بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين

الحمد لله الذي كفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي

وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ

أيها الإخوة الكرام والأخوات الكريمات: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

ها هي ذي سفينة التمحيص والبلاء قد استوت على جودي التخليص والوفاء، بعد أن وقانا اللطيف بالعباد سيئات ما مكر الماكرون.

ودفع عنا الحكيم العليم زور وبهتان ما جاء به الأفاكون الخراصون.

فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ

لما يئسوا أن تخضع جماعة “العدل والإحسان” لمساوماتهم السخية صبوا علينا سوط حكمهم الجائر عشرين سنة. حسبوه شرا مستطيرا نزل بساحتنا، بل هو الخير العميم انقلبنا منه بعفو من الملك القدير وعافية وفضل، لم يمسسنا سوء ولا رهق ولا ذلة، والله ذو فضل عظيم.

أيها الأحباب الكرام: لقد خضنا وإياكم غمار الأسر ونحن لعهد الصحبة راعون، وبرداء بَركتها متدثرون، وفي ظل كنفها محفوظون، فما كان من اللطيف الخبير إلا أن أعاد علينا شوك السنين ريحاناً، وتخويف المخزن أماناً، ووحشة الزنازن أنساً بالقرآن والعلم النافع استعداداَ وتثبيتاَ.

وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً

وذاقت عائلاتنا من البلاء أشده، فمنهم الملتحق بالحَكَم العدل وقد أغصَّهُ شَجَى الفراق، ومنهم المُكابد وعثاء الوحشة وعناء السقم، غير أنهم كانوا بجميل الصبر متقلِّدين، وبنصر الله مستيقنين، غير شاكِين بتهم وحُزنهم إلا إلى الحفيظ العليم، متمثلين بقول القائل:إذا ما تمنى الناسُ روْحاً وراحة *** تمنَّيتُ أن أشكو إليكَ فتسمعاولما جاءنا بشير الحرية والانعتاق، طار بنا جناح الاشتياق والتلاق لنحط بأعتابكم البهية شاكرين لكم حسن الوفادة، وسابغ الدعاء، ومُقرين لكم بمدد التثبيت ودفء الوداد.

إخواننا وأخواتنا الأعزاء، داخل غياهب سجون بلدنا الكئيبة كان خَلاقنا من ضيافة العهد القديم والجديد التضييق والحرمان وهدر الكرامة والاستثناءات المتكررة من فتات موائد المنح العفوية والعطايا المذلة في سنوات 94 و98 و2004. أما خارج الأسوار فإن تهشيم الرؤوس، ورضخ العظام، والاعتداء على الحرمات، واستدامة الحظر والحصار، كان نصيب جماعتنا المباركة بكل قطاعاتها وبخاصة فصيلها الطلابي الصامد الذي ذاق من ظلامات المكر المخزني الموغلة في القسوة والانتقام.إن توالي مسلسل القمع والإقصاء على جماعة العدل والإحسان، والإصرار المستميت على إسكات كل الأصوات الأبية المنادية بالحرية والكرامة والعدل، لمما يكرس معاناة وتقهقر الشعب المغربي المستضعف المكلوم، ويبين بجلاء زيف ما يرفعه المسؤولون من شعارات هي التدجيل والخبال: الإنصاف والمصالحة وطي صفحة الماضي الأليم ودولة الحق والقانون.

ونحن إذ يُمضّنا انصرام زهرة شبابنا خلف القضبان، فقلوبنا لا تأسى على ما أصابها من ضراء، ولا تتحسر على ما فاتها من نعماء، فالدعوة إلى الله حرفتنا المثلى، ومستقبل دولة الإسلام مرمى حركاتنا وسكناتنا. وما عند الله خير وأبقى وأنقى. وما هي إلا ومضة الدنيا الخاطفة، فإذا نحن في القبور أجسادا، وفي البرزخ أرواحا، وعند الله عز وجل في مقعد صدق مطمحا. والظالمون مهما اشتدت سطوتهم في الدنيا، واتسع تقلبهم في البلاد، فصَولتهم ساعة، ثم مثواهم يوم القيامة هوانا، ومقامهم صغارا.

نذكر أنفسنا وإياكم أيها الأحباب بهذا النبإ العظيم، لئلا تصرفنا صوارف مدافعة الباطل، وزهو النصر والكرامة عن الإقبال على الله تعالى وانتظار لقائه، والرجاء لمغفرته ورضوانه. فمُسكة الإيمان بالغيب هي التي عليها مدار اهتدائنا ومحور فلاحنا في الدنيا والأخرى.

إن تنكب طريق الهداية والفلاح سلك بأمتنا مهاوي الشتات والضياع، فكان من عاقبته النقض الجبري المتوارث والاستكبار العالمي المستنزف لخيرات البلاد والعباد على طول خارطة العالم الإسلامي (فلسطين، العراق، الشيشان، أفغانستان…). والأمة الغثائية جثة هامدة لن تنبعث من رقاد، وتتجمع من فرقة، وتحيى من موات، لتقوى على حمل الرسالة للعالمين إن لم تعد إليها الروح بعودة الشورى والعدل والإحسان. وما ذلك على الله بعزيز.

أيها الإخوة الكرام، والأخوات الكريمات: اليوم وقد أظلتنا معكم سماء حرية منقوصة، فقد خلفنا وراءنا رجلا مقداما صابرا محتسبا تضمه سراديب سجن ظالم، ذلكم هو أخونا الحبيب بلقاسم التنوري الذي نقرئكم سلامه ونحكي لكم ثباته واستبشاره، والله نسأل أن يفك أسره وأن يجمعه بأمه وبأهله وإخوانه في أوان قريب.

كما خلفنا وراءنا ثلة من المعتقلين الإسلاميين يتجرعون مرارة الظلم وقهر السجن والسجان.

إخواننا وأخواتنا الأعزاء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يشكر الناس لم يشكر الله” 1

ولقد استرقّنا جميل نصرتكم، وجزيل بذلكم، وحسن مواساتكم، فلا نملك إلا أن نتقدم بالشكر العميم إلى كل من دعا لنا بظهر الغيب، وناصر قضيتنا، وآزرنا في محنتنا، وفي مقدمتهم:

– الرجل الذي أصفينا له المحبة، فرفعنا في درجات الحب لله ولرسوله الكريم، وأفاض علينا من جزيل أدبه وفيض تلطفه وجميل إحسانه ما يليق برفق الوالد المعلم الرحيم. حبيبنا المرشد حفظه الله.

– وأعضاءُ مجلس الإرشاد والمسؤولون القياديون في جماعة العدل والإحسان الذين تعهدونا بالنصح والتوجيه والرعاية.

– وكافة المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا في مباشرة خدمتنا، ومواساة عائلاتنا.

نسأله سبحانه الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وشكر نعمه وآلائه. رب أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.

فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأحد 01/11/2009.


[1] أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.\