بعد أن قضوا وراء قضبان الظلم والطغيان نحو عقدين من الزمن بسبب قناعاتهم السياسية، وبعد أن استثنوا مرارا وتكرار من الحق في العفو الشامل الذي طال صنوفا من المعتقلين السياسيين.. أفرجت إدارة سجن بوركايز بمدينة فاس صباح يومه الأحد 1-11-2009 عن “معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر” وسط استقبال حاشد من أعضاء الجماعة وعائلات المعتقلين.









وقد كان في استقبالهم أمام باب السجن أفراد العائلات وذويهم وثلة من نساء ورجال الجماعة، يتقدمهم عدد من قيادات العدل والإحسان ومسؤوليها. ووسط أجواء من الفرح والسرور رفع الحاضرون أناشيد وشعارات الاستقبال “طلع البدر علينا من تنيات الوداع**وجب الشكر علينا ما دعا لله داع”، ورددوا منهاج النبوة “دستورنا القرآن والله غايتنا**ورسولنا العدنان زعيم دعوتنا” ورفعوا دعاء النصر “ربنا إياك ندعو ربنا**آتنا النصر الذي وعدتنا”.

وتم الإفراج عن أحد عشر معتقلا هم الأستاذة: يحيى العبدلاوي، محمد اللياوي، أحمد التاج، مصطفى حسيني، محمد بهادي، نور الدين التاج، محمد الزاوي، محمد الغزالي، علي حيداوي، المتوكيل بلخضير، بلقاسم الزقاقي. في حين يستكمل الدكتور بلقاسم التنوري ما تبقى له من المدة السجنية للفارق الزمني لحظة الاعتقال.

ومعتقلو العدل والإحسان الإثنا عشر، أو طلبة وجدة كما عرفوا في الإعلام، هم الطلبة الذين اعتقلتهم السلطات المغربية بمدينة وجدة سنة 1991 ضمن مجموعة من طلبة الجماعة، وحُكم عليهم بـ20 سنة سجنا نافذة في ملف سياسي فاقد لأي أساس قانوني، ليشكل بذلك أحد أسوء خروقات حقوق الإنسان في المغرب الحديث.

لحظات إنسانية وسياسية خالدة

ما بين دموع وورود.. وزغاريد وأفراح.. وتكبيرات وأناشيد.. أهل الأحد عشر بدرا تباعا ابتداء من التاسعة صباحا من يوم الأحد.

حيث استقبلهم عدد من رجال الجماعة ونسائها وذوي المعتقلين وعائلاتهم، بأناشيد الفرح بالنصر بعد الصبر، والبشرى باللقاء بعد الفراق، وشكر الله على الثبات في محجة العدل والإحسان اللاحبة. “فتح من الله ونصر قريب”.

واختلطت مشاعر الفرح بأحاسيس العزة، وامتزجت معان إكبار هؤلاء الرجال على صدقهم وثباتهم بمحبتهم وإجلالهم، حين فضلوا أن يقدموا زهرة شبابهم في سجون الجلاد على أن يعطوا الدنية في دينهم ويتنازلوا عن خياراتهم الدعوية والسياسية السلمية المدنية. قال الحق سبحانه من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبيدلا.

لقد كانت لحظات الإفراج عن معتقلي العدل والإحسان خالدة لن تنسى، مليئة بالموقف السياسي وزاخرة بالمعنى الإنساني. فبقدر ما كان الحدث سياسيا وحقوقيا كان إنسانيا وأخلاقيا.

أمهات تعانق قرات الأعين بعد طول فراق.. وآباء يحتضنون فلذات الأكباد بعد أن صاروا رجالا.. وأطفال ترسم براءتهم سعادة وجْد الأب بعد الفقد.. وزوجات تخط دموعهن حقيقة الوفاء والإباء.. مشهد إنساني هادئ وجميل، سعد فيه الجميع بالجميع واستقبلت العائلات أبناءها المعتقلين باحتساب ورضا.

كما كانت لحظات اللقاء بين قيادات الجماعة وأبناءها مع معتقلي العدل والإحسان محطة لتجديد العهد وترسيخ المنهج وتثبيت السير وتأكيد الثبات، ومناسبة أظهرت فيها الجماعة عمق التربية التي تلقُّن لأبنائها، وحدثا جددت فيه مواقفها السياسية ورؤاها التغيرية.

إن استقبال شباب العدل والإحسان ورجالها ونسائها لمعتقلين قضوا السنون الطوال وراء قضبان سجن المخزن المغربي رسالة شديدة الوضوح على أن الاعتقال لا يُرعب، والاعتداء لا يُرهب، والاضطهاد لا يُخيف، والسجن لا يُغيِّر حقيقة الرجال الصادقين، والحصار لا يُبدِّل هوية الحركات المجاهدة.

سياق الاعتقال.. الخلفية السياسية والخرق القانوني

ومعلوم أن السلطات المخزنية المغربية كانت قد اعتقلت “طلبة وجدة” يوم الجمعة 1 نونبر 1991، ضمن سلسلة من الاعتقالات التي شملت عددا من الطلبة ومسؤولي العدل والإحسان، وذلك كورقة للضغط على قيادات الجماعة كي تعترف بشرعية النظام الحاكم وتُخفِّض من سقف موقفها وخطابها السياسي. خاصة وأن هذه المرحلة تميزت ببروز قوي للجماعة تمثل في محاكمات مجلس الإرشاد سنة 1990، خصوصا يوم 08/05/1990 المشهود، ومحاكمات أعضائها على طول خارطة المغرب، ثم الوقفات التي ساهمت في تأطيرها، كمسيرات التضامن مع العراق، ومسيرات فاتح ماي 1991. ناهيك عن الحضور القوي لفصيل طلبة العدل والإحسان بالجامعات المغربية.

وهكذا أقدمت أجهزة الدولة على فبركة ملف جنائي ضد عدد من طلبة العدل والإحسان ولفقت لهم تهمة قتل طالب يساري هو المعطي بومليل، واقتادتهم لمحاكمة سياسية عارية عن أي أساس قانوني سليم، لتصدر غرفة الجنايات حكمها بتاريخ 10/01/1992، والذي قضى بمعاقبة أحد عشر طالبا منهم بعشرين سنة سجنا نافذا. ولتستكمل السلطات ملفها المشوه يوم 19/08/1992 حيث اعتقلت الطالب بلقاسم التنوري لتقضي في حقه هو الآخر بـ20 سنة سجنا نافذا يوم 19/01/1994.

وتميزت جميع مراحل أطوار المحاكمة بالعديد من الخروقات القانونية والحقوقية التي سجلتها هيئة الدفاع، منها انعدام أية حالة من حالات التلبس، وغياب الطرف الثاني الذي تدِّعي السلطات أنه وقع الشجار والاقتتال معه، وتزوير المحاضر والإرغام على توقيعها تحت التعذيب والإكراه، وتجاوز مدة الحراسة النظرية، وخرق علنية المحاكمة، وغياب الإثبات القانوني، وعدم إحضار شهود النفي وكان من بينهم رئيس جامعة محمد الأول بوجدة ومدير جريدة المواطن السياسي. (وللمزيد من التفاصيل في الخلفية السياسية للاعتقال والخروقات القانونية يمكن مطالعة موضوع “قضية طلبة العدل والإحسان المعتقلين بين التوظيف السياسي والخروقات القانونية”).

صبر ونصر

صبر معتقلو العدل والإحسان على الابتلاء حتى أتاهم النصر والفرج، وثبت طلبة الأمس دكاترة اليوم على مبادئهم الإسلامية وقيمهم الإيمانية، ولم يغيروا ولا بدلوا.

تخطوا المحنة فكانت المنحة، ورأوا فضل الله فكانت النقمة نعمة، وحولوا سنوات السجن إلى مساحة للتعلم والتربية والتكوين. فكانت النتيجة أن حملوا القرآن في صدورهم حفظا وفي سلوكهم أخلاقا، وحصَّلوا أعلى الشواهد من الدكتوراه ودبلوم الدراسات العليا والمعمقة، وانتزعوا احترام الجميع حتى ممن يخالفهم الرأي والقناعة.

برهن معتقلو العدل والإحسان على أن سنة الله ماضية في التدافع بين الحق ورجاله والباطل وأزلامه، فاستبشروا أن اجتباهم المولى وجعلهم في سلسلة النور والابتلاء والجهاد، فكان منهم ومن الجماعة الصبر والشكر ومن الله سبحانه الزيادة. “ولئن شكرتم لأزيدنكم”.

بين الفاتح من نونبر 1991 والفاتح من نونبر 2009 سنوات ممتدة، تغيرت فيها أشياء وترسَّخت فيها مبادئ.

أعاد فيها النظام السياسي الحاكم تثبيت الأخلال الكبرى والانحرافات الجسيمة، فمضى عهد وجاء عهد وذهب حاكم وجاء آخر وخفتت ذكر أسماء وعلت أخرى، وما زالت أزمة المغرب قائمة ولا تزيدها السنون إلى تعقدا.

وأكدت فيها جماعة العدل والإحسان أنها ماضية في طريق الدعوة إلى الله بالرفق والموعظة الحسنة، وبالقول البليغ في وجه الظالمين لا تخشى في الله لومة لائم ولا يصدها الوعيد ولا التهديد.

وبرهن خلالها معتقلو العدل والإحسان عن صدقهم، ورسموا صورة حقيقة عن طالب وعضو وإطار العدل والإحسان، فهيئوا أنفسهم للمستقبل الواعد علما وتزينوا في معاملاتهم وسلوكهم أخلاقا، وحمَّلوا الأمانة للسائرين على دربهم أن لا تبديل ولا تغيير.

للمزيد من التفاصيل حول حدث الإفراج وأسباب الاعتقال، طالع ملف “معتقلو العدل والإحسان.. درس في الثبات والصمود” على الصفحة الرئيسية للموقع.