في فاتح نونبر عام 1991 تم اعتقال اثني عشر من الفصيل الطلابي لجماعة العدل والإحسان بتهمة لم تثبت، ثم أدينوا بعشرين سنة حبسا نافذا في ظروف أقل ما يقال عنها إنها كانت تنعدم فيها أدنى شروط المحاكمة العادلة.

وحتى يعلم من لا يعلم، فإن ذلك الحكم الجائر قد جاء بعد فشل المفاوضات بل المساومات مع الأستاذ المرشد حفظه الله الذي كان تحت الحصار وأعضاء مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان الذين كانوا آنذاك رهن الاعتقال بسجن سلا. وبذلك يتأكد أن ذلك الحكم الثقيل لا علاقة له بالتهم المنسوبة إلى الطلبة الإثني عشر، وإنما كان وراءه قرار سياسي جبان، وانتقام أسود من الجماعة التي رفضت الرضوخ لإملاءات النظام ومساوماته الرامية إلى الإدماج والتدجين.

ثم جاءت مناسبات أعلن فيها رسميا عن نية زعموا أنها صادقة لطي صفحة الماضي الكئيبة، وإنهاء الاعتقال السياسي. وقد تم بالفعل الإفراج عن المساجين السياسيين وأعيد لهم الاعتبار، لكن الاستثناء كان من نصيب الإخوة الإثني عشر، علما بأن قضيتهم تنطبق عليها كل المعايير المطلوبة لتسويتها، وتزيد بما يتمتع به أصحابها من خلق إسلامي رفيع، يشهد به كل من عرفهم عن كثب من حراس السجن ونزلائه، فضلا عما حصلوه من علوم وتكوين رصين. كل ذلك كان يقضي أن يكونوا في مقدمة من أطلق سراحهم وأنهيت محنتهم. لكن شيئا من ذلك لم يحدث، ليتأكد مرة أخرى الموقف العدائي الرسمي من الجماعة، وينكشف زيف الشعارات المرفوعة، كما تكسرت أيضا مصداقية بعض الحقوقيين الذين يزعمون أنهم يناهضون الاعتقال السياسي دونما تمييز وأيا كانت توجهات ضحاياه.

ولبث الإخوة في السجن سنين طوالا تعرضوا خلالها لمضايقات متواصلة كان القصد منها إضعاف إرادتهم وترويضهم لكي يتنكروا لمبادئهم ويعترفوا بالمنسوب إليهم ليبرئوا بذلك ساحة من دبر ومكر، ويتحملوا وحدهم وبغير وجه حق وزر ما وقع، وليبقى طلب العفو هو المخرج الوحيد لإنهاء محنتهم.

لكن الإخوة آثروا وبكامل وعيهم العزة وإن كانت دونها محنة على مخرج الذلة والهوان، والثبات على الموقف على الاستجداء والاستخذاء، ورفضوا في إباء عروض سدنة الطغيان ولسان حالهم يقول ما حكاه القرآن على لسان يوسف الصديق عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. فصرف الله عز وجل عنهم كيدهم ومكرهم، وثبتهم ورزقهم في محنتهم منحا ظاهرة كثيرة.

وقد حولوا معتقلهم إلى خلوة للعبادة والتبتل والاستظلال بظلال القرآن. وأتم أكثرهم حفظ كتاب الله، وتفقهوا فيه، وخصصوا جزءا من أوقاتهم للتحصيل العلمي وتفوقوا فيه تفوقا ملحوظا. فمنهم من حصل على شهادة الدكتوراه، ومنهم من نال أكثر من إجازة وفي أكثر من تخصص. ولله المنة والفضل.

واليوم هاهي سنوات الاعتقال الجائر قد انتهت، وقد مات من مات وبقي من بقي. وقد كان في غياب من غاب عبرة وأية عبرة، ولكن الظالمين لا يفقهون ولا يعتبرون. لقد مضوا غير مأسوف عليهم، ويكفي ما يكتب عنهم اليوم وما ينشر، وما تدمغ به أيامهم من قبيح النعوت ومستهجن الصفات.

ليس بنا حاجة إلى التشفي، ولكن حسبنا أن نقول لمن لا يزالون أحياء ممن تمالأوا وتآمروا، أو حكموا أو خاضوا وما أنصفوا، إننا نكلكم إلى ضمائركم، والموعد يوم تنكشف فيه الحقائق. أما الذين قضوا، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا، وعند الله تجتمع الخصوم.