2. قبضة الماضي

أ- من سيادة استراتيجية البناء إلى هيمنة منطق التبرير المصلحي

لا يمكن رسم معالم استراتيجية تفكير سياسي جديدة تحقق مضامين مقدمات الحلقة السابقة (الاستقلال، الجدة، التأصيل، القطع مع أي شكل أو مضمون استبدادي في بنيته، أي التفكير، الداخلية وفي معارضاته الخارجية) ما لم يتم إنجاز عملية نقدية شاملة وجذرية لتراثه المترسب في المؤلفات والأذهان والنفسيات والمواقف والسلوكات، ذلك أن هذا الترسب أصبح عائقا ومانعا كبيرا من الانطلاقة الحقيقية نحو حرية الأمة وخدمة الإنسانية على قواعد العدل الشامل.

لذلك نحتاج إلى بناء منهج علمي يخرج بنظام التفكير من الفكر المنحبس الذي ينتج فقها أكثر انحباسا ومنغلقا على نفسه بدورانه على قاعدة “يجوز، لا يجوز”، الذي هيمن على حركة الأمة في الزمان والمكان وقلص أداءها إلى المستوى الفردي وإلى مستوى المجموعات الصغيرة المتطوعة وإن كانت محرومة من كل إمكانات أمتها المادية والمعنوية والجغرافية والبشرية والطبيعية… بسبب الاستبداد القروني الوراثي، إلى قوة فكرية توفر عمقا استراتيجيا وتدفقا عمليا شاملا يحرر الأمة من قبضة الماضي الاجتهادي ويفتح لها أفق الاجتهاد والتجديد الشامل بما يحررها من التبعية للغير ويجعلها مؤهلة لاقتراح مشروع تجديدي على العالم.

فحينما نرجع إلى التجربة النبوية الخلافية -نسبة إلى الخلافة- نجد الواقع التالي:

من خلال نظام تدبير الشأن العام تحرك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والخلفاء الراشدون للاجتهاد في هذا التدبير ولبناء الكليات العلمية والعملية وللبحث عن الحكم الجزئي للقضايا الفردية والخاصة المعروضة عليهم. أي أن الحركة الجزئية مندرجة في سياق الحركة الكلية وبناء قواعدها واستراتيجياتها، لكن لما تدخلت عوامل كثيرة حصل انفصال خطير بين العلم والعمل الذي يشكل الانجماع بينهما مصدرا كليا للفقه الجامع والعمل الباني على المستوى الفردي والجماعي (يراجع في الباب مقالنا المنشور في موقع aljamaa.net): معنى القومة العلمية ومظاهرها الأساسية في مدرسة المنهاج النبوي).

فلما افترق القرآن والسلطان افترق العلم والعمل، بالمعنى الكلي، فاختل نظام الحياة العام وتحول من واقع الشورى والعدل إلى واقع الاستبداد والفرقة والتظالم. وهو ما سيؤثر جوهريا في الاجتهاد في قضية الحكم والموقف منه حيث تمزقت بشأنه الأمة إلى فرق ومدراس ومواقف مختلفة وفي حالات كثيرة متعارضة.

هنا لا بد من إشارة دالة على العناية الإلهية بتوفيقه سبحانه رجال الحديث بالسهر على البحث في صحة نسبة السنة لرسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبتوفيق أهل التربية (أرباب القلوب) للسهر على جوهر الدين.

إن استراتيجية البناء النبوية الخلافية ما كان لتتعثر لولا حصول واقع الفرقة بين السلطان والقرآن بعد حوالي ثلاثين سنة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي بين العلم والعمل بالمعنى الجامع. مما يجعل من ساهم وأسس لهذا التحول من نظام الخلافة إلى نظام الفرقة والانفصال أمام مسؤولية عظمى، وهو ما يدلل على أن المدخل لإعادة البناء يتجلى في حصول عملية اجتهاد فكرية كبرى تعيد نسج العلاقة نظريا بين العلم والعمل على مستوى كبير من الدقة لتحقيق واقع اجتهادي ينجز مهمة جهادية منظمة تقيم على أرض الواقع من جديد العلاقة الصحيحة بين السلطان والقرآن.

وبهذا نتوفر على معيار دقيق في تقويم وتقييم المواقف السياسية بالكشف عن نظام التفكير والفكر السياسيين اللذين يؤطرانها.

فحينما ننظر في المواقف السياسية بعد حصول الانفصال المذكور نجد أن هيمنة التبرير المصلحي على التفكير السياسي هو ما أنتج فكرا سياسيا أسس لمواقف لم تستطع أن تعيد اللحمة باكرا، فتَكرس واقع الانفصال على قواعد راسخة ومنطق قوي أدى إلى تهميش وإقصاء المواقف المخالفة الداعية مباشرة إلى إرجاع الأمور إلى نصابها قبل فوات الأوان.

ب- قراءة في منطق التبرير المصلحي في المدرسة السنية

هنا لا بد من الإدلاء بملحوظة منهجية، قليلا ما ينتبه إليها الباحثون، تتعلق بضرورة التمييز بين المدرسة الشيعية والمدرسة السنية في الباب، حيث لكل سياقها الذي صيغت فيه مضامين المواقف ومصادرها وأسسها ومفاهيمها لدى كل مدرسة، إذ هذا التمييز المنهجي سيفضي إلى الكشف عن أمرين:

الأول: مصادر الاختلاف بين المدرسين، ومواطن الضعف في كل واحدة منهما.

الثاني: مواطن الاتفاق بين المدرستين.

وهو ما سيكون عاملا مهما في البناء المستقبلي كما سيتبين لاحقا، إن شاء الله تعالى، حيث سيساهم في وضوح أسس هذا البناء وكثير من التفاصيل المناسبة لهذا البناء.

ولذلك، ففي هذه القراءة سنقف مع الفكر السياسي في المدرسة السنية الحديثة حفاظا على البحث في سياق موحد إلا إذ اضطررنا إلى المقارنة بين المدرستين، ذلك أن الخلط المنهجي في البحث بينهما له نتائج علمية مؤثرة في عملية البناء المستقبلي حيث أسس المدرسة الشيعية ليست هي أسس المدرسة السنية وإن توفرت بعض المصادر والعناصر المشتركة.

أولا: لماذا المنطق التبريري في المدرسة السنية؟

لاشك أن قضية الحكم (النظام السياسي) والموقف من الحاكم (الشخص الحاكم) شكلت محورا هاما لدى علمائنا نظرا لموقعها في حياة الأمة، بل في حياة الأفراد، ولذلك تجد علماءنا تطرقوا إليها معالجين إياها بحثا أو تأليفا أو في معرض الجواب عن فتيا تتعلق بها أو في معرض التلميح للحاكم في موعظة من باب “ما بال قوم”، أو في موقف حاسم كما فعل كثير من الأئمة عندما نظروا إلى مآلات الموقف؛ كما فعل الإمام مالك في قضية زواج المكره والإمام أحمد في قضية خلق القرآن الكريم.

وفي هذه المقالة سنقف في مرحلة تأسيسية لنقد التفكير والفكر السياسيين الحديثين مع ثلاثة رجال من الأوائل لنحاول من خلال قراءة مواقفهم أن نفهم منطق التبرير الذي اعتمدوه في صياغتها، ولندرك حجم أثره حاليا، ولنستشرف أفق التجديد على هذا المستوى.

فقوة التبرير جاءت من بنائها على ترجيح مصلحي، حيث من القواعد المقررة في علمي الأصول والمقاصد أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة. ولذلك فمستند التبرير هنا شرعي ويتكئ على منهجية أصولية (نسبة إلى علم الأصول وعلم المقاصد) ممتدة في نظام التفكير من حيث بنائه ابتداء، وهو ما يدل على أن المدخل هنا يكمن في توفر الكفاءة العلمية لإثبات أن المنهجية السائدة التي حكمت صياغة الموقف السياسي في مرحلة سابقة تحتاج إلى عملية تكييف هامة لمناسبة المرحلة التاريخية المعيشة اليوم. وهذا لا ينقص من أهميتها وقيمتها، أي المنهجية، بل يفرض ضرورة تجديدها وتطوريها لكي نفتح أفقا جديدا في نظام التفكير لدى الحركة الإسلامية وفي بناء استراتيجياته السياسية والحركية الجديدة، كما أن المقام يقتضي أن مخالفة الموقف المبني على منطق التبرير السابق لا يعني خروجا عن الشرع وأحكامه، بل ينبغي إثبات أنه عين الشرع وحكمه المناسب وحكمته البالغة.

فالقاعدة المشار إليها أعلاه التي أنتجت المواقف السابقة ينبغي الانتباه إلى أنها وُظفت في سياق حركي وعلمي يختلف تماما عن السياق القائم اليوم، ولذلك فتوظيفها في المرحلة المعيشة حتما سينتج موقفا مخالفا للسابق نظرا لاختلاف السياقيين.

لذلك ينبغي الوعي بجوهر القاعدة مع الوعي التام بالسياق الذي وظفت فيه، لأن توظيفها سيستعمل في سياق استراتيجية اجتهادية وفكرية مغايرة، مما يقتضي أن النتيجة السياسية من حيث الفكر والموقف الحركي ستكون مغايرة تماما للصورة السابقة، لأن الموقع الذي انطلقت منه عملية التفكير في قضية الحكم وفي شخص الحاكم سابقا غير الموقع الذي تتحرك من خلاله حركة الدعوة في شخص الحركة الإسلامية بكل فعالياتها اليوم. ولإدراك السياق السابق نذكر أهم عناصره.

فقد اشتغلت حركة بناء الفكر والخطاب السياسيين لدى علمائنا، في الغالب الأعم، وفق الظروف التالية:

1- هيمنة الشحنة الإسلامية الإيمانية على حركة المجتمع والناس.

2- وحدة الأمة على الرغم من انحراف الحكم وتسلط حكام بالغلبة والقهر والسيف، وهو ما حافظ على انتشار الإسلام في بقاع شتى. مع الانتباه إلى أن علماءنا يومها يستحضرون بقوة وألم ما وقع من أحداث محيرة؛ كمعركة صفين والجمل وقتل الإمام الحسين وترويع المدينة المنورة وغير ذلك مما أسال دماء كثيرة.

3- انطلقت الكتابات في ظل حدث “انقلاب الخلافة إلى ملك”، وكانت، هذه الكتابات، في جزء كبير منها نقلا واقتباسا من التراث السياسي الفارسي، واستعانة به في تدبير أمور الدولة “الإسلامية” الوليدة 1 .

4- كان الفكر والتفكير السياسيان كتابات تقوم أساسا “على مبدأ “نصيحة” أولي الأمر في تسيير شؤون سلطتهم، إذ تتضمن مجموعة هائلة من النصائح الأخلاقية والقواعد السلوكية الواجب على الحاكم اتباعها 2 .

5- تلك الكتابات جعلت من الفكر السياسي أداة لتقوية السلطة بدلا من السعي لتغييرها، وجعلت التفكير السياسي أداة للدفاع عنها وتبريرها، ولذلك كانت كتابات لا تتوق “إلى الشمولية بقدر ما تلزم حدود الواقع السلطاني دون قفز على ما يتيحه من إمكانات 3


[1] الآداب السلطانية، دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، عز الدين العلام، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 324/2006، ص: 8-9.\
[2] نفسه.\
[3] نفسه.\