بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وآله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه إلى يوم الدين

كلمة الافتتاح للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الرابعة عشرة

إخواني الأعزاء، أخواتي العزيزات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

نرحب بكل الإخوة والأخوات أعضاء هذا المجلس، والمدعوين الأفاضل والضيوف الكرام، لاسيما الذين نتشرف بحضورهم لأول مرة. ونسأل الله أن يتقبل من الجميع سعيهم، وأن يجعل الجهد المبذول للإعداد لهذه الدورة وتنظيمها وحضور أشغالها خالصا لوجهه الكريم.

كما نسأله عز وجل أن يكلل أعمال هذا الدورة بالنجاح، وأن تكون مناسبة مباركة موفقة نزداد فيها فهما وإيمانا ويقينا وثباتا على الحق حتى نلقاه وهو عنا راض آمين.

إخواني الكرام أخواتي الكريمات:

ينعقد مجلسكم هذا في هذا اليوم، السبت خامس ذي القعدة سنة ثلاثين وأربعمائة وألف (05 ذي القعدة 1430) الموافق للرابع والعشرين من أكتوبر عام تسعة وألفين (24 أكتوبر 2009) في دورة الرابعة عشرة العادية.

وقد حظيت هذه الدورة بحمل اسم “الوفاء للمعتقل” تخليدا لملف الاعتقال في سجل العدل والإحسان، والذي فتح أول الأمر مع الأستاذ المرشد حفظه الله تعالى عندما صدع بكلمة الحق في وجه الجور في رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان”. ثم توالت الأحداث وقامت السلطات المخزنية بحملات واسعة من الاعتقالات بين الحين والآخر كان ضحاياه بالمئات. لكن أطول مدة الاعتقال وأضناها كانت من نصيب الإخوة الإثني عشر، الذين لايزالون إلى حدود الساعة وراء قضبان الظلم والطغيان.

ولئن كان خروجهم بات وشيكا، ولقاؤهم بالأحباب أصبح قريبا، فإننا نتوقف اليوم لنوجه إليهم تحية مباركة عطرة خاصة، ولنحمد الله إليهم ثباتهم وصبرهم ورجولتهم، في زمن قل فيه الرجال، وإقدامهم في وقت أصبح الجبن حكمة، والخنوع لدولة القهر كياسة، والاستجداء والاستخذاء سياسة.

نحييهم باسمكم جميعا، وندعو الله أن يتم لهم هجرتهم، وأن يحفظ رصيدهم من العمل الصالح ويربيه، وأن يرزقنا جميعا الثبات وحسن الخاتمة آمين.

كما نتوجه بنفس الروح ونفس الحرارة والتعظيم والتوقير والحب والإجلال بتحياتنا الخالصة للمجاهدين الرابضين ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وغزة، شامة العزة في ليلنا البهيم، وكل أرض فلسطين الحبيبة. جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، وقواهم وثبتهم ورد عنهم كيد الكائدين ومكر الصهاينة المعتدين. فلاشك أن محنتهم كبيرة، ولكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة، وسكوت حكام المسلمين وتواطؤهم، وخذلانهم لقضية فلسطين، قضية المسلمين الأولى، أشد إيلاما، حتى أضحى واقع الحال يذكرنا بقول الشاعر:وآلمني وآلم كل حر *** سؤال الدهر أين المسلموننعم أين المسلمون والغزاة يعيثون فسادا في العراق وأفغانستان وفي أكثر من بقعة من ديار المسلمين. يقتلون الأحرار الذين يدافعون عن أوطانهم وأعراضهم، ويطاردون الأبرياء، ويثيرون النزاعات والنعرات، وينهبون ثروات المسلمين بالتهديد أو الابتزاز حينا، وبالعنف والغزو حين لا يجدي غير ذلك.

بارك الله في المجاهدين الذين يتصدون لصلف المستكبرين، وأمدهم بتأييد من عنده، وألف بين قلوبهم تأليفا يفوت على الأعداء ما دبروا من مكر، ويحقق للمؤمنين الصادقين ما أملوا من نصر آمين.

كما نسأله عز وجل أن يفرج عن كل الإسلاميين الذين تم اعتقالهم بغير وجه حق أو بعد محاكمات صورية ومنهم المعتقلون الستة وضحايا ما يسمى بملف السلفية الجهادية وغيرهم ممن اعتقل ظلما وعدوانا.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات:

لاشك أنكم تتابعون من خلال ما تعيشونه عن كثب، ومن خلال ما يكتب وما ينشر من تقارير وأبحاث ومقالات أحوال بلدنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولاشك أنكم تتعجبون، كما يتعجب كل عاقل، من واقع التردي العام، ومن حالة الاختناق المهيمنة، ومن هذا الإصرار العجيب أن يسير المغرب القهقرى.

ولا شك أنكم تساءلتم غير ما مرة كما يتساءل عدد من الذين يتابعون أحوال المغرب عن الأسباب الكامنة وراء هذا التمسك العنيد بهذه السياسية المدمرة.

ترى لحساب من يراد للمغرب أن يبقى غارقا في البؤس والتعاسة؟ وإلى متى يستمر هذا التبذير السفيه لطاقاته وإمكاناته، وهذا النهب غير المسبوق لثرواته وخيراته؟ ومن المستفيد من هذا الإفساد الممنهج لأرضه ونسائه ورجاله وفتيانه وفتياته؟

وما الذي جعل التافهين يتحكمون في مفاصل البلد الحيوية، والمفسدين يتبوؤون المواقع الحساسة فيه؟ ومن الذي سوغ لشرذمة معدودة على رؤوس الأصابع أن يكون لها كل شيء، وترفل في بذخ فاضح في حين يعاني أكثر الناس الخصاصة والحرمان، ويصارعون هموما مضنية، ومتاعب بغير مسوغ متواصلة؟ ومن الذي أفسد التعليم وأفسد التربية والقضاء والصحة والإعلام، وفتح الباب على مصراعيه للأنذال من كل جنس لإقامة مشاريعهم المشبوهة، وإبرام صفقاتهم المريبة؟

في كل يوم نطالع أخبارا جديدة تزيد القلب أسى وكمدا. قبل أيام خرج التقرير الدولي حول التنمية البشرية لسنة 2009 ليزف إلينا خبر تقدم المغرب إلى الخلف بأربع نقط، والتردي ذاته أكدته تقارير وأبحاث في مجالات متعددة (في مجال الصحافة وحقوق الإنسان، والرشوة والإجرام وحوادث السير والمخدرات الخ…). كل ذلك يؤكد أن ما بين الخطاب الرسمي أو الكذب الرسمي عن مغرب النماء والرخاء، وبين الواقع المر الذي يكتوي بلظاه عامة الناس هوة سحيقة لا يكاد يعرف لها قرار.

والأدهى أن يصبح المغرب ملاذا آمنا لكثير من الأنشطة القذرة والمشبوهة. فقبل أيام قرأنا عن احتضان مراكش لأكبر تظاهرة قمار عالمية، والإعلان عن التعهد بتحويل المدينة قبلة للمقامرين على الصعيد العالمي. ومرة تروج أخبار واعدة تتحدث عن نية صادقة لجعل المغرب أول بلد عربي إسلامي يحظى بشرف احتضان مؤتمر عالمي للشواذ. ومرة أخرى تنظم مهرجانات ثقافية لتعميم الرداءة، وتوفير الفرصة للمنحرفين ومرضى النفوس لتفريغ مكبوتاتهم وعفنهم، وتارة ترصد الجوائز السمينة لاستعراض أفلام البارز فيها الجراءة على الدين والعفة، والتنافس في عرض المشاهد الفاضحة. هذا فضلا عما تنشره مجلات وجرائد، وما ثبته قنوات وإذاعات من أوساخ على مدار الساعة يفسد الذوق ويبلد الحس. وكل ذلك بدعم رسمي وغير رسمي، وتمويل سخي من أموال الشعب وجيوب المستضعفين.

لاجرم تزداد الفواحش وترتكب جهارا نهارا، على قارعة الطريق وفي الباحات والأماكن العمومية حتى لتكاد تصبح من المشاهد المألوفة غير المنكورة، وتكثر الجرائم بكل أنواعها، وتروج المخدرات حتى بين أطفال المدارس ، وتكثر حوادث السرقة والاغتصاب، والفضائح الأخلاقية التي يكون من بعض ضحاياها أطفال صغار أبرياء، بينما بعض أبطالها البارزين أجانب يقيمون في المغرب بذريعة الرغبة في الاستثمار أو تسيير شركات، وهم في الحقيقة لم يأتوا إلى البلد للاستثمار، وإنما لاستحمار أهله، ونشر قذارتهم وأوساخهم بين بنيه.

والأنكى أن تستغل هذه الحرب الضروس على دين الأمة وعقيدتها وأخلاقها وقيمها لمراكمة المال الحرام، وتجميع الثروات الفاحشة. وهكذا نرى النوادي ومواخير الرذيلة تتناسل كالفطر، وشبكات المتاجرة في الأعراض تنشط في طول البلد وعرضه، مستغلة الحاجة والبؤس والحرمان الذي يعانيه فتيان وفتيات في ريعان الشباب، فيتعرض بذلك للضياع أعز ما لدى الأمة بعد دينها وهو شبابها الذي هو الملاذ وعدة المستقبل وثروتها التي كان يجب صونها والحفاظ عليها، لا تقديمها لقمة سائغة لتجار الرذيلة وخفافيش الظلام.

وقد كان لهذا الاستهداف المقيت للدين والأخلاق والقيم آثار كارثية وأعطاب أبلغ من نهب الثروات واحتلال الأراضي. فليس هناك أشد على أمة من الأمم من تحطيم أبنائها وتحويلهم إلى غثاء بدون أمل ولا طموح، ولا غيرة تأبى الضيم وتعاف الذلة والهوان.

أيها الإخوة أيتها الأخوات:

إذا انتقلنا من المجال الاجتماعي إلى المشهد السياسي، فإن الصورة لا تقل قتامة. لقد اختلط الحابل بالنابل، وامتزجت الألوان، وتداخلت الشعارات، ولم يعد بالإمكان تمييز الموالي من المعارض، ولا اليسار من اليمين، ولا الاشتراكي من اللبرالي. فالكل ينتقد والكل يعارض، لكن من بالتحديد، لا أحد يسمي ولا يكني حتى، فأحرى أن يتوجه بالملام للمسؤول أو المسؤولين الحقيقيين.

ولعل قصة انتخاب رئيس مجلس المستشارين أخيرا ما هي إلا واحدة من مئات الحالات التي تؤكد على أن العبث قد بلغ منتهاه، وأن النظام المخزني ليس له أي استعداد ليخفف من وطأته، وحضوره الثقيل المانع لأي انفراج مهما كان يسيرا، وللتخفيف من حالة التوتر والاختناق السياسي الذي يعيشه البلد منذ أمد بعيد.

لقد تأكد للجميع اليوم وبما لا يدع مجالا لأي شك، لاسيما والوقائع الكاشفة لحالة البؤس السياسي تأتي تترى، أن هذه المؤسسات من حكومة وبرلمان وغيرها، والتي تنتصب في صفاقة لتوهم أنها تحكم أو تشارك بنصيب مفيد، ليس لها من الأمر شيء ، وإنما تعيش على الهامش، تقنع بالفتات، وتسعى جهدها أن لا يظهر منها ما يزعج أو يقلق أولياء نعمتها وذوي الفضل عليها، وأن كل القرارات الهامة، وحتى غير الهامة، إنما هي حصرا بيد القصر ومن يدور في فلكه، ليتأكد بذلك الإقصاء الكامل لصاحب الشأن الحقيقي وهو الشعب. وليته استغنى فأغنى وأقصى فأقنى، وفشل في ميدان، ونجح في ميادين. إذا لقلنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض. ولكن أن يكون احتكار مع إفلاس، واستفراد بالسلطة مع إتعاس، فهذا ما لا يترك لمتأول حجة ليسكت ويتغاضى فأحرى أن يتابع ويرضى. ومع ذلك فيبدو أن التفاهم بين النخبة السياسة الموجودة في الأجهزة الحاكمة حاصل، وأن أحزابنا قد رضيت طائعة أو مكرهة هذا الوضع المهين.

بيد أن الطاعة العمياء بقدر ما تسعف النظام الاستبدادي، إذ تمكنه من فعل ما يشاء دون أن يخشى لوما أو عتابا، بقدر ما قد تصبح مصدرا لمشاكل من نوع آخر، ليس من السهل دائما على السلطة السياسية الحاكمة تجاوزها، إذ ربما يكون في تدبيرها تدميرها. ولعل المشهد السياسي الراهن يوضح هذا غاية الوضوح.

فمن المعلوم أن النظام القائم، كغيره من الأنظمة الاستبدادية التي ابتليت بها الأمة، ليست لديه أية رغبة في إشراك الناس في تدبير شؤونهم، أو تمكينهم من اختيار من يمثلونهم فأحرى من يحكمونهم. وبالتالي فإنه لا يمكن أن يسمح بقيام مؤسسات مسؤولة ولها صلاحيات حقيقية ومعتبرة.

لكنه محتاج إلى هياكل بدون مضمون، وأسماء بدون مسميات ليموه بها على الرأي العام الدولي، ويسوق صورة مزيفة عن المغرب باعتباره بلدا منفتحا حداثيا وديمقراطيا، يتطور باستمرار، وتنظم فيه انتخابات بانتظام، ويتوفر على دستور وحكومة وبرلمان وغير ذلك من المؤسسات الموجودة والفاعلة في البلاد الديمقراطية.

ويبدو أن هذه الازدواجية المتمثلة في وجود أجهزة تحت تصرف الملك تتمتع بصلاحيات مطلقة، وتتحكم في كل مفاصل الحكم، أصولا وفروعا، ومؤسسات أخرى للواجهة والتمويه، لم يعد بالإمكان تدبيرها بما يحفظ لمؤسسات الواجهة شيئا من المصداقية ولو في الحد الأدنى، لاسيما وأن الأحزاب السياسة، جلها إن لم تكن كلها، قد أظهرت من الخنوع والخضوع للنظام الحاكم، ومن الطاعة له أكثر مما هو مطلوب. ولعل هذا ما دعا بعض المراقبين إلى القول بأن النظام قد أمعن في إخضاع الأحزاب المعارضة إخضاعا سيخلق له متاعب غير محمودة العواقب.

وخلاصة القول إن تدبير هذه الازدواجية بين ما كان يسمى بالأمس “بالحزب السري” والمؤسسات الصورية قد انهار، ومن ثم أصبح العبث هو سيد الميدان، حتى إن بعض الباحثين والدارسين والإعلاميين قد أعياهم أن يجدوا الكلمات أو العبارات المناسبة لوصف ما يجري. فمنهم من سماه العبث في أبشع صوره، ومنهم قال إن الممارسة السياسية في المغرب قد دخلت عالم اللامعقول، ومنهم من أقسم بأن نوابغ الدنيا أعجز من أن يفهموا كيف يفكر حكام المغرب، وإلى أين يتوجهون بهذا البلد، وماذا يريدون بالضبط.

والحقيقة أنه ليس هناك من داع لهذه الحيرة وهذا الاستغراب. فالاستبداد ولوازمه، فضلا عن الإضافات المحلية من تخلف وفساد للذمم، وعمالة للأجنبي، وخنوع للصوص الجشع العولمي، واحتقار للوطن والمواطن، وسقوط الهمم، والقابلية لبيع الدنيا بالدين، وغياب الأهداف السامية، والأثرة والحرص على المصالح الشخصية الآنية أيا كان الثمن… كل ذلك لا يمكن إلا أن ينتج مشهدا سياسيا غاية في البؤس والرداءة.

ورغم أن هذا العبث السياسي قد بلغ المدى، وعلم به القاصي والداني، فإني أتعجب كيف لا يزال هناك من يطرح علينا في العدل والإحسان هذا السؤال: لماذا لا تشاركون وإلى متى ستبقون تتفرجون؟ وقد أجبنا عن ذلك غير ما مرة، ووضحنا بما فيه الكفاية، لكني أريد اليوم أن أضيف إضافة ربما تزيد الموقف وضوحا، وتتعلق بما يمكن أن نسميه “بواجب الوقت”.

ترى ما هو هذا الواجب؟

إخواني الأعزاء أخواتي العزيزات:

لا جدال بين العقلاء وأهل العلم والخبرة عموما على أن أصل البلاء وموطن الداء يكمن في نظام الحكم القائم على الإقصاء والاستبداد، والإعراض عن شريعة رب العباد. وما لم يتم حل هذه المعضلة، فإن كل حديث عن الإصلاح والتنمية والعدل والمساواة والكرامة وغير ذلك مما تهفو إليه القلوب سيبقى مجرد أحلام، وشعارات يتلهى بها السذج والمغفلون أو العاجزون والمحبطون.

وإذا كان الاستبداد بالحكم قد عمر في أمتنا طويلا ، وكان له من الآثار الكارثية ما لا يكاد يحيط به الواصفون أو تستوعبه بكل تفاصيله دواوين التاريخ، فإن استبداد اليوم فاق ما كان بالأمس وزاد عليه ما جعله من أسوء ما ابتليت به أمة الإسلام من أنظمة في الحكم في تاريخها الطويل.

فاستبداد الأمس كان قاصرا على مجال الحكم بينما كانت الشريعة على الجملة محكمة في غير ذلك من المجالات. وكان للناس من الحرية ما يمكنهم من إفادة مجتمعهم طالما لا ينازعون السلطان في حكمه، أو يعترضون عليه اعتراضا يصبح معه مهددا في ملكه. كان بوسع الناس العمل وسط المجتمع والقيام بأعمال مفيدة دون أن يمنع ذلك الحاكم أو السلطان، وربما ساعد على ذلك التسامح كون الدولة لم تكن يومذاك قد بلغت من التطور بحيث يتأتى لها التدخل في الشاذة والفاذة، والشاردة والواردة.

أما استبداد اليوم فإنه اشد على الأمة وأنكى. فنظرا لما أصبحت تتوفر عليه الدولة الحديثة من وسائل متطورة، تقنية وتنظيمية واستخباراتية، ونظرا لاحتكارها لوسائل العنف والإكراه الفتاكة، فضلا عن الدعم السخي الذي تتلقاه من أبالسة المعمور، وفي مقدمتهم الصهاينة الذين ينشطون في هذا المجال نشاطا زائدا عن اللزوم، والأمر على كل حال مفهوم، فنظرا لذلك وغير ذلك مما أضحى تحت تصرف الحكام من إمكانات هائلة، فإنه أصبح بوسعهم أن يتحكموا في كل مفاصل المجتمع، ويحضروا بثقلهم الممجوج المكروه في كل الشؤون، صغيرها وكبيرها، ويقررون فيها بما تهوى أنفسهم، حتى لتبلغ آثار ذلك التحكم التعليم والصحة والإدارة والقضاء، وحتى المسكن والملبس ووسائل اللهو والترفيه.

ترى كيف يتأتى الإصلاح والتغيير في ظل هذا التسلط الذي يطبق على المجتمع بكامله ويمسك بخناقه؟

وثمة سمة أخرى تميز استبداد اليوم وتتمثل في الولاء لقوى الاستكبار والخضوع الكامل لإملاءاتهم، والاسترواح بوصايتهم عليه، والمسارعة لتنفيذ مطالبهم بصرف النظر عما يترتب على ذلك من أضرار اجتماعية أو اقتصادية. فلا شيء يعلو عند حكام اليوم فوق ضمان الحماية للكرسي والجالس عليه، وما دون ذلك فلأمه الهبل، فليأخذوا ما شاءوا وليفعلوا في الأرض وما عليها ومن عليها ما يريدون.

فكيف والحالة هذه أن يستكين عاقل لوهم الإصلاح من الداخل، ولسراب الغد الأفضل في ظل من بلوناهم قرونا، فما جرعونا إلا زقوما؟ ما الذي يجب والحال ما ذكرنا، بل وأفظع وأعقد مما ذكرنا؟

إخواني الكرام أخواتي الكريمات:

لقد اخترنا في العدل والإحسان الوضوح، واخترنا أن نسمي الأشياء بأسمائها، واخترنا منذ البدء أن نعلن عن أهدافنا بكامل الصراحة. الاستبداد ينبغي أن يزول، والاحتكار لخيرات البلد يجب أن ينتهي، وإفساد البلاد والعباد يجب أن يتوقف، والإجهاز على الدين والقيم والأخلاق ينبغي أن يوضع له حد. ولا أمل للخروج من محنتنا الراهنة، والتخلص من أزماتنا المتراكمة، وما يحيط بنا من ذلة وهوان، ومما أصاب الجسم الإسلامي من شتات وتمزق إلا بالتخلص من الاستبداد وأزلامه ورموزه وحماته.

فهذه رسالتنا التي ينبغي أن نصدع بها، وهذا هو واجب الوقت الذي لا مناص من التصدي له. ولا يصح لا شرعا ولا مروءة أن يخلو المجتمع ممن يعترض على المنكر الأكبر، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، ويقاوم الفجور السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وأي عذر لمعتذر يبرئ ذمته من المسؤولية تجاه هذه الأجيال الصاعدة أن لا يكون بين ظهرانيها من لا ينهض بهذا الواجب، ويؤدي الشهادة على وجهها، لاسيما وقد ورد الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أحاديث نبوية كثيرة، والتحذير من خلو الأمة ممن ينكر على الظلمة والفسقة، كقوله عليه الصلاة والسلام: “إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم” 1 .

فهذا في تقديرنا هو واجب الوقت الذي يقتضيه الشرع وتقتضيه الضرورة لكي لا يستبد بالناس الإحباط واليأس من الإصلاح، ولكي يبقى الأمل في إنهاء الفساد وحكم الباطل قائما. فإذا تقاعس المتقاعسون منا، أو جبنوا أو رضوا وتابعوا بحجة أو بأخرى، فنحن إن شاء الله، كما قال البشير الإبراهيمي رحمه الله، كفارة الذنب، وحبل الطنب. نحن نأمل أن نكون إن شاء الله ممن عناهم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: “لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون” 2 .

قد لا نستطيع القيام بكل ما نريد، ولكن بالتأكيد نستطيع القيام بأشياء كثيرة، وقد لا يتأتى أن نحقق كل أهدافنا، ولا تثريب إن أدينا الذي علينا وبذلنا ما في وسعنا. وإذا لم نستطع إنهاء الاستبداد، كنا له شوكا في الحلق وكدرا في الماء. المهم هو أن لا نسكت ولا نتراجع و لا نركع إلا لله، وأن نعري المنكر الأكبر، ونفضح زيف ما يدعون من وجود إجماع على القبول بالنظام القائم، وأن نبين بأن الأغلبية الساحقة رافضة وإن كانت ساكتة، وأن ثقتها في النظام وحلفائه منعدمة من خلال ما تبديه من عدم اكتراث بمبادراته الفاشلة، وشعاراته الجوفاء، ووعوده المخلفة. ولئن لم يتبلور بعد هذا الرفض من قبل عامة الناس إلى مواقف أكثر جرأة وإيجابية، فربما يكون ذلك إلى حين، وداخلا في المكر الإلهي الذي يغري الظالمين بالزيادة في الظلم، والإسراف في الفجور ليأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وما ربك بظلام للعبيد.

وأيا ما كان الأمر، فينبغي أن نعبر بلسان الحال والمقال على أن المسلمين الغير على دينهم وأعراضهم وبلادهم وأمتهم موجودون، وأن نعمل بكل الوسائل المشروعة لإنهاء التسلط والطغيان، واستعادة حقوق الأمة المسلوبة، ومنها حقها في اختيار من يمثلها ويحكمها، وحقها في مراقبتهم ومحاسبتهم، وحقها في الاستفادة من ثروات بلادها، وحقها في الحرية والعدل والكرامة والمساواة، وحقها في التعبير عن آرائها ومواقفها دون خوف من ملاحقة أو اضطهاد، وحقها في تأسيس الجمعيات والأحزاب، وفي التنظيم والتجمع والحركة، وغير ذلك مما هو متعارف عليه في الدول التي تحترم شعوبها، وتتنافس في إسعادها وصون كرامتها.

إخواني الكرام أخواتي الكريمات:

لاشك أن المهمة ليست سهلة، وأن دونها عقبات تقتحم، ومتاعب ومصاعب تتخذ أشكالا متعددة، منها المضايقات والمحاكمات والاعتقالات، ومنها الحرمان من الحقوق، والتشويه بالدعايات الكاذبة، والاتهامات الباطلة، ومنها الحملات المتتالية للتعتيم على الأصوات الأبية، وتخويف الناس من التجاوب مع دعاة الحق والصدق، وغير ذلك مما تتفتق عنه النفوس المريضة التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة.

لكن هذه هي طريق الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وهذه طبيعة دعوتهم، وهذا هو السبيل للسلوك على منهاج النبوة الواضح. ولئن بدا الثمن غاليا، فإنه دون ما يكلفه الخنوع للظلمة والركون إليهم. وقد أعد الله للعاملين الصابرين المحتسبين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ولما علم الله عز وجل أن النفس البشرية، وحتى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، وبوعده ووعيده، قد يعتريها الضعف فيفتر نشاطها، وينقص إقبالها وتوثبها، وينتابها ما قد يعتم عليها الرؤية ولو لأمد معين، فإنه من رحمته أنزل آيات تتلى إلى يوم القيامة لتثبيت الأفئدة، ولتبيان ما وعد به المؤمنين الصادقين أن يوفيهم أجورهم مجدا وعزة في الدنيا وقربا وسعادة في الآخرة.

ومن الآيات الدالة على هذه المعاني الآية الكريمة التي اتخذناها شعارا لهذه الدورة، وهي قوله عز من قائل: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مومنين. فالنهي عن الشعور بالوهن والحزن فيه دليل على أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن سلوك سبيل العزة لا يخلو من الابتلاءات التي قد تؤثر سلبا على إرادة المؤمن وعزيمته. لذلك جاء الخطاب الإلهي ليحذر عباده من هذا الشعور، وينهاهم عن الاستكانة إليه أو الانكسار أمامه، مذكرا ومؤكدا بأنهم هم الأعلون إن كانوا مؤمنين.

والتعليق بالشرط، كما يقول أهل التفسير، في قوله ( إن كنتم مؤمنين) فيه تهييج الغيرة على الإيمان، لأن الله عز وجل يعلم أنهم مؤمنون، ولكن من لاح عليه الوهن والحزن لغلبة الظلمة وعلوهم وتسلطهم، كان بمنزلة من ضعف يقينه. وما ينبغي للمؤمن أن يتردد أو يشك أو يهون، حتى وإن استعلى الباطل أو انتفش وظن انه هو المنتصر، فإنما ذلك استدراج وابتلاء، استدراج للظلمة للتمادي في غيهم ولتكون عاقبة أمرهم خسرا، وابتلاء للمستضعفين ليمحص الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء، ولينظر كيف يقع من قلوبهم وعد الله. أيقابلونه بالتصديق أم بالشك والارتياب، وهل يستجيبون لرغبات النفس الميالة للراحة والتبرم من تكاليف الدعوة، أم يستجيبون لله عز وجل الذي نهاهم عن الوهن والحزن، حتى وإن طالت الطريق، وكثرت العقبات وتوالت المضايقات، ووعدهم بأنهم هم الأعلون إن كانوا مؤمنين.

إنه اختبار حقيقي، وما لم يعتصم المؤمن والمؤمنة بالله عز وجل، ويكونا على حذر من وساوس الشيطان، وإغراءات النفس، وإلقاءات المبطئين المخذلين، فإنهما يوشكان أن يقعا في المحظور، لا سمح الله. نسأل الله لنا ولكم العافية والثبات وحسن الخاتمة.آمين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صباح السبت 05 ذي القعدة 1430 الموافق ل 24 أكتوبر 2009

عبد الواحد المتوكل، غفر الله له


[1] رواه الحاكم في المستدرك.\
[2] رواه الإمام البخاري.\