بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه

جماعة العدل والإحسان

الدائرة السياسية

المجلس القطري

ملخص التقرير السياسي لـ”مقدس”

مصادق عليه في الدورة الرابعة عشرة للمجلس القطري

للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

5 و6 ذي الحجة 1430 الموافق 24 و25 أكتوبر 2009

مدخل

هذا ملخص التقرير السياسي للدائرة السياسية الذي يغطي المرحلة الممتدة بين دورة المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان الثالثة عشرة المنعقدة في يوليوز 2008 إلى الدورة الرابعة عشرة المنعقدة في أكتوبر 2009. وذلك برصد الأداء السياسي للجماعة سواء من خلال مبادراتها أو من خلال قراءتها وتفاعلها مع ما يجري من أحداث في الساحة المحلية والدولية، مع استحضار مختلف المجالات والقضايا التي تدخل ضمن المفهوم العام للعمل السياسي من قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية وتضامنية وإعلامية.

في البداية لا بد من رسم الإطار العام للوضع السياسي في المغرب، ولعل العنوان الأبرز الذي يصلح باستحقاق أن يكون السمة الغالبة للمشهد السياسي المغربي هو استمرار حالة التدهور والانحطاط في كافة المجالات، ويظهر ذلك بوضوح في ازدياد أشكال الاستفراد بالحكم، وإلغاء المؤسسات، وزيف الأشكال الديمقراطية، والتراجع المهول في دور الأحزاب وهيئات الضغط. وكل هذا انعكس بشكل مباشر على أوضاع المجتمع حيث يلاحظ تزايد مظاهر الفقر، واتساع الهوة بين فئات وطبقات المجتمع، وتزايد الضعف في القدرة الشرائية للمواطن، واتساع قاعدة البطالة، والارتفاع الخطير في مظاهر الانحراف.

ولتفادي رد الفعل الشعبي على هذه الأوضاع البئيسة استمر النظام في أشكال التسلط وسلب الحريات ومنع الرأي الآخر. وقد كان لجماعة العدل والإحسان النصيب الأوفر في هذا المجال.

وبرغم ذلك نسجل أن الجماعة وفقها الله عز وجل في أن تواصل بخطى حثيثة مشوارها في الشهادة بالقسط والدفاع عن حقوقها وحقوق المستضعفين، والذود عن الحرمات والوقوف في وجه الآلة التخريبية التي أحرق أصحابها كل مراكبهم وعقدوا عزمهم على نهب ما يمكن نهبه غير آبهين بما يخلفون وراءهم من خراب.

إذن كان التراجع والانهيار والانحباس هي مكونات العنوان الأبرز للمشهد السياسي المغربي، وبالمقابل كان الثبات والإقدام والتدافع هي مكونات العنوان الأبرز للأداء السياسي لجماعة العدل والإحسان. مع ما يعنيه هذا العموم من وجود تفاصيل تحتاج للتقويم والتطوير والتقوية، ونقائص يجب تداركها وثغرات يلزم سدها.

المجال السياسي العام

1/ تدبير الحكم: لا شيء غير الاستبداد

كانت هذه السنة محطة أخرى شاهدة بأوضح أساليب الإيضاح على زيف الشعارات التي رفعت مع بداية حكم الملك الحالي، مثل العهد الجديد وعهد المؤسسات والحكامة الجيدة والديمقراطية والمفهوم الجديد للسلطة وغيرها. ورغم أن هذه الشعارات اتضح تهافتها منذ يومها الأول إلا أن كثيرين استمروا في التشبث بها والترويج لها والتماس الأعذار تلو الأعذار مراهنين على فعل الزمن.

لكن ما حدث خلال هذه السنة قطع كل الشكوك بيقين تام أن الاستبداد والاستفراد بالسلطة طبيعة أصيلة متجذرة في هذا النظام. وهكذا كان الملك، كما كان دائما، البارز الأوحد في صورة العمل السياسي الرسمي، وهذا البروز يتخذ دائما طابعا ملازما للنظام المغربي على مر العقود وهو الطابع الاستعراضي الذي يسعى إلى الإلهاء والتمويه والتعمية عن صلب المطالب السياسية الحقيقية.

أما الحكومة فكانت هذه السنة سنة غيبتها الكبرى إلا من خطابات المباركة والتأييد لكل ما يصدر عن الملك.

وبين الاستعراض والغياب كان الفراغ السياسي القاتل الذي لا يسمع فيه غير صدى الفشل والأزمات والارتباك.

ومما عزز حالة الاستبداد هذه مسألتان أساسيتان:

– إقبار النقاش حول الإصلاح السياسي، ولم يعد يظهر على الساحة إلا همهمات محتشمة حول إصلاح دستوري جزئي هو أقرب إلى تحسينات لفظية منه إلى إصلاح عميق يمس بنية العمل السياسي.

– استمرار ضعف الأحزاب لصالح تقوية نفوذ الملك ومحيطه. وقد ازداد أمر الأحزاب سوءا مع ظهور حزب صديق الملك الذي أتى على البقية الباقية من قيادات وقواعد ومواقف جل الأحزاب.

2/ السياسات العمومية: الفشل سيد الميدان

في مجال السياسات العمومية سجل العجز التام للدولة أمام مطالب المجتمع التي من المفترض أن تتفاعل معها الدولة بشكل تلقائي وسلس واستباقي أحيانا. ويكفي هنا ذكر أبرز القضايا الحيوية والتي يعتبر الفشل فيها إيذانا بالكارثة والانهيار:

• قضية التعليم:

ما زال واقع التعليم بالمغرب يتدحرج من سيئ إلى أسوأ، ويكفي استعراض بعض المعطيات المخجلة للوقوف على هول المصيبة؛ فنسبة تعميم التعليم الأولي لم تتجاوز 59% في الوقت الذي حدد فيه ميثاق التربية والتكوين سنة 2004 حدا أقصى للتعميم. كما أن 50% فقط من التلاميذ يتمكنون من مواصلة دراستهم إلى نهاية التعليم الابتدائي، ومن أصل 100 تلميذ يسجلون بالسنة الأولى ابتدائي يحصل منهم فقط 13 تلميذا على البكالوريا. أما الذين يحصلون عليها بدون تكرار فهم 3 تلاميذ فقط، وقد هبطت عتبة النجاح في كثير من المستويات إلى 7/20 . أما أحسن جامعة في المغرب فتحتل الرتبة 3956 عالميا، ناهيك عن ازدياد ارتفاع نسبة بطالة الخريجين، والتدني الرهيب في المستوى الدراسي.

هي أرقام مفزعة أصبحت واقعا، ما كان من الدولة إلا الاعتراف به من خلال ما أسموه المخطط الاستعجالي، لكن الأفزع منها أن هذا المخطط لم يأت بالحلول الواقعية والتأسيسية الناجعة، إنما جاء بتدابير ليس لها من دور غير التعايش مع الأزمة تحت مسميات جديدة.

• مستوى المعيشة:

شهدت هذه السنة ارتفاعا كبيرا في أسعار المواد الأساسية وفي المحروقات وأثمان النقل، ونشطت المضاربات، وازداد الأمر استفحالا مع ارتفاع وتيرة التسريح من العمل في ظل الأزمة المالية العالمية وفي ظل الاحتكار المحلي وغياب جو التنافسية وسيادة اقتصاد الريع وهيمنة الاقتصاد المخزني العائلي على المفاصل الحيوية للاقتصاد والتجارة.

كل هذا والدولة لم تحرك ساكنا ولم تتفاعل مع أبسط المطالب المجتمعية خاصة منها مطلب تحريك الأجور والحد من المضاربة. بل كل ما فعلته الدولة هو تعزيز قوات القمع لكبح الحركات الاحتجاجية التي عمت عددا من القطاعات خاصة قطاع التعليم والنقل وموظفي الجماعات والمعطلين.

ثم كان خاتمة هذه الردود الرسمية السلبية ما تضمنه مشروع قانون المالية الجديد الذي جاء لإغناء الغني بالزيادة في الأجور السمينة أصلا، وتجميد الجامد منها لأصحاب الدخل المتدني الذين تزداد معاناتهم يوما بعد يوم؛ فحسب البيانات الرسمية فإن قروض الاستهلاك قدرت خلال السبعة شهور الأولى من السنة الحالية ب 598 مليار درهم، ومعظم المستفيدين منها هم من الفئات محدودة الدخل الذين تضطرهم تكاليف العيش للجوء إلى الاقتراض لتغطية النفقات التي تفاقمت بفعل ارتفاع الأسعار.

• تنامي مظاهر الانحراف:

حسب تقرير أمني رسمي فإن معدل الجرائم يوميا هو 1000 جريمة، وإن كان واقع الحال يعرف أكثر من ذلك بكثير.

فبعد هم القوت الممتنع في مغرب اليوم أصبح هم الأمن من أكبر الهواجس التي تقض مضاجع كل الأسر المغربية.

ومن المعروف أنه مما يسهم في ارتفاع الجريمة ارتفاع نسبة البطالة، وسيادة الرشوة في كل المجالات ومنها أجهزة القضاء والأمن، والانتشار الواسع للمخدرات والتي ثبت أن الشبكات المروجة لها تعمل تحت حماية كثير من كبار رجال الدولة والمسؤولين في القضاء والأمن. ناهيك عن الرعاية الرسمية لجزء من المواد المخدرة.

ومن المظاهر الخطيرة أيضا فشو التفسخ الأخلاقي خاصة المنظم منه والذي ترعاه إما مؤسسات تابعة للدولة أو شخصيات نافذة، ويستفيد من الدعم الرسمي، ويستعمل الفضاءات العمومية، ويهجم على كل المغاربة في عقر دارهم من خلال وسائل الإعلام العمومي وكذا في فضاءات المدارس والثانويات.

ومن النتائج المباشرة لذلك اتساع ظاهرة الدعارة والتفكك الأسري وأطفال الزنا وأطفال الشوارع والملاجئ.

وبالمقابل يتم التضييق على جماعة العدل والإحسان والدعاة والعلماء الأحرار والفضلاء في ممارسة دور التربية والدعوة والتوجيه في الوقت الذي يحنط فيه الدين في دواليب وزارة الأوقاف وفي المنابر الصماء.

ولعظم هذا الأمر فقد كان للبيان الصادر عن مجلس شورى جماعة العدل والإحسان في دورته الثالثة عشرة وقفة مهمة من خلال استنكاره (لتحريف دين الله تحت غطاء ما سموه بتأطير الحقل الديني لاستعماله في تأييد الطغيان واحتكار السلطان، وشرعنة نهم الحكام واحتواشهم الأموال).

ورغم ما تبذله الجماعة إلى جانب كل الغيورين من جهود في تربية أجيال الأمة إلا أن ذلك يحتاج إلى رفع الوتيرة وابتكار أساليب جديدة دعوية وفنية وجمعوية لمزيد من إنكار المنكر والتضييق على دعاته وتحصين شباب الأمة.

• قضية الفيضانات:

عرفت بلادنا هذه السنة سلسلة فيضانات في عدد من المدن والقرى. وكانت هذه القضية من أوضح القضايا التي وقفت الدولة أمامها عاجزة تماما. وقد أظهرت هذه الفيضانات مؤشرات خطيرة في بنية الدولة منها أن المواطن آخر من يفكر فيه، وأن البنية التحتية غاية في الهشاشة، وألا وجود في سياسات الدولة للتدابير الوقائية…

رغم كل هذا العجز الرسمي ورغم ما ترتب عن هذه الفيضانات من مآسي إلا أن السلطات بقيت مصممة على عدم السماح بالمبادرات المجتمعية الهادفة إلى التخفيف من حدة المأساة، وكان على رأس الممنوعين جماعة العدل والإحسان. ولكن ورغم كل التضييقات استطاعت الجماعة أن تنظم كثيرا من مبادرات المحسنين وأن تسهم بسواعد رجالها ونسائها في التخفيف من معاناة المتضررين.

ويضاف إلى القضايا السابقة قضايا أخرى أصبح الفشل ملازمها الرئيسي ولا تحتاج إلى تعليل أو بيان ومنها خصوصا المجال الدبلوماسي.

أوضاع بهذا السوء لم تزد إلا في تعميق مؤشرات التدهور الذي تردى فيه البلد منذ عقود، وعلى رأس هذه المؤشرات الاستفراد بالحكم وما ينتج عنه من تعطيل لمقومات النهوض، والإقصاء وما ينتج عنه من تعطيل لكفاءات البناء، والتقهقر المنذر بالانهيار…

هذه السمات يحياها ويعرفها كل مغربي إلا مكابرا يحاول عبثا اتقاء العاصفة بدس رأسه في الرمال. ولا غرابة بعد ذلك أن تأتي كل التقارير المحلية والدولية لتأكيد هذه الحقائق المرة، ولعل أبرزها: احتلال المغرب الرتبة 120 ضمن الأنظمة السلطوية حسب مؤشر الديمقراطية، وحصوله على نقطة 2,22 من 10 في خانة المشاركة السياسية، واحتلاله الرتبة 130 في مؤشر التنمية البشرية من أصل 182 دولة متراجعا عن السنة الماضية بأربع درجات. كما تراجع إلى الرتبة 127 في نسبة حرية الصحافة.

ومما ساهم في حدة هذه الأزمات الأعطاب والأعطال التي أصابت الهيئات المجتمعية التي من المفترض أن تقوم بدور السند للفئات المقهورة وتضغط على الدولة لحملها على مراجعة سياساتها، ويظهر ذلك خصوصا في الضعف المستمر للأحزاب والنقابات وعدد من المنظمات الحقوقية.

وأمام هذه الأوضاع سعت جماعة العدل والإحسان، رغم المضايقات الشديدة التي تتعرض لها، إلى أن تكون حاضرة بالاقتراح والضغط من خلال الهيئات التي للجماعة فيها وجود، سلاحها في ذلك الكلمة القوية والموقف الشجاع والحضور في الميدان:

أ/ المواقف:

إزاء مختلف القضايا التي يمر منها بلدنا العزيز حرصت الجماعة دائما أن تكون حاضرة بمواقفها الثابتة، ومن أبرز المناسبات التي أعلنت فيها الجماعة عن مواقفها ظهور الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في برنامج مراجعات في قناة الحوار خلال غشت 2008. ومن خلال بيان مجلس الشورى في دورته الثالثة عشرة في يونيو 2009. وأيضا ما تضمنته تصريحات مسؤولي الجماعة في مناسبات مختلفة.

وفي كل هذه المناسبات وغيرها كانت الجماعة تؤكد على مواقفها الثابتة وهي:

– تحديد أصل المعضلة في نمط الحكم، ومن تم فالمدخل الأسلم لبداية الحل هو إعادة صياغة نمط حكم جديد على قواعد الشورى والعدل ورقابة الشعب والقطع الحاسم مع بنية الاستبداد وأسسه.

– اعتبار العمل المشترك ضامن استقرار واستمرار أي تغيير ممكن، ومنطلق هذا العمل المشترك هو الميثاق الجامع.

ب/ الحضور الميداني:

انطلاقا من اقتناع الجماعة بالعمل المشترك فهي تحرص أن تكون مبادراتها العملية ما أمكن ضمن الهيئات المجتمعية التي يتوفر فيها جو التعاون والتنسيق.

وقد تجسد هذا الحضور من خلال وجود أعضاء الجماعة في الهيئات النقابية والمهنية والجمعوية التي ينتمون إليها، ومشاركتهم بفاعلية في المناسبات الاحتجاجية والحوارية المدافعة عن حقوق الفئات التي يمثلونها.

أما في قضية ارتفاع الأسعار فكان للجماعة دور مهم في المظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي نظمتها الهيئات التي يتوفر فيها العمل المشترك. لكن يسجل أن مستوى الضغط في هذا الموضوع ما يزال دون المستوى المطلوب، ويرجع ذلك أساسا إلى محدودية الهيئات المجتمعية المتصدية لهذا الملف. وهذا ما يطلب مزيدا من جهود التعاون والتنسيق بين مكونات المجتمع بما يوازي حجم القضية.

هذا إضافة إلى الحضور المنوع في المجتمع لعدد كبير من أعضاء الجماعة في أنشطة عدد من الجمعيات والمنظمات خاصة منها المهتمة بقضايا النساء والشباب والطفولة والفن رغم الحصار الشديد المفروض على أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها في هذا الباب.

ومن أهم الساحات التي ما تزال الجماعة ملتزمة بالقيام بمسؤولياتها فيها الساحة الجامعية من خلال استمرار الحضور القوي للقطاع الطلابي للجماعة في الجامعات والمعاهد سواء فيما يرتبط بالدفاع عن مصالح الطلاب أو بتنظيم عدد كبير من الأنشطة الثقافية والتربوية والاجتماعية.

3/ الانتخابات الجماعية: تأكيد جديد لفشل المدخل الانتخابي

راهن النظام والأحزاب المشاركة على الانتخابات الجماعية 12 يونيو 2009 لمحو الآثار الكارثية لمهزلة الانتخابات التشريعية 2007.

وبهذه المناسبة كان موقف جماعة العدل والإحسان حاضرا بقوة ومؤثرا في الساحة السياسية والإعلامية. وقد برز موقف الجماعة من خلال أساليب وأشكال متنوعة أهمها العدد الكبير من الحوارات والتصريحات الصحفية لمسؤولي الجماعة قبل وأثناء وبعد الاقتراع، ومن ضمنها اللقاء الصحفي الذي أجرته قيادة الجماعة مع عدد من الصحفيين يوم 21 ماي 2009 . وأيضا من خلال مجموعة من البيانات والبلاغات كان أبرزها البلاغ الذي أصدرته الجماعة عشية إعلان نتائج الانتخابات ثم بيان مجلس الشورى بتاريخ 28 يونيو 2009.

وفي كل هذه المناسبات أكدت الجماعة على موقفها الراسخ بعدم جدوى أية انتخابات تجري في ظل نظام استبدادي إقصائي، وفي ظل صورية ما ينتج عن مثل هذه الانتخابات من مؤسسات. كما نبهت الجماعة إلى عدم جدية الوعود بالنزاهة والشفافية في ظل غياب أي مؤشرات على ذلك وفي مقدمتها غياب الإرادة السياسية الجدية في التغيير.

وقد تأكد كل هذا في مختلف أطوار العملية الانتخابية من خلال الهجوم الكاسح الذي شنته الدولة وبعض الأحزاب على أصحاب خيار المقاطعة من خلال نعتهم بالتيئيسيين والمحبطين والعدميين، وقد استعملت في هذا الهجوم وسائل الإعلام والمساجد والفتاوى والخطب الرسمية… ومن خلال الضمان المسبق لعدم التشكيك في نتائج الانتخابات عبر مذكرة عممتها وزارة الداخلية على الأحزاب. كما تم إطلاق اليد لسماسرة الانتخابات ولاستعمال المال على نطاق واسع اتفق الجميع على أنه غير مسبوق في حجمه. إضافة إلى التحريك الواسع للآليات المخزنية العتيقة لحمل المواطنين على التصويت من خلال الضغط المباشر عليهم من قبل الجيش الكبير من أعيان السلطة وأعوانها. ومحاولة إنعاش الآمال من خلال الجلبة الواسعة التي قام بها حزب صديق الملك.

ورغم كل هذا، ومع اقتراب يوم الاقتراع، اتضح أن كل المؤشرات تدل على فشل كل هذه الأساليب وأن المقاطعة ستكون واسعة مما سبب حالة من الارتباك في صفوف القائمين على الانتخابات والأحزاب المشاركة.

وهذا ما تأكد يوم الاقتراع حيث ظلت مكاتب التصويت فارغة إلا لماما بشكل تجاوز كل التوقعات حتى المغرق منها في التشاؤم.

وتأكيدا لتصميم الدولة على ألا تكون الانتخابات الجماعية كالتشريعية من حيث هزالة النتيجة استبق وزير الداخلية الأمور وأعلن أمام ذهول الجميع أن النسبة المؤقتة هي 51% ثم يعلن بعد ذلك النتيجة النهائية محددة في 52%.

وقد بادرت جماعة العدل والإحسان بإصدار بلاغ يكذب هذا الادعاء، ثم تتالت مواقف بعض الأحزاب وعدد من المحللين في نفس المنحى بالتأكيد على منطلقين أساسيين:

– أن النسبة الرسمية المعلنة مخالفة لما عاينه الجميع من ضعف شديد في الإقبال على الصناديق.

– تعمد تغليط الرأي العام من خلال طريقة احتساب النسبة التي تم الاقتصار فيها على عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية ولم تحتسب كل الكتلة الناخبة التي يندرج فيها ملايين ممن قاطعوا عملية التسجيل أصلا. بغض النظر طبعا عن الظروف والطرق التي شابت عملية تسجيل النسبة الضعيفة المسجلة. كما لم تحتسب الأوراق الملغاة. وبناء على هذا فإن النسبة الحقيقية كانت كارثية بحيث لا يمكن أن تتجاوز 20% في أحسن الأحوال.

ومما يؤكد عمق الكارثة والمهزلة الفصول التي تلت الاقتراع خلال تشكيل مجالس الجماعات ومجلس المستشارين، حيث ساد البيع والشراء والتحالفات المتناقضة مما أكد بدليل آخر إضافي بأن الانتخابات على الطريقة المغربية فاقدة لأي معنى سواء في ذاتها، حيث إنها لا تفضي إلى ممارسة الحكم، أو في ما ينتج عنها من مؤسسات فاقدة لأي محتوى منطقي، فلا الحكومة تحكم، ولا البرلمان يشرع، ولا تمييز بين أغلبية ومعارضة ولا بين انتماء حزبي أو إيديولوجي.

وهذا ما يؤكد موقف جماعة العدل والإحسان بأن الانتخابات في المغرب لا تشكل المدخل الأسلم لتغيير حقيقي إنما المطلوب، على وجه الاستعجال، تكاثف جهود كل ذي غيرة وفضيلة من أجل إعادة تشكيل نمط حكم جديد على أساس العدل والشورى ورقابة الشعب.

مجال حقوق الإنسان

عرفت هذه السنة ارتفاعا كبيرا في نسبة خروقات حقوق الإنسان، وقد كان لجماعة العدل والإحسان النصيب الأوفر منها. ومن أبرز القضايا الحقوقية نسجل ما يلي:

1/ قضية المعتقلين السياسيين الستة:

فقد عشنا طول السنة على إيقاع جلسات المحاكمة والتي ختمت بأحكام قاسية جائرة بنيت على ملفات فارغة مما جعلها محاكمة سياسية بامتياز. وقد تفاعلت الجماعة مع هذا الملف من خلال حضور محاميي الجماعة في هيئة الدفاع، والعضوية في هيئة المساندة، وحضور المحطات الاحتجاجية، والتواصل المستمر مع لجنة عائلات المعتقلين، إضافة إلى إصدار بيانات المساندة وإدانة الأحكام الجائرة.

2/ استمرار الاختطافات والمحاكمات:

خلال هذه السنة استمر النظام في حملات الاختطاف والاعتقال تحت ذريعة محاربة الإرهاب. وهي الذريعة الخرقاء التي يقضي بموجبها آلاف من الشباب زهرة أعمارهم في السجون إثر اعتقالات عشوائية ومحاكمات غير عادلة، وبموجبها ما تزال أجهزة النظام تعيث فسادا وتشن الحملات التي تعمل فيها كحاطب الليل، وتمارس كل أصناف التعذيب، وتطبخ الملفات طبخا مقرفا، وتغلق دور القرآن.

وقد كان موقف الجماعة واضحا وما يزال من هذا الملف حيث تدين كل هذه الأساليب الظالمة التي تجري خارج أية معايير قانونية أو حقوقية في ظل غياب قضاء مستقل وعادل.

3/ محاكمة الصحافة:

عرفت هذه السنة موجة من المحاكمات لعدد من الصحافيين وحجز عدد من الصحف.

وقد واكبت الجماعة هذه القضايا عبر إصدار هيئة تحرير الموقع الإلكتروني والهيئة الحقوقية للجماعة بيانات مساندة، وحضور صحافيي وإعلاميي الجماعة في المحطات الاحتجاجية، ومؤازرة محاميي الجماعة للمتابعين.

4/ القضايا الحقوقية للجماعة:

كانت هذه السنة هي الثالثة في سياق تصعيد النظام ضد الجماعة من خلال الحملة الشرسة الذي ابتدأها منذ تنظيم الجماعة للأبواب المفتوحة في ماي 2006 مرتكبا فيها شتى أنواع الظلم والاضطهاد. وهكذا فقد طالت الاعتقالات هذه السنة أزيد من 300 عضو من الجماعة. كما انعقدت 62 جلسة محاكمة في مختلف المحاكم لأعضاء الجماعة المتابعين. ومن أبرز صور التضييق على الجماعة استمرار جلسات محاكمة ذة.ندية ياسين حيث عرفت السنة تأجيلين للملف. وتواصل الانتهاكات الصارخة في حق الأخ عمر محب.

كما واصل النظام أسلوب التضييق على مسؤولي الجماعة من خلال استمرار مسلسل محاكمة عضوي مجلس الإرشاد ذ.محمد عبادي وذ.منير الركراكي. وبمنع عدد من مسؤولي الجماعة من المحاضرة في الجامعات والجمعيات.

وكان من آخر ما مارسه المخزن من انتهاكات هو شن جهاز المخابرات في صيف 2009 حملة تحاول استمالة بعض الأعضاء.

كما شهدت السنة واحدة من أشرس الحروب التي شنها النظام على العدل والإحسان وذلك بحجب كل مواقعها الإلكترونية ابتداء من 17 يناير 2009 لمدة شهر كامل.

وفي إطار مدافعة الجماعة للظلم الواقع عليها قامت بعدة خطوات ومبادرات كان في طليعتها استمرار الحضور المساند والاحتجاجي أثناء جلسات المحاكمات، والقيام بحملات تواصل واسعة مع الهيئات الحقوقية المحلية والدولية، وإحياء الذكرى الثالثة لانطلاق الحملة ضد الجماعة من خلال إصدار الهيئة الحقوقية تقريرا شاملا حول الانتهاكات، واعتصام أصحاب البيوت المشمعة أمامها.

وقد حضرت قضايا الجماعة في عدد من التقارير الحقوقية أبرزها تقرير منظمة أمنستي الصادر في ماي 2009، وتخصيص منظمة الوسيط ملفا حول معتقلي الجماعة الإثني عشر وعقد ندوة صحفية في الموضوع، وتخصيص منظمة هيومن رايتس ووتش فقرة من خمس صفحات حول التضييق على الجماعة فيما يخص العمل الجمعوي في تقرير صدر في 7 أكتوبر 2009.

ورغم كل هذه الجهود المهمة إلا أن الأمر ما يزال يحتاج مزيدا من المبادرات مركزيا ومحليا وخارجيا بشكل يتوازن مع حجم الانتهاكات.

مجال قضايا الأمة

نظرا لمكانة قضية فلسطين في تفكير وعاطفة جماعة العدل والإحسان فقد حظيت هذه السنة بحيز مهم من أنشطتها مواكبة للتطورات التي تعرفها أرض الأقصى الشريف. وقد نظمت الجماعة وشاركت في مئات المظاهرات والمسيرات التضامنية والمؤتمرات والندوات المحلية والخارجية.

ويأتي هذا الاهتمام المكثف من قبل الجماعة نظرا لمركزية فلسطين في التدافع بين العرب والمسلمين ومحور الاستكبار العالمي، والانعكاس المباشر على مجمل قضايا العالم. ونظرا أيضا لما ينتج عن هذه المناسبات التضامنية من بث روح المسؤولية في الشعوب وتعبئتها ضد كل أشكال الظلم العالمي والمحلي المستهدف لكيان الأمة وهويتها وقيمها ومقدساتها.

وهكذا وأثناء الحرب على غزة والحصار المتواصل عليها نظمت الجماعة مئات الأشكال التضامنية في مختلف المدن. كما شاركت في مئات المظاهرات والمسيرات المركزية والمحلية بتنسيق مع مكونات المجتمع المغربي. وأسهمت أيضا بقسط وافر في حملة جمع الأدوية لقطاع غزة. كما أحيت الجماعة الذكرى 61 لاحتلال فلسطين بتنظيم عشرات المظاهرات يوم 15 ماي 2009. أما بمناسبة إحياء الذكرى الأربعين لإحراق المسجد الأقصى فقد نظمت الجماعة عدة مظاهرات وأنشطة في مختلف المدن بتاريخ 4 شتنبر 2009. وإثر اقتحام الصهاينة للمسجد الأقصى نظمت الجماعة أكثر من 60 مظاهرة في عدة مدن يوم الجمعة 02 أكتوبر 2009. هذا فضلا عن أنشطة قطاعات الجماعة الشبابية والنسائية والطلابية في عدد من المنتديات والجامعات عبر كثير من الندوات والمهرجانات والمظاهرات.

والحمد لله رب العالمين.