حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني، وهو من ضحايا القمع المجاني، فقال: لما كان ابن أبي الرعاية خلي الوحيدْ، وصاحبي الذي عن رأيه لا أحيدْ، كنت كلما استعصى علي أمر أو مسني شيطان مريدْ، آوي إلى ركن من حلقياته الفسيحهْ، فأروي ظمأ نفسي البخيلة الشحيحهْ، بما لذ وطاب من حكاياته الفصيحة المليحهْ، وبالأمس الموافق للفاتح من نونبرْ، قصدت مجلسه الذي للنفوس يعطـِّرْ، وكلي أمل في اقتناص حِكَمِ عن أحوالنا تعبـِّرْ، فوجدته على غير العادة مفقود الأثرْ، وسألت عنه كل من لمجلسه قد حضرْ، فغاب الرد وانتفى الخبرْ، فاحترت في ذا الأمر ومغزاهْ، وفوضت أمري للهْ، وقلت -في نفسي- غدا حتما ألقاهْ، فما إن وليت الوجهة نحو بيتي الغريبْ، حتى سمعت ابن أبي الرعاية ينادي علينا من مكان قريبْ، ويقول بلسان لا يخشى مصائد الرقيبْ:

يا ناس لغير الله لا تركعوا، يا ناس هلموا ولا تجزعوا، يا ناس هاتوا قلوبكم واسمعوا:

اليوم انقلب السحر على الساحرْ، وتبت يد كل ماكر سافرْ، ومات بغيظه مخزن أفاك خاسرْ، رأى بالأمس الغابرْ، فتية وسط الجامعات للعدل يقيمونْ، وبالعدل والإحسان هم يسيرون ويستقيمونْ، يطلبون العلم بالنهار والليل يقومونْ، دستورهم قرآن لا يمسه الباطلْ، ومنهاجهم سنة نبوية مفعمة بالفرائض والنوافلْ، وأستاذهم مرشد كريم فاضلْ، قال: لا للطغاة في عهد الانحناءْ، وعلم طلبته قول الحق في زمن النفاق والرياءْ، وما ارتضى للجماعة الرق والاستجداءْ، فكان بحق الاستثناء في عصر الطاعة العمياءْ، ولما كان ذلك كذلكْ، فكر المخزن البليد الهالكْ، في مسلسل مظلم حالكْ، يدخل الجماعة وأبناءها في طوق القصورْ، ويسكتها بما يرمى من فتات وقشورْ، ومن تم يقص أجنحتها كما قصت أجنحة باقي الطيورْ، وما نفعت المساومات وما صلحتْ، وفشلت العقلية المخزنية وما نجحتْ، ولأبواب الغباء بعد ذلك هي فتحتْ، إذ توجهت نحو طلبة العدل والإحسانْ، وحفرت لهم الحفرة تلو الأخرى خلف القضبانْ، وبأعداء الملة رمتهم في ذلك الزمانْ، فثبتوا على مواقفهم وما بدلوا تبديلاَ، بل رتلوا القرآن ترتيلاَ، واعتصموا بالله بكرة وأصيلاَ، وقالوا: سنبني للإيمان جيلا جميلاَ، ومضوا على ذلك والمخزن يمكر مكرَا، يصمت يوما فيلفظ كفرَا، يمسك ساعة ويقمع شهرَا، وحين أعياه صبر الفتية الذي لمساوماته لم يُـجـِبْ، جاء على قميص بدم كذبْ، وقال: اليوم أصيب من لم يُصِبْ، واختار من الفتية اثنا عشرْ، فلفق لهم تهمة قتل طالب في مصيره ما نظرْ، وأعد الشهود والخصوم والقضاة والمختبرْ، فزور المحاضر والشهادات والأقوالْ، وجرب على الفتية كل فنون التعذيب والنكال، ووضع في أيديهم وفي أرجلهم كل أنواع القيود والأغلالْ، وظن أنه بفعلته يضرب العبرة للأجيالْ، ومكر بهم والله خير الماكرينْ، وغدر بهم والله لا يهدي كيد الغادرينْ، فاسمع ثم اسمع هذا خبر يقينْ،: حكمت عليهم أباطيل المحاكمْ، بعشرين عاما حبسا نافذا طاعة للظالم الغاشمْ، وحرمت عليهم بعد ذلك عفو الحاكمْ، والغاية من كل ذلك كما ذكرت يا أحبابْ، إغلاق ما للجماعة من أبوابْ، وتشويه صورتها أمام الأعاجم والأعرابْ، ولي ذراعها ودفعها لمخالفة الصوابْ، ولأن المؤمن معرض للابتلاءْ، فقد فهم “الإثنا عشر” كوكبا الدرس واستوعبوه من مختلف الأنحاءْ، ورددوا وهم بين فكي البأساء والضراءْ: “السجن مع الأحبة والأخلاءْ، خير لنا من طاعة الأشقياءْ”، فأعادوا بصبرهم قصة يوسف النبي الصديقْ، وأحيوا سنة أهل الكهف في الطريقْ، وأنقذوا في غياهب السجون بسمتهم الغريق تلو الغريقْ، وما ضرهم العفو الهاملْ، ولا نالت من عزائمهم سياط الجاهلْ، بل حولوا ظلمة السجن القاتلْ، إلى نور يشع في الآفاقْ، واستغلوا مدة الحكم يا أيها العشاقْ، في تعلم العلوم والتقرب من الواحد الرزاقْ، وفي ذلك تنافسوا وتسابقوا وما أحلاه من سباقْ، … وتمضي الشهور والأعوامْ، وتنجلي الحقيقة للخواص والعوامْ، ويحمل الإفك مخزن وشرذمة من اللئامْ، وتظهر براءة الفتية بالبينة والحجة والدليل الذي لا يقول فندَا، ومع ذلك يضرب على آذانهم في السجن سنين عددَا، ويصبرون فيهيئ لهم ربهم من أمرهم رشدَا، وانظر معي هل تجد من دون الله ملتحـــــدا …

ولكي لا أطيل عليكم يا أيها الأحبَّـهْ، فاليوم التقيت محمدا وصحبَهْ، فقد مضى الحكم وانتهت الحقبهْ، وأمسى طالب الأمس دكتورا، وأصبح مجهول البارحة مشهورا، وهذا جزاء من كان لله ذاكرا وشكورا، فإن تسألوني عن اللقاء والشعورْ، فورب الكعبة تعجز عن وصفهما اللغات والكلمات والسطورْ، ورغم كل ذلك أقول ما قاله المقسم بالطورْ وشاهد ومشهودْ، قتل أصحاب الأخدودْ، النار ذات الوقودْ، إذ هم عليها قعود وهم على مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودْ، نعم وفكت الأغلال وانكسرت القيودْ، وهاهي ذي الفرحة لقلوب المؤمنين والمؤمنات تعودْ، ولن تكتمل الفرحة إلا بعودة القاسم التنوري وباقي الجنودْ، فهنيئا للمفرج عنهم الحريهْ، وعقبى للبقيه، وعذرا إن لم أستفض في الشرح أو لم أوفق في طرح القضيّهْ، فالإثنا عشر كواكب درِّيَهْ، لا يتكلم عنهم أو معهم متقاعس أو ناقص نيهْ، فعذرا ثم عذرا يا أصحاب الكلمة الطريهْ، وآخر الكلام صلاة وسلام على خير البريهْ، محمد خاتم المرسلين وسيد البشريهْ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان رباني وتربية نبويهْ.