9   +   4   =  

تقديم

تعيش أمتنا الإسلامية فترات فتنةٍ ووَهْنٍ وتكالبٍ للأعداء عليها، وتحتاج أول ما تحتاجه علماء عاملين جامعين بين الزاد القلبي والحجة العقلية والحكمة العملية، قدوة حية وسط الناس يؤلفون على الخير ويدلون على الحق ويأمرون بالمعروف ويبذلون أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم في سبيل الله والمستضعفين، ولا يخشون في الله لومة اللائمين.

المهمة العظمى

مهمة العلماء جمع شتات الأمة ولم شعثها وتوحيد طوائفها وتحرير أطرافها. وقد كان خيار العلماء دائما ولا يزالون رجالا يخشون الله ويتقونه في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، توسطوا الأمة وعاشوا بين سوادها الأعظم، وعمروا المساجد وخاضوا الجهاد بأنواعه وتحملوا التبعات ورصوا اللبنات.

وتبقى المهمة الدائمة هي إحياء القلوب بالإيمان وزرع الأمل في حياة المسلمين و ترسيخ الثقة في موعود الله عز وجل، وأن يشرحوا للناس ويبينوا لهم أن الخير كل الخير في هذه الأمة، وأن الله عز وجل لا بد أن يُغير حال الأمة إلى أحسن حال، ثم يبينوا لهم أن أمر التغيير ليس مرحلة ونزهة قصيرة، بل لا بد من بذل الوقت والجهد، ولا بد من توحيد الجهود وتنسيقها، لأن ما أفسدته سنين الغفلة والتقليد والعض والجبر لا يمكن إصلاحه في لحظات.

لكن طبيعة السلطة الظالمة وهي تسعى إلى توسيع هوة القطيعة بين العلماء والسواد الأعظم من الأمة، تسعى إلى أن ينطفئ نور الدعوة وينحبسَ في مواعظ باردة تسبح بحمد الحاكم وتقدسه، بل تُنعس المسلمين وتقتل فيهم الفطرة والمروءة والشهامة، قال الحق سبحانه: يُريدُونَ أَن يُطفِئُوا نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُون

من يُخرج الأمة من ورطاتها؟

العالم كالعين العذبة نفعها عام ودائم، وكالغيث النافع حيث وقع نفع، وكالسراج المنير من مر به اقتبس، وفي قيادة الأمة ينبغي أن ينبري العلماء بهمة وصدق ووِفقَ تصورٍ مُوحدٍ ليقودوا سفينة البناء والإصلاح بنجاح بين أمواج الفتن العاتية والمتلاطمة، ولا يملك أن يقود من ركن إلى الجاه والمال والدنيا، واعتز بمقامه الاجتماعي وأنس براحة الطاعم الكاسي. أما الذي يزهو ب “كبرياء العلم” ولا يتواضع مع مساكين الأمة وعامة مستضعفيها في أسواقهم ومناسباتهم فلا تُعوِّل عليه الأمة في تغيير ما بها.

أمَا لو تآلف العلماء حتى يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية الدعوية التغييرية لكان لهم شأن غير ما نرى، لو سلكوا منهاج السنة الكاملة الجامعة بدل الخصومة على السنن والخلافيات ولسعوا إلى أن ينتشر الإسلام في العالمين وأن يدخل كل بيت حجر ومدر، وأن يتراجع أعداء الدين عن كيدهم، وأن تعز الأمة حتى يقاتِل معها الحجر والشجر. لو فعلوا ذلك لبلغوا بالأمة إلى حياة العزة والكرامة، وعلى أيديهم تنال التمكين والسيادة.

إنما يؤلف الربانيون، إنما يجمع الأتقياء، الحكماء الرحماء. ألا إن البحارين المهرة والغواصين على بصيرة من أهل الله أوليائه وأحبائه هم من يخرجون الأمة من ورطاتها) 1 .

قال الشاعر:ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ *** على الهدى لمن استهدى أدلاءُلا تزال الأمة الإسلامية تكن لعلمائها ولله الحمد التقدير والاحترام، لكنه تقدير واحترام مشوب بالتحفظ والحذر مما تراه من سكوتٍ عن المنكر وركون للدنيا والسلطان وتملص من مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وابتعاد عن ساحات التدافع وثمن اصبر على ما أصابك

ليس العالم!!!

قيمة العالم ليست في تلك الشهادة “العالِمية” خالية من هَم تجديد الإيمان في القلوب بعد البِلى، وإقامة الشريعة الإسلامية في الحياة العامة بعد الانتقاض. العالم الحق من شهد بالقسط، تلك هي الشهادة، العالم من وطَّن نفسه أولا على الوقوف الدائم بباب الله تعالى، من كان مع الله وكان معه الله. وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين، ثم نفض عن نفسه غبار القرون ليقوم بالقسط مخلصا عمله لله.

ليس العالم من باع الدين بالتين، باع دين الله بتين السلاطين والمترفين، من تخلف عن خدمة الأمة وفك رقبتها، وتقاعس عن بناء كيانها على تقوى من الله وقنع من الدنيا بعرض زائل. ليس العالم من اشتغل ببعض الدين وترك بعض، وتغيب عن ساحة الجهاد والاجتهاد والتدافع. إذ الغياب خيانة للأمانة وتضييع للرسالة ودليل عل انحطاط الأمة وتخلفها وضعفها.الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها *** فإن يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها *** وإن نأى عاد في أكنافها التلف
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.


[1] عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، مطابع النجاح، الدار البيضاء، ص 866.\