحيف الذي لحقهم.

سؤال:

استثني معتقلو العدل والإحسان من أكثر من عفو شامل، هل لم تكن تنطبق عليهم المقاييس المشترطة؟

جواب:

من هذه الاستثناءات المتكررة يفهم الجميع خصوصيات هؤلاء المعتقلين السياسيين أعضاء جماعة العدل والإحسان. فقد استفاد من العفو معتقلون سياسيون آخرون، واستفاد منه معتقلو الحق العام، منهم من أدين بجرائم ثابتة كالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. والملفات العادية التي تعرض للعفو لا تسلم أحيانا كثيرة من الفساد الإداري الذي تعانيه البلاد (الرشوة، والمحسوبية، والزبونية…)، أما الملفات السياسية فتخضع إما لمزاج المخزن وأجهزته، أو لضغوط أجنبية ومصالح متعددة، أو “مصالحة” يفرضها المخزن بشروطه لاحتواء معارضيه وتوظيفهم في خدمته، ويقبلها من شاء لظروفه وحساباته. وهذه الشروط غير متوفرة بالفعل. إنها شروط واقع الاستبداد، في مقابل ثبات جماعة العدل والإحسان على مبادئها ومواقفها الواضحة. أما الشروط المعبر عنها رسميا لتلميع الواجهة، والمغالطة بهدف استمالة الرأي العام الخارجي (لأن أهل البيت أدرى بما فيه) فلا يتعامل بها مع معتقلي العدل والإحسان، وإلا فسلوكهم بشهادة إدارة السجون لا يضاهى، ومستوياتهم العلمية والدراسية، وشهاداتهم الجامعية العليا في القمة، وهي معايير كفيلة بإخراجهم من السجن منذ مدة. وقد أفرج عن غيرهم بأقل من الشروط المتوفرة فيهم.

سؤال:

إذا كانت تتوفر فيهم الشروط ولم يفرج عنهم، هل هذا يعني أن خلفيات العفو الشامل ليست حقوقية ولكن تحكمها خلفيات سياسية؟ ما هي؟

جواب:

بالطبع، الخلفيات السياسية حاضرة. وهي مرتبطة بمزاج وأهداف الاستئصاليين المفوض لهم تدبير ملف جماعة العدل والإحسان. ولا نعتقد أن يكون هناك إجماع داخل أجهزة الدولة على المقاربة الأمنية المتهورة التي شرع المخزن في تنزيلها منذ 24 ماي 2006. لكن هيمنة هذه المقاربة واستمرارها لحد الآن، دليل على هيمنة هذا التوجه، في غياب ربط الأحداث بالملابسات المحيطة بها. والقصد من هذه الفكرة الربط بين ملفات الفساد والمخدرات ونهب الأراضي، وتبييض الأموال، التي قد يتورط فيها بعض من قاد الحملة ضد الجماعة، للفت الأنظار، وإشغال أجهزة الدولة عن الأولويات التي ينبغي التركيز عليها.

وفي ظل هذه التناقضات مرت الحملة التي نظمتها الهيئة الحقوقية للجماعة لأجل إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين دون مبالاة المعنيين بها. إن قضية معتقلي الجماعة مرتبطة بملف العدل والإحسان عامة، وهي في حاجة إلى إرادة سياسية نعتبرها منعدمة في الظروف الحالية مع الأسف الشديد.

سؤال:

لوحظ أن بعض الجمعيات الحقوقية لا تدرج معتقلي الجماعة الإثني عشر ضمن خانة المعتقلين السياسيين، ما سبب ذلك؟

جواب:

عندما نتحدث عن المشهد الحقوقي المغربي نستحضر دائما التنظيمات اليسارية التي كانت ضحية الانتهاكات في عهد الملك الراحل، وهي النقيض الإيديولوجي والفكري للحركة الإسلامية في الساحة المغربية، رغم التحولات التي طرأت بعد انهيار المعسكر الشرقي، والمراجعات التي حدثت في توجهات اليسار في العالم العربي والإسلامي. والخطأ الذي وقعت فيه بعض هذه الجمعيات الحقوقية يتمثل في عدم قدرتها على تمثل المرجعية الدولية لحقوق الإنسان عمليا، رغم تبنيها نظريا. فهذه المرجعية تفرض في أدبياتها الحياد والدفاع عن حقوق الإنسان بغض النظر عن دينه ومعتقداته وأفكاره. ومما استفاده المخزن من المدرسة الاستعمارية، التفرقة بين مكونات المجتمع، وصناعة التوتر والصراع فيما بينها. ولهذه الاعتبارات السالفة، لم تتورع بعض هذه الهيئات في الانتصاب طرفا مدنيا ضد هؤلاء المعتقلين أمام المحكمة، عوض الدفاع عنهم، لأنها تفهم السياق السياسي للأحداث، وطبيعة العلاقة بين جماعة العدل والإحسان والنظام المغربي. وأثناء سنوات السجن لم تبادر هذه الجمعيات لمساندتهم في محنتهم، وفي الدفاع عنهم أمام الانتهاكات والتعسفات التي تعرضوا لها، ولم تكلف نفسها عناء تقصي الحقيقة عن أوضاعهم، مع أنها تفعل أكثر من ذلك مع غيرهم. إن ثمة فرقا كبيرا بين أن تكون حقوقيا وأن تكون يساريا. فالصفة الحقوقية تلزم صاحبها بخدمة قضية الإنسان، كل إنسان.

وقد تم الاتصال بهذه الجمعيات قصد مراجعة الموقف من معتقلي العدل والإحسان، فأكدت رغبتها في إعادة دراسة الملف من جديد، كما أكدت عدم معارضتها الإفراج عنهم، حين أطلقت الهيئة الحقوقية للجماعة حملة “أطلقوا سراحهم”، لكن النوايا لم تترجم بعد إلى واقع ملموس، وقد أتموا مدة الاعتقال الآن، وأمام هذه الجمعيات مسار جديد لرد الاعتبار، والعمل على إدماج هؤلاء المعتقلين، في الحياة الاجتماعية والمهنية…

ولا ينبغي إغفال الموقف المساند لهؤلاء المعتقلين من قبل منظمات حقوقية مغربية أخرى كالعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومنظمة “الوسيط”.

سؤال:

ماذا بعد الإفراج عن معتقلي الجماعة الإثني عشر؟

جواب:

إنهم ضحايا مخطط سياسي ذي مقاربة مخزنية، في فترة تاريخية مضت. وقد قضوا زهرة شبابهم في السجن. وهم الآن حملة دكتوراة وشهادات جامعية عليا، وذوو كفاءات علمية تؤهلهم لاندماج سريع يليق بمكانتهم. وهم الآن أهل للمساهمة في إصلاح جامعي فعلي، يجنب المؤسسات الجامعية المغربية ما تتخبط فيه من عنف، ودماء بين مختلف الفصائل الطلابية، وهم أهل للمشاركة في بلورة عمل حقوقي في خدمة هذه البلاد التي يعتزون بالانتساب إليها، وفي عمل سياسي، نرجو من العلي القدير أن ييسره.