وأخيراً نفذ رئيس السلطة الفلسطينية تهديداته وأصدر مرسومه الخاص بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في شهر يناير من العام القادم، ضارباً عرض الحائط بمشروع المصالحة الوطنية، وغير عابئٍ برأي الشارع الفلسطيني، ولا رأي فصائل الثورة الفلسطينية بما فيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وكأنه بمرسومه ” الرئاسي ” يصب المزيد من البنزين على نار الخلافات الفلسطينية الملتهبة، ويستبق خطى المصالحة الوطنية برصاصةٍ قاتلة، ليحكم على مختلف الجهود الوطنية والإقليمية بالموت، وليضع المزيد من العقبات والعراقيل أمام حركة حماس التي أبدت موقفها من الورقة المصرية المقدمة، وقد أكدت حرصها على مشروع المصالحة الوطنية، وسعيها الحثيث للتوصل إلى اتفاقٍ مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، ولكنها رفضت أن يتم استبدال المقترحات المصرية بأخرى، أو أن يتم إقحام بنودٍ أخرى غير متفقٍ عليها في الورقة المقدمة، وكأنها محاولة للتغرير بالفصائل الفلسطينية المعارضة أو خداعها، وهو أمرٌ يصعب أن يمرر على حركة حماس، التي أثبتت الوقائع أنها تحسن قراءة المواقف، وتتوقف كثيراً أمام النصوص والبنود وأبسط النقاط، وتحسن سباكة وصياغة البيانات ومسودات الإتفاق قبل أن توقع او تصادق عليها.

مما لا شك فيه أن السيد محمود عباس قد أدخل مشروع المصالحة الفلسطينية في نفقٍ مظلم، وعلق مستقبل الحوار الفلسطيني على مستقبل الأيام الغامض، وادخل الشارع الفلسطيني كله في حمأةِ خلافاتٍ داخلية شديدة، وعمق بقراره الفرقة والانقسام بين شطري الوطن، إذ أنه يعلم تماماً أن حركة حماس لن تقبل بما يسمى بـ “الأمر الواقع”، ولن تنجر إلى انتخاباتٍ رئاسية أو تشريعة دون أن تكون قد استعدت لها، أو تهيأت لخوضها، أو وافقت مسبقاً على آليتها وبرنامج عملها، وهو يخطئ عندما يعتقد أن حماس قد تخاف على مستقبلها النيابي، وأنها ستسرع الخطى نحو الموافقة، التي تعني لديها تقديم تنازلات، وتفريط في المواقف والثوابت، فهذه الحسابات خاطئة، ولن تؤدي به إلى النتيجة المرجوة، فإذا كان عباس لا يعرف منهجية التفكير في حركة حماس، وآلية اتخاذ القرار فيها يكون مخطئاً، وإذا اعتقد أنه قد يجبر حماس على اتخاذ قرارٍ مخالفٍ لقناعاتها فهو واهم ويخدع نفسه قبل أن يخدع غيره .

عندما أصدر السيد محمود عباس مرسومه القاضي بإجراء انتخاباتٍ تشريعية ورئاسية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، كان يعرف تماماً أن حركة حماس وغيرها من قوى وفصائل المقاومة الفلسطينية لن توافق على إجراء أو خوض الانتخابات بشقيها وفق القانون الذي وضعته فتح وحدها، ووفق النظام الذي ارتأته السلطة الفلسطينية لتضمن فوزها، وتضمن إقصاء غيرها وعدم حصول أي فريقٍ معارضٍ على نسبةٍ عالية، ويعرف السيد عباس تماماً أن قطاعاً كبيراً من المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية، من الموالين والمؤيدين لحركة حماس وغيرها من الفصائل المعارضة، أنهم جميعاً لن يشاركوا في عملية الانتخابات تصويتاً ولا ترشيحاً، فضلاً عن عدم إمكانية عقدها في قطاع غزة، لانعدام سلطته فيها، فهل ينوي السيد محمود عباس أن يجري انتخاباتٍ داخلية في أوساط حركة فتح، وبعض القوى التي تدور في فلكها، وفي هذه الحالة سيضمن نتيجة الانتخابات لصالحه، إذ لن يكون أمامه أو أمام حركته أي منافسٍ جدي يهدد فوزه، وهو مطمئنٌ إلى حصوله على الشرعية الدولية، وسيحصل على اعترافٍ دولي حكومته، عربي وأمريكي وإسرائيلي وكذلك أوروبي، وكأنه معنيٌ بإجراء مهرجانٍ انتخابي، يكرس فيه وجوده وحركته، ويشطب رسمياً نتائج الانتخابات السابقة، التي عمد والمجتمع الدولي على مدى أربع سنواتٍ خلت، على رفض الاعتراف بنتيجتها، ورفض التعامل مع الحكومة التي تشكلت بموجبها.

ويخطئ محمود عباس ومن معه من المستشاريين الفلسطينيين وغيرهم ممن لا يهمهم المصلحة الوطنية الفلسطينية، وممن لا يغارون على مصالح الشعب الفلسطيني، عندما يحاول أن يقصي فريقاً فلسطينياً عن الحياة السياسية الفلسطينية، لأن هذا الفريق يكاد يشكل نصف الشارع الفلسطيني كله إن لم يكن أكثر، وإذا لم تشارك حركة حماس في الانتخابات القادمة فهذا يعني عدم مشاركة نصف الشارع الفلسطيني على الأقل، وليس خافياً حجم وتأثير ونفوذ حركة حماس، ليس فقط بسبب كونها في السلطة، وإنما لها نفوذ وتأثير في الشارع الفلسطيني كفيل بأن يعيدها مراتٍ كثيرة إلى رئاسة الحكومة الفلسطينية، فليس عاقلاً من يحاول أن يتجاوزها في أي حسابٍ سياسي داخلي أو خارجي.

فعلى السيد محمود عباس أن يخطو تجاه شعبه وأهله، وأن يلبي شروط وحاجات شعبه، بدلاً من أن يستجيب للتعليمات الخارجية والمعادية لشعبنا، ولا يركن كثيراً إلى الوعود والعهود، فهي لم تنفع يوماً شعبنا، وعليه أن يصيخ السمع لنصح أبناء شعبه، وبدلاً من أن يصدر مرسوماً “رئاسياً” يحدد فيه موعد الانتخابات القادمة، الذي سيكون موعداً لانقسامٍ فلسطينيٍ جديد، أو موعداً لتكريس الانقسام الفلسطيني الحادث، فقد كان بإمكانه بدلاً من هذا المرسوم المقسم والمشرذم، أن يصدر مرسوماً مشرفاً آخر، يقضي فيه بإلغاء ظاهرة الاعتقال السياسي، وبالافراج الفوري عن كل السجناء المعتقلين على خلفية انتماءاتهم السياسية، وبإلغاء حكومة “دايتون” التي كرست الإنقسام في الشارع الفلسطيني، والتي كرست تبعية القيادة الفلسطينية إلى إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، والتي أغمضت أعينها عن مصالح الشعب الفلسطيني، وأمعنت في عقاب أهل غزة، وفي تكريس سياسة الحرمان التي أضرت بسكان قطاع غزة، فهذه ليست الطريق إلى الخروج من الأزمة الداخلية الفلسطينية، بل إن هذا المرسوم هو خير وصفةٍ لتأزيم الشارع الفلسطيني، وتعميق الانقسام الداخلي فيه، وهو طريقٌ سريع قد يكون من الصعب فيه التوقف أو الالتفاف للعودة إلى الوراء، ومراجعة الحسابات من جديد، فعلى من أصدر المرسوم أن يقف ويفكر، فما هكذا تورد الإبل يا عباس.