ليس ثمة من قضية سياسية وطنية أشد وضوحا من قضية معتقلي العدل والإحسان، وليس ثمة من قضية أشد تعقيدا منها وتداعياتها، فقد شهد المغرب على مرور سنوات الاعتقال أحداثا هامة في صفوف طرفي القضية كان من المحتمل أن تلقي بظلالها على هذه القضية، لكن لا شيء من ذلك حدث، لاعتبارات أو قل على الأرجح لاعتبار واحد، وهو التزام الطرفين بمواقفهما السابقة وعدم قدرة أي من القوى السياسية الأخرى على الدخول على الخط لحلحلة الموضوع ولو بشكل جزئي، مما يدلل على مكانة القضية ومركزيتها في صراع الطرفين.

وأيا كانت المبررات والنتائج، فيمكن القول أن كلا الطرفين قد تناول مرحلة الاعتقال واستغلها على طريقته الخاصة وفق موازينه وخياراته، مرحلة خلت بسلبياتها وإيجابياتها وسجلت في التاريخ، ويبقى السؤال الأهم. ماذا بعد، بخصوص علاقة الدولة بالجماعة؟

للتاريخ فقط نذكر، إن الدولة المغربية على اعتبار أنها كما تدعي ليست طرفا في القضية، وأن هذه الأخيرة هي قضية جنائية بامتياز، ستبقى من الناحية الأخلاقية والدستورية مدينة للشعب المغربي بكشف حقائق وملابسات أحجمت عن التصريح بها سابقا، حتى لا تضطر في يوم ما إلى ذلك، ولن يكون آنذاك في مصلحتها لأن الحديث سيصبح جزءا من التراث.

أما إذا بقيت الدولة متكتمة فإنها تعلن منطقيا أنها الطرف النافذ في القضية، وهو الأمر الحاصل إلى حدود الآن.

فوفقا لهذه المعطيات، فإن عجز الدولة عن فعل أي شيء أثناء فترة الاعتقال، سيفرض عليها أن تكون وجها لوجه مع الجماعة، وفي هذه الحالة فمناسبة الخروج سترشح الدولة إلى تبني أحد الخيارين:

خيار الاستمرار في نفس السياسة المتبعة وتحمل التبعات، وعلى الدولة الاستعداد للأسوأ لعدة اعتبارات:

1. كون المتضرر قد قضى مدة سجنية ليست بالهينة وفي مرحلة اعتمدت رسميا أنها مرحلة القطيعة مع الاعتقال السياسي، واستفادت شرائح عريضة من هذه الوضعية، مما سيجعل المتضرر أمام مطالبة بالحقوق جملة وليس تقسيطا، وما يعقد مأمورية الدولة أن الممارسة الرسمية المعتمدة من تصرفات إقصائية ومحاولة التعتيم صم الآذان لم تعد مجدية، بل لم تعد تمنح الدولة نفس الموقع في الصراع تجاه القضية.

2. الوضع السياسي الذي يعيشه المغرب لم يعد مؤهلا للصمود أمام قضية من هذا الحجم، نظرا لأن النخب السياسية بالرغم من بروزها الموسمي في قضية أو اثنين كداعم للسياسة الرسمية القائمة، فإن الحقيقة هي أن جل هذه المكونات لا تلتزم مواقف استراتيجية من الوضع السياسي ومن الفاعلين الحقيقيين فيه، والدليل على ذلك هو زئبقية المواقف السياسية بمجرد نتيجة انتخابية غير منتظرة، أو تحرك مجتمعي على قلته ومحدوديته، وبالتالي فالرهان على الإجماع بسابق صوره غير محتمل، إضافة إلى كون بعض المكونات لا تزال تنعم بغنيمة الاستفادة من وضعية مشابهة، فلا يعقل أن تنسف نفسها أو تفرط في ورقة مدرة لمصالح انتخابية إضافية.

3. كون الجماعة لا تزال تركن إلى مواقفها الرافضة للسياسات المتبعة، كما أن المواقف الحديثة للجماعة قد تطورت بشكل لافت من الإجمال إلى التفصيل، بالإضافة إلى تبنيها خلال السنوات الأخيرة لمنهجية التجريح الموضوعي والجرأة المعتمدة في مناقشة قضايا الحكم وتحديد الخلل وتقدير مداخل الإصلاح، وهذا ما سيعقد من مأمورية الدولة التي قد ترغم على ارتكاب بعض التصرفات الطائشة المستغلة لا محالة من طرف الجماعة، التي أصبحت تتمتع بخبرة إضافية في صياغة المظلومية بالطريقة التي تجعلها في واجهة الأحداث.

4. كون الاعتماد على الدعم الخارجي أصبح قضية نسبية مع بروز تغيرات مهمة في النسق الدولي، فأوباما الذي وعد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، اتضح بعد تورطه في أزمات داخلية قاسية وحاجته إلى نفس يمنحه التفكير والمشاورة أن التدخل في السياسات العربية هو السبيل الوحيد لتلبية الطلب الداخلي المتزايد.

كما أن خروج بعض الدول الداعمة للسلطة السياسية بالمغرب منهكة من نتائج سياساتها الخارجية لا يشجعها على بدل المزيد من الدعم ، فهي لم تبادر حتى إلى الالتزام بتعهدات اقتصادية وسياسية مع المغرب، إضافة إلى الصورة الكاريكاتورية التي ارتبطت بهذه الدول وهي تلعق جراحها جراء الضربات المادية والمعنوية المتكررة (حروب العراق وأفغانستان ومفاوضات الملف النووي الإيراني)، هذا إن لم نرغب في الإسهاب حول ورطة هذه الأنظمة في القضية المركزية في الصراع الدولي، قضية فلسطين، فما يزيد الطين بلة أن هذه القضية لا تنتظر حلا في الأفق القريب على الأقل طالما أن المحاور الرسمي لم يعد مؤهلا سياسيا ولا شعبيا ولا حتى نفسيا جراء الجشع الزائد لليهود وطمعهم المتزايد في احتلال البلاد والعباد، وإحراز المزيد من التطبيع العربي الرسمي الذي يعتبر المغرب بامتياز جزءا منه إن لم نقل من رواده. بالمقابل أظهرت الجماعة براعتها في تبني هذه القضية وقد ساعدها على ذلك موقفها المبدئي الذي يتجاوز الاستثمار السياسي إلى المعتقد الديني الإيماني.

أما الخيار الثاني، فهو خيار البحث عن سبيل إلى العد العكسي نحو استيعاب أو توافق قد يكون ممكنا رغم الكلفة التي سيتطلبها من الطرفين، وفي هذا السياق يبدو أن هناك سيناريوهين محتملين للنجاح إن توفرت الإرادة:

السيناريو الأول:

هو التقارب في المواقف بين الطرفين، وهذا الأمر يتطلب استثمار بعض المعطيات رغم قلتها، وأحسب أن مناسبة خروج المعتقلين هي إحدى هذه الفرص رغم ما يمكن أن يلاحظ من تشنج الدولة خصوصا في حفلات استقبال المفرج عنهم في كل من كرسيف، بوعرفة، بركان..

وبالرجوع إلى التصريحات الرسمية للجماعة بالمناسبة، وخصوصا كلمة الأستاذ المرشد، نجد أن الرسالة كانت واضحة، وأقصد منها فكرتين:

1. تحدث عن ضرورة الدعوة بالرفق وعدم الانزلاق إلى العنف، وهذا الموقف لا يكتسي أهميته من محتواه، لأنه تحصيل حاصل في أدبيات الجماعة، ولكن يكتسي أهميته من المخاطب، هذا الذي عانق الحرية بعد عقدين من الاعتقال على خلفية اتهامات الواضح فيها أنها ملفقة.

2. ألح الأستاذ المرشد على ضرورة الصفح عن مرتكبي الجرائم في حق المعتقلين، وهو قول بالغ الأهمية يجب أن تقرأه الدولة في سياقه الصحيح، على اعتبار أنه تكريس لمبدأ العفو والمصالحة والتعايش، لكن بشرط الوضوح والوعي والمسؤولية.

أما تصريحات مسؤولي الجماعة فهي في الحقيقة كثيرة في هذا الشأن، سأقتصر على اثنين منها:

تصريح منسق الهيئة الحقوقية الدكتور محمد سلمي، الذي دعا الدولة إلى تدارك ما يمكن تداركه، كما نصح الدولة بالمبادرة إلى إنصاف المفرج عنهم وتمكينهم مما تمكن منه غيرهم من ضحايا الانتهاكات، وهي دعوة صريحة إلى فتح حوار مع المتضررين الذي لن يكون في حقيقته إلا حوارا مع الجماعة.

أما التصريح الثاني فهو للناطق الرسمي خلال الحفل الرسمي لاستقبال المفرج عنهم، حيث ذكر بملابسات الاعتقال وما تلاها من تاريخ المفاوضات التي انتهت بالقطيعة. فلإن كان هذا الكلام يؤكد رسميا رفض الجماعة للتفاوض تحت الضغط والإكراه، فإنه بمفهوم المخالفة يدعو إلى حوار هادئ بعيد عن الضغوط، وأعتقد أن المرحلة المقبلة قد تتسم نسبيا بنوع من التحرر المفضي إلى التحاور.

قد يرجح بعض المتتبعين لمسار علاقة الدولة بالجماعة أن الانتقال من الوضع الحالي إلى وضع آخر قد يكون ممكنا، لكن في مرحلة ما بعد الأستاذ عبد السلام ياسين، لكن في رأيي الأمر على العكس تماما، على اعتبار أن الموقف السياسي العام للجماعة قضية قناعة مرجعية يعود الفصل فيها إلى ثوابت منهاجها باعتباره النظرية البنائية المؤطرة، وما يزيد الأمر صعوبة هو أن النظام السياسي المغربي لم يشهد مراجعة أو إصلاحا ولو على المستوى الشكلي للحكم، مما يذكي القناعة والتشدد في مواقف الجماعة. بالمقابل نلحظ أن مواقف المرشد لا تحشر نفسها وسط السجال والمواقف السياسية بقدر ما تركز على التعاطي الشرعي مع قضية الحكم وذلك بالصورة التي يتضح معها أن المعارضة هي لنمط الحكم لا للأشخاص الحاكمين، لذا نجده يركز في كلامه عن الحكم على الرجوع والعودة والتوبة والتصالح وهي معاني دعوية أكثر منها سياسية، فوجود مرشد بهذه المواصفات الدعوية والعلمية يمثل نقطة ارتكاز في أي سيناريو محتمل بما فيه سيناريو الرغبة في طي صفحات الماضي.

السيناريو الثاني:

هو سيناريو استيعاب فتح المجال لبعض القطاعات التابعة أو المتعاطفة مع الجماعة، ويمكن أن يكون القطاع النقابي أو الجمعوي أو الطلابي أحد القطاعات المرشحة نظرا لممارستها في ساحات مجتمعية مشتركة، فالدولة قد تستطيع إلى حد ما، استكشاف نية الجماعة خصوصا في مرحلة مختلفة عن سابقتها، كما أن الدولة بهذه الصيغة تستطيع معرفة قدرة الجماعة على التمييز بين فعلها المجتمعي في سياق بناء مجتمع ما يعبر عنه المنهاج ب “العمران الأخوي”، وفعلها السياسي الذي يستلزم التعاطي مع أرضيات حد أدنى قد تكون محط توافق أو ميثاق – كما تقول بذلك الجماعة نفسها – مع فاعلين سياسيين ونقابيين محتملين.

أما إذا سارت الأمور على النحو الذي تتحرك به حاليا، فإن الدولة في علاقتها مع الجماعة قد أعلنت فتح صفحات الماضي والحاضر والمستقبل معا، مما يؤكد أن الأمور قد رجعت إلى نقطة الصفر، أما بتعبير الجماعة فهو اختيار الشق الثاني من عرض الجماعة ” الإسلام أو الطوفان”.

أجارنا الله و إياكم وكل المؤمنين من كل مكروه، آمين.