نظمت هذه الأبيات بمناسبة استقبال الأحبة معتقلي العدل والإحسان بعد قضاء حكم ظالم وقاس بالسجن دام عشرين عاما. وقد قُرئت في الحفل الذي نظّم بهذه المناسبة في سلا يوم الأحد فاتح نونبر2009.نصرٌ من الله للمظلوم مُسْتَطَـرُ *** نصرٌ تؤكده الآياتُ والسّـور
نصرٌ تُشهّره الأفراحُ تنشُـره *** كأنهما هو ضوْعٌ في الدّنا عطـرُ
فضلٌٌ من الله هذا الحفلُ يجمعنـا *** وعدٌ من الله هذا البِشرُ والظفـرُ
إني ليحفزني للقول تهنئـة *** ألقى بها إخوتي الأحرارَ قد نُصـروا
فالقلب يفرح والأطراف راقصـة *** والروح يأمرُ والألفاظ تأتمـرُ
وأنظم اللفظَ في التعبير أنضُـده *** تاجا رفيعا لمن عانَوا فما صغُـروا
وأصنع اللحن في نظمي أوقّعـه *** فينتشي الجسم والإحساسُ والفِكـرُ
يا فتية العدل والإحسان معـذرةً *** قد يقصُر اللفظ والمعنى له خطـرُ
اللفظُ يعجز عن تسجيل ملحمـة *** خلّدتموها دروسا ليس تنحصـرُ
ظُلمتمُ، إخوتي، والظلمُ مفسـدةٌ *** يطغى بها الجبر في الدنيا فينحسـر
ظلمٌ يعَضّ حقوق الناس قاطبـة *** فكل بيت به، من عضه، أثـر
العدل أمر من الرحمن نحفظـه *** والظالمون بأمر الله قد كفـروا
الظالمون مع الفجّار فـي دركٍ *** يوم القيامة قد ضمّتهمُ سقـرُ
ولا صباح لليل الظالميـن ولا *** يـَهْنـَا لهم مهربٌ إلا إذا سَكـروا
وفي صدورهمُ نارٌ مؤججـة *** وفي ضميرهمُ الأشواك والإبـرُ
جرائم الخلق أصناف بلا عـدد *** جريمةُ الظلم منها ليس تُغْتفـر
ظلمتمُ، إخوتي، والله صبّركـم *** إليه يلجأ مظلوم ويفتقـرُ
ظُلمتمُ ومآل الصبر جائـزة *** والأجرُ والفضل عند الله مُذّخَـرُ
فالصبر ينفع في البأساء صاحبَـه *** الصبرُ نور به الظلماء تندحـر
الصابرون بفضل الله قد ربحـوا *** والظالمون بعدل الله قد خسـروا
الصابرون بعين الله قد حُفظـوا *** الصابرون بفضل الله قد أُجـروا
علمٌ وفقه وحفظ للكتاب ونيــلٌ للشهادات بعضُ ما به ظفِـروا
صبرتمُ، إخوتي، والصبر أوصلكم *** وأخلف الزرعُ للآباء ما بـذروا
حولتمُ سجنكم روضا ومزرعـة *** فكان منه قُطوفٌ؛ طابتِ الثّمُـرُ
قطَعتمُ الوقت أورادا ومدرسـة *** عمَرتُموه، فلا غبنٌ ولا بطـرُ
فراغكم نعمةٌ حزتمْ جواهرهـا *** قد قطّع الوقتُ أقواما وما شعُـروا
أُدِنتمُ قبل بدء البحث، ويلهـمُ *** أُدنتمُ في الدعايات التي نَشـروا
فأنتم “العدلُ والإحسانُ” تهمتكـمْ *** هذا طريقٌ لأهل الظلم مُختصَـرُ
فالخطف والرعب والتعذيب لازمـة *** أما المحاضر بالتلفيق تَشتهـر
هذي مؤسسة البوليس سافـرةً *** أما المحاكم فالتهريج والهـذرُ
أين الشعاراتُ والوعدُ الذي وعدوا؟ *** أهْو المظالم والأدواء تستعـرُ؟
قالوا لنا: “دولةُ القانون”، ويحهـم ُ *** فأين في الفعل مصداقُ الذي ذكروا؟
هذي المخافر إرهاب ومسلخـةٌ *** سلِ المُجرّبَ، من ذاقوا ومن خَبَرُوا1
هذي المحاكم أشباحٌ وأقنعـة *** من خلفها العدل والقانونُ مُنطمـرُ
هذي المحاكم تمثيل ومهزلـة *** بها قضاةٌ بجيْب الجبر قد شَخَـروا
أين العدالةُ والنفخُ الذي نفخـوا؟ *** أين العدالة والميزان مُنكسـر؟
وأي عدل وأمرُ الناس ليس لهـم؟ *** وأي عدل ورأي الناس مُحتقـر؟
وأي عدل وشورى الدين غائبـة؟ *** وأي عدل ومال الله محتكـر؟
وأي حكم وقد حاقَت بنا نُظُـم *** غشّت أزمّتها جبْرية نُكُـر؟
هذا أمير، وذا شيخ، وذا ملـك *** وذا رئيس؛ نظامٌ واحدٌ نخِـر
قد أبّدوا الحكم في أصلابهم سَفهـا *** كأنما الناسُ قطعانٌ لهم سُخِّـروا2
فالأمر بينهمُ “شيء” يورّثه الْـأََسلاف للخَلـْف، بئس الحكمُ ما ابتكروا
الفرد يحكم، والأهواء شرعتُـه *** والناس في خدمة الطاغوت قد حُشروا
رُوَيبضاتٌ وغلمانٌ ومِقمعـة *** بل مقمعاتٌ لردع الناس إن جَسَـرُوا
بل خانقاتٌ لمنع الصوت إن زفروا *** بل طامساتٌ لدفع النور إن شـزَرُوا
قَلّبْ تجدْ منكراتِ العضّ صارخـةً *** و”تَزْمَمَرْتُ” منارٌ ليس يندثـتتتر
أجعجعاتٌ ولا طِحْنٌ يقوّتنـا3؟ *** أمُسْكنات وأصل الداء مُخْتمـر4؟
أمملكاتٌ ولا عدْلٌ يقوم بهـا؟ *** أمملكاتٌ وأسّ الملك مُنتخَـرُ؟
أأبّهاتٌ وبيت القدس مُغتصـب، *** وسيفُ حاكـِمنا في الغمد مُنصَهِـر؟
هذي فلسطينُنا في الأسر راسفـة *** وليس “معتصمٌ” فينا ولا “عُمَـرُ”
وليس يُجدي نداءٌ لا جوابَ لـه *** فأذْنُ حكامنا قد صمّها الوَقَـرُ
بل همّة في حضيض الوهْن قد سكنت *** فسامنا الذلَّ جبّار ومقتَـدِر
اليأس يعصرني من أمر أنظمـة *** على الخيانة والتسليم قد فُطِـروا
ومنهمُ من باِسم الدين يحكمنـا *** والدين منهم براءٌ حيثما حضَـروا
ألدّينُ خمرٌ وقيْناتٌ وشعـوذة *** بل زندقات تضاهي من همُ كفـروا؟
أَلدّينُ سيفٌ وإكراهٌ وجبريّـةٌ *** ومنكراتٌ لها الأكباد تنفطـر؟
فالدين منهم براء بعدما فُضحـت *** أسرارُهم وفشا في العالم الخبـرُ
قد كرّسوا المسخَ والتدجيل بدعَتَهمْ *** وخلفهم جوْقةُ الديدان قد دَخَـروا5
فتوَاهمُ حسب الأهواء ناضجـة *** فتواهمُ السوطُ والتسويغُ والخـدَرُُ6
موَظّفون لدى السلطان في ضَعَـة *** فعلمهمْ لرضاء العضّ يُقتَسَـرُ
لهم بيانٌ إذا السلطان صاح بهـم *** وإن يُنادَوْا لدينٍ نابَهم حَصَـرُ7
يسارعون إذا الدينار لاح لهـم *** وإن دُعوا لجهاد الباطل اعتـذروا
يا جبرُ، ها همْ بإذن الله قد خرجـوا *** ورغم ما كان من موْج فقد عبَـروا
فالحمد لله، ها همْ نورُهمْ ألـقٌٌ *** وأنت، يا جبرُ، في الظلماء تنتحـر
ظننتَ سجنك سيفا قاطعا أبـدا *** وطالما كنت بالعدوان تفتخـر
شاء الإله، وللأقدار حكمتهـا *** ولا يكون سوى ما ساقه القـدر
شاء الإله فكان السجنُ تجربـةً *** رغم الجروح، بها الأصدافُ والـدّرر
يا جبر، ها همْ، فإن الله نوّرهـم *** وزادهم بسطة في العلم لو شـكروا
هذي وجوههُمُ بالبشر مُسفـرة *** والجبر في الغيظ يغلي ثم ينفجـر
فاليوم شأنهمُ بالحق مرتفـع *** وأنت، يا جبر، مهزوم ومنحـدرُ
فالسجن ولّى، وفي التاريخ قد كُتبت *** عليك دعـْواتُ مظلومين قد جـأروا
عشرون عاما وكفّ العبد ضارعةُ *** قاموا وصلوا إلى الأسحار قد سهـروا
عشرون عاما وعين الله ساهـرة *** عشرون عاما وقلب الظالم الحجـرُ
مضى الزمان فهذا الشمل مجتمـع *** واُنظر بقلبك شملَ الجبرِ ينتثـر
مضى الزمان فصار السجن ذاكرة *** لكنه في كتاب الحق مُحْتَفـر
وليس يخفى على الرحمن ما كسبت *** أيدي الطغاة وما عاثوا وما كَسـرُوا
غدا يُرجّى لكم نسيانُ مُظلـِمـة *** ويرجع العيشٌ صفوا ما به كـدرُ
وينقضي الهمّ إلا همَّ آخـرة *** ويُجبر الكسرُ والآلامُ والضـررُ
يا جبرُ، ها همْ، بفضل الله في سَعـة *** وللجماعة فضلٌ ليس ينستـر
للمرشد السيد المحبوب يصحبُـه *** أهلُ النّـِقابة والإرشاد والأسـرُ
قد كنتمُ دائما في القلب يذكركـم *** منا القواعدُ والأنصارُ والأطـرُ
الكلّ كان، بلا منّ ولا بَخَـلٍ *** جندا على الثغر، إن قيل: انفرُوا نفَروا
ويرحمُ الله موتانا ويَسلُكهـم *** في الصالحين مع الأبرار إذ نُشـروا
ومنهمُ العلويُّ العطفُ دولتُـه *** قلب كبير يُقيل الناس إن عثـروا
إن الشريف بقلب القلب أسكنكـمْ *** قد كان يسأل عنكمْ وهْوَ يُحتَضَـر
قد فزتمُ بكثير من رعايتـه *** يوصي، يزور، يواسي الأهلَ، يبتَـدِر
ندعو له ما علا التكبيرُ مئذنـةً *** ما زانت الروضةَ الأنوارُ والزّهَـرُ
ونذكر الفضلَ للماضين نحفظـه *** ونحفَظ الودّ للذكرى فنذّكِـرُ
فعشتمُ، إخوتي، رمزا ومفخَـرة *** لدعوة هي بالأحرار تنتشـر
خرجتمُ، إخوتي، والحصرُ يجمعنـا *** والقمعُ والمنعُ والتضييق والعُسُـرُ
قد يخضع الفردُ والأرزاء تقذفـه *** ويثبت الجمعُ في الهيجا ويصطبـرُ
فلن نُسلّم والأغلال تخنقنـا *** ولن نخاف من الإحصار إن حَصَـرُوا
قد حاصرونا، وإن، فالله غايتنـا *** به نحصّن مرمانا فننتصـرُ
به الفقير غني، والضعيف قوييٌُ، والوضيع شريفٌ، إن همُ صبـروا
فلْيَسْمعِ الظالمُ الرِّعديدُ صرخَتنـا *** فالعزّ بالله لا بالناس، فانتظـروا
أم يحسب الطين أن الجـَوْر يُخلـده *** وهل يدوم لخلق، يا أخي، عُمُـرُ؟
هيهات يسكت شعبٌ أن يرى جيفـا *** تقوده، إن حق الجيفة الحُفـر
أقبلْ، أخي، نحْترفُ حفر القبور، فإنْـنَ النّتن، إن شاع، لا يبقي ولا يـذر
هذي المظالم آلاف مؤلفـة *** أين الجـِنازة؟ إن النعش ينتظـر
أئمة الجبر، قد سارت جِنازتُكـم *** فليس يبكي على أرماسكم8 بشـر
ومن يرمْ من ذراري البغي سيرتكم *** لا شك تُهْدَ له من قبركم عِبـرُ
1- خبرَ الأمرَ= عرفه على حقيقته

2- بمعنى سُخّروا، أي وجُدوا لخدمتهم وطاعتهم

3- يقوّتنا= بمعنى يقوتنا، من الثلاثي قاته يقوته

4- مُختمر= بمعنى متخف أو متقوّ

5- دخروا= ذلوا وصغُروا

6- الخَدَر= المخدّر الذي يؤدي إلى الكسل وفتور الحركة وضعفها

7- نابهم حَصَر= ألمّ بهم عِيٌّ في منطقهم جعلهم يفقدون القدرة على الإفصاح والبيان. والتعبير هنا تصوير مجازي.

8- أرماس: جمع رَمْس، وهو القبر

فاس: 30 أكتوبر 2009