أجرى موقع الجماعة حوارا مع الأستاذ محمد عبادي، عضو مجلس الإرشاد، حول تجربة الاعتقال وسط أعضاء العدل والإحسان وتأثيرها، وذلك بمناسبة الإفراج عن معتقلي الجماعة من سجن بوركايز بفاس يوم الأحد 01 نونبر 2009. هذا نصه:

سؤال:

هل يمكن أن تحدثونا عن تجربة الاعتقال وسط أعضاء الجماعة؟ متى بدأت؟ ما هي أهم التحولات التي عرفتها العلاقة بين الجماعة والمخزن بهذا الصدد؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لكم ولكل المتتبعين والقراء.

بدأت الاعتقالات في صفوف الجماعة مع بداية ظهورها. بل بالتحديد قبل نشأتها وتأسيسها. فقد اعتقل الأستاذ المرشد حفظه الله تعالى مدة ثلاث سنوات ونصف، وبدون محاكمة! واعتقل سيدي محمد العلوي رحمه الله وسيدي أحمد الملاخ شفاه الله مدة ستة أشهر، وبدون محاكمة.

ولما تأسست الجماعة وبشكل قانوني وبدأ الشباب يتردد على منزل المرشد حفظه الله لينهل من ينابيع الرحمة حكمة وعلما وإيمانا، ضاق المخزن المستبد درعا، فبدأت شرطته ودركه واستخباراته تستفز الزائرين وتمنع كثيرا منهم من الدخول. ثم منع الجميع من الدخول على الحبيب المرشد إلا إذا سلم بطاقة تعريفه للحرس الرابضين بباب داره. فإذا رجع إلى منطقته استدعي هو وولي أمره، إن كان شابا ليهدد ويخوف ويفزع. وكان ظهور جريدة الصبح ذريعة لمحاكمة محرريها وموزعيها بمدد تتراوح بين خمس سنوات وستة أشهر. وكان نصيب الحبيب المرشد سنتين كاملتين. ثم توالت الاعتقالات والمداهمات والمحاكمات بشكل تصاعدي، خصوصا أثناء الوقفات الاحتجاجية والمسيرات والتظاهرات، أو أثناء نزول الإخوة إلى الشواطئ، أو أثناء الاجتماعات التربوية والتعليمية في البيوت. وعرفت سنة 2006 اكتساحا شاملا لكل مدن المغرب وقراه حيث فاق عدد المعتقلين 6000 معتقل فيهم أطفال ونساء. وقل أن تجد بين أعضاء الجماعة من لن بزج به في مخافر الشرطة أو الدرك ولو مرة على الأقل. وعاصفة الاعتقالات لم تهدأ بعد. فبين الفينة والأخرى نعيش ونسمع عن مداهمات للبيوت هنا وهناك، كل هذا بالرغم من وجود عشرات الأحكام التي تثبت مشروعية تجمعات الجماعة وقانونيتها.

وليس هناك تحول لا في مواقف الجماعة ولا في مواقف المخزن. فالجماعة لم، ولن تتخل عن غاياتها وأهدافها النبيلة وهي: تحقيق العدل والإحسان. والدولة، وبعد فشل أسلوب الإغراء والاحتواء، مازالت تتفنن في المكر وابتكار وسائل التضييق والاضطهاد لخنق الجماعة وإسكات صوتها. ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. ولم يعد شر المخزن يقتصر على أعضاء الجماعة داخل المغرب، بل شمل شرها معظم الإخوان في الأقطار الأخرى.

سؤال:

يتداول أعضاء الجماعة أن السجن مدرسة يتاح فيها للمعتقل ما لا يتاح له خارج السجن (حفظ القرآن، التفقه في الدين، البحث، استكمال الدراسة الجامعية…) ما مدى صحة هذا الكلام؟

جواب:

تبنى وتقام السجون في بلدنا لتكون عذابا ونقمة على المسجونين، ولكن المؤمنين بفضل الله ورحمته يحولونها إلى خلوات للتبتل بين يدي الله، وإلى مدارس لتخريج العلماء والدعاة، السجن بهذه الأوصاف عالم تقل أو تنعدم فيها العوائق التي تشغل الإنسان عن الانجماع على الله عز وجل، وعن التفرغ للعلم والتحصيل.

فإذا سألت الإخوان الذين تخرجوا من مدرسة يوسف عليه السلام ينبئك حالهم قبل المقال على ما أفاض الله عليهم من نعم لا حصر لها داخل السجن. وكلما كانت مدة السجن أطول كانت الحصيلة الإيمانية والمعرفية أوفر وأغزر. وأصدق مثال على هذا إخواننا الطلبة الإثنا عشر الذين قضوا زهرة شبابهم بين قضبان السجن ظلما وعدوانا. دخلوا السجن طلبة وسيخرجون بعد أيام إن شاء الله أساتذة متخصصين وشيوخا مربين ودعاة مقتدرين.

سؤال:

ما هي الوسائل التربوية التي تعتمدها الجماعة لتحصين صفها من الانعكاسات السلبية للاعتقال؟

جواب:

من أهم الوسائل المعتمدة لتحصين المعتقلين، بعد الاتكال على الله واستمطار التوفيق والسداد من عنده:

أ‌- عكوف ومواظبة الإخوان المعتقلين على برنامج تربوي متنوع ومكثف، يتضمن قيام الليل باستمرار، ومداومة الصيام والقرآن والذكر ودعاء الرابطة والتعلم، وبذلك تتربى فيهم روحانية عالية تنسيهم قسوة السجن وآلامه؛

ب‌- مواساة الجماعة بمختلف مؤسساتها وأجهزتها وعموم أعضائها، لهم ودعمهم معنويا وماديا والدعاء لهم باستمرار؛

ت‌- تعهدهم بالزيارة؛

ث‌- تفقد أحوال أسرهم الذين يتحملون من الآلام والمعاناة ما لم يتحمله السجناء؛

ج‌- استحضارهم يوميا في دعاء الرابطة، هذا الدعاء الذي يساهم بشكل كبير في توحيد الجماعة وتماسك صفوفها.

فإذا كنت في محنة وكانت هناك مئات آلاف الأكف تدعو وتتضرع إلى الله ليفرج عنك ألا يوجد من بينهم من يستجاب دعاؤه؟ بلى. كيف لا ودعاء المؤمن لأخيه المِؤمن في ظهر الغيب مستجاب.

سؤال:

تشكل عادة الاعتقالات الجماعية مناسبة للمراجعات والنقد والخلافات، وهذا لم يسجل في حالات الاعتقال الجماعي داخل الجماعة. ما السبب؟

جواب:

أسباب الخلافات والانشقاق الذي قد يحصل في صفوف التنظيمات داخل السجن أو بسبب السجن، يرجع عادة إلى أمراض النفوس أو التباين في التصورات والمناهج والأساليب.

أمراض النفوس مثل حب الزعامة والظهور وسوء الظن بالآخر تعالج بالتربية.

أما الاختلافات في التصورات والمناهج والأساليب فقد حمى الله أبناء الجماعة منها لأنهم يسيرون على منهاج نبوي واضح المعالم يقنع العقل ويطمئن القلب فلا يتصور أن تحدث انشقاقات أو تراجعات في صفوف المعتقلين.

إن الشباب المغرر به في تنظيمات غير واضحة الأهداف، قد تدفع لاستعمال الأساليب والوسائل حتى الغير مشروعة ولا موصلة لتحقيق الأهداف، وقد يعيد النظر فيما هو فيه وعليه عندما يتقدم به العمر في غياهيب السجون ويتخلص من نزق الشباب ويتحرر من المفاهيم الخاطئة والأفكار الطائشة إن وجد من يهديه إلى سواء السبيل أو تعمق في فهم الإسلام وشموليته ووسطيته.

سؤال:

ما هي الرسائل التي حرصت الجماعة على تبليغها من خلال ثبات المعتقلين على مواقفهم؟

جواب:

الرسائل واضحة مفهومة، ولكن أنى لمن طمست بصيرته أن يقرأها ويعيها؟

من هذه الرسائل أن أسلوب القمع والتنكيل والسجن والتخويف والإرهاب لا يجدي مع الجماعة نفعا. الحل أن تجلس السلطات إلى مائدة الحوار وتكف عن ظلم الجماعة. وتستمع إلى كلمة الحق والنصح من أفواه المخلصين لهذا البلد. وإلا فالطوفان قادم لأن الظلم مؤذن بالخراب.

سؤال:

كيف مرت على الجماعة هذه التجربة؟

جواب:

لو أن المخزن يقوم بما يقوم به من اضطهاد واعتقال لأعضاء الجماعة لكان مأجورا ولكن فعله كان ولا يزال مكرا وكيدا وحقدا دفينا ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. أما الجماعة فقد استفادت من هذه المحن منحا. منح ساهمت في رفع معنويات الإخوان وزادتهم يقينا في مشروعهم التغييري ومزعت العب من قلوبهم فلم يعد بعبع المخون يخيفهم. وصدق من قال: كل نقمة في طيها نعمة.