إن الحصار والاعتقال وغيرهما من ضروب القمع والطغيان، آفات مرضية خطيرة، لا تحل مشكلة، ولا تلغي الوجود الإسلامي الفاعل، بل إن التاريخ والواقع يؤكدان أنه كلما اشتد الحصار على أي حركة مؤمنة جادة إلا وازداد أعضاؤها تعلقا بها، وبمشروعها ودعوتها.

إن ما تعرضنا له من إيذاء واعتقال دام سنوات طوال دون وهن ولا ضعف ولا تراجع، وصمود دعوة العدل والإحسان في وجه رياح الظلم العاتية، دون أن يكسر ذلك شوكتها، ولا أن يضعف من عزيمتها، ولا أن ينال من إرادة رجالها ونسائها. رسالة إلى من يهمهم الأمر مفادها أن القمع وكبت الأصوات الحرة طريق خاطئ لن يزيد هذه الأصوات إلا قوة وثباتا. لأن ما نلاقيه من أذى ظلما وعدوانا في سبيل رسالة الإسلام ورايته، هو من الأذى الذي وعد الله أصحابه بالنصر والتمكين مصداقا لقوله تعالى: فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا، وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ، وقوله عز وجل: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ، وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء، وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.

فما يصيبنا من ابتلاء في سبيل رسالتنا هو إذن من طبيعة الأذى الذي يعيد البناء، ويوحد الصف، ويشحذ العزائم. لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى. ومجابهته بالصبر والتحمل والصمود والاحتساب هو برهان صدق، ودعوة ناطقة للالتفاف حول مشروع الجماعة وأفكارها. فنحن أصحاب رسالة وأصحاب مبادئ، ولن يثنينا عنها حصار ولا اعتقال ولا إغراء، قدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قابل الترهيب والإغراء بمواقف ينبغي أن نتخذها نبراسا يضيء لنا الطريق، منها قوله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب: “يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر -حتى يظهره الله أو أهلك فيه- ما تركته”. وما قصه علينا القرآن الكريم من سيرة الصالحين وثباتهم، مثل موقف سحرة فرعون حين عرفوا الحق فأبوا أن يتنازلوا عنه، مفضلين الابتلاء على الاستسلام للباطل، قال الله تعالى مبينا موقفهم الإيماني، وصمودهم البطولي: قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا، فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ، إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.

إن إرهاب الدولة وعنفها غير المشروع في حق أبناء الأمة وشرفائها لثنيهم عن التعبير والتواصل مع الأمة:

1- سياسة فاشلة تدل على هشاشة الدولة وضعفها، لأن الدولة التي تحترم نفسها وتثق بذاتها لا يسعها إلا أن تنفتح على جميع مكوناتها، وتستجمع طاقاتها وقدراتها، وتوحدها، وتوظفها في الإصلاح والبناء.

2- قد ينجح في حصار الدعوة مؤقتا، ويحد من نشاطها، ويمنع كتبا، ويعدم صحفا، لكنه يعجز كل العجز عن زحزحة الشرفاء الأحرار عن مبادئهم الثابتة، وقناعاتهم الراسخة.

3- إنه يبدد طاقات الأمة وإمكانياتها في الحصار والاعتداء، وفيما لا طائل منه، بينما الأمة في أمس الحاجة إلى استغلال ذلك في مشاريع تنموية، تنهض بحالها، وتعود عليها بالنفع. وفي حاجة إلى أمن يمكنها من الاستقرار والعيش في أمان.

4- يولد الحقد والتطرف والرغبة في الانتقام، وعدم الاستقرار، ويحرم الشعب من حقه في الأمان والإبداع والإصلاح والمساهمة في البناء.

ولنا أن نتساءل ما هو السر وراء ثبات البعض رغم الحصار الشديد والتعسف المتواصل، والاعتقالات المتتالية، بينما البعض الآخر يتراجع ويستسلم للترهيب والإغراء دون أدنى مقاومة أو تحفظ؟

إن نجاح وصمود وثبات أي حركة جادة يتوقف على مدى تعلقها بالله عز وجل، واقتفائها أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في يسره وعسره، وتحليها بخصال كثيرة، أذكر منها ما يأتي:

1ـ الصدق والإخلاص، والإقبال على الله تعالى، والاعتصام به، والزهد والإعراض عن متاع الدنيا وزينتها، والتطلع إلى الآخرة وفضلها، والرغبة فيما عند الله، وما عنده خير وأبقى، والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في صبره ومسيرته الجهادية. فقد لاقى النبي صلى الله عليه وسلم مختلف أنواع المحن، وتجرع أصحابه ومن تبعهم بإحسان أذى شديدا قابلوه بالصبر والاحتساب، إلى أن مات منهم من مات، ولم يثنهم كل ذلك عن مبادئهم قيد أنملة. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

2ـ التوكل على الله عز وجل في كل خطواتها، منه تستمد قوتها، وعلى ضوء شرعه تخطط وتحدد برامجها، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ، وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ، وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

3- طاعة الله عز وجل، والاستقامة على شرعه، وصحبة الصالحين من عباده، ومجاهدة النفس ومحاسبتها وتزكيتها، لأن النصر يكون بطاعة الله، وتقواه الذي هو أفضل العدة لمجابهة المخاطر، وهو ما أشار إليه سيدنا عمر رضي الله عنه حين أرسل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قائد جيش المسلمين في حرب الفرس بالقادسية يوصيه وجنده ويقول له: أوصيك ومن معك بتقوى الله تعالى على كل حال، فإن تقوى الله من أفضل العدة على العدو، ومن أقوى المكيدة في الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخطر عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بطاعتهم لله تعالى، وإيمانهم به، ومعصية عدوهم له، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة).

4- احترام خيار الأمة والانسجام معه، وعدم المتاجرة به. فرفض الظلم، والاستبداد، والتمكين لدين الله، وتحرير الإنسان وتكريمه مبادئ ومطالب تلتف حولها الأمة، لأنها من صميم دينها وهويتها وتاريخها، ومصدر عزتها، فبمبادئ الإسلام استطاعت أمتنا أن تبني حضارتها الشامخة. وأن تصمد أمام المحن والشدائد. أما المتاجرة بمطالب الأمة والاسترزاق بها، فهو خيانة للأمانة، وخزي في الدنيا، وندامة في الآخرة.

إن مشروع العدل والإحسان ينطلق من دين الأمة، ويحمله رجال صادقون، برهنوا على صدقهم وحسن بلائهم، قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، معرضون عن متاع الدنيا وإغراءاتها، فطبيعي أن تتجاوب معه الأمة، وتتفاعل. وكل من أراد إحياء الأمة وإصلاح ما تهدم من صرحها من خارج دينها وهويتها وعمقها فقد زاغ عن الطريق الموصلة إلى التحرير والبناء.

أما الأنظمة الاستبدادية فإن الحصن المنيع، والسبيل الأمثل الذي ينبغي أن تلجأ إليه، بدل مسلك العنف والاعتداء، هو إصلاح أحوالها السيئة، والتصالح مع الأمة، ولا يتحقق ذلك إلا بالرجوع إلى الله تعالى من خلال توبة نصوح تترجمها إلى عمل واقعي: أسه احترام الإنسان، ودينه وكرامته، وإرساء قواعد العدل، وفتح مجال الوجود والتعبير أمام كل مكونات المجتمع، وإشراكها في الحكم، وتدبير الشأن العام، والتجاوب مع مطالبها واقتراحاتها، وغيرها من العلامات التي تدل على التغيير، والتوبة، وإصلاح الذات.

ماعدا هذا الطريق، فإن القرآن الكريم قد أخبرنا أن الظالمين مآلهم سوء العاقبة والمصير، قال الله تعالى: فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ، وأن العاقبة للمتقين، وتوريث الأرض للمؤمنين المصلحين، قال الله عز وجل: اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

الإمضاء: مصطفى حسيني (أحد معتقلي العدل والإحسان المحكومين بعشرين سنة سجنا نافذا ظلما وعدوانا).

حرر في سجن فاس – الزنزانة رقم: 5 ـ