1. مقدمات

أ- لا حرية في المستقبل من دون فكر سياسي جديد ومستقل

حينما ظهرت الحركة الإسلامية بدايات القرن الماضي، واجهت الواقع المعقد بسبب التخلف التاريخي والاستعمار الغربي، من دون رصيد متماسك ومتجدد من فكر سياسي، قادر على إدارة وتدبير المرحلة وفتح آفاق العمل الكبير، في اتجاه نقد الواقع الدولي نقدا شاملا بما يؤسس لمرحلة تاريخية جديدة من حيث مضمونها الحركي والسياسي، ويخترق الواقع المحلي وفق وعي مرحلي واستراتيجي دقيق 1 .

نعم، لقد كان حجم متطلبات الواقع وحجم التضخم الحركي الذي أثمرته مجهودات الحركة الإسلامية واضحا في التأثير على أدائها اليومي ووعيها الاستراتيجي والمستقبلي، على الرغم من امتداده في كل فئات المجتمعات الإسلامية، لكن يظهر القصور الكبير الذي حال دون أن تحقق هذه الحركة أهدافها المعلنة. ذلك أنه لا يمكن تحقيق أي هدف سياسي معلن مهما كان وضاحا، دون امتلاك عملية تفكير سياسية تنتج فكرا سياسيا قادرا على تجاوز كل العقبات وحل المشكلات. ليصل إلى درجة إنجاز الهدف من خلال استراتيجية ممتدة إلى تحقيق المقاصد السياسية والغاية الحركية.

وبما أن الهدف المنشود مرتبط بعملية تغيير، فإن الفكر الذي يؤطر عملية إنجازه ينبغي أن يتوفر على خاصيتين مهمتين:

الأولى: أن يكون فكرا جديدا ومتجددا، قاطعا مع الأفكار السائدة والمهيمنة على الواقع السياسي في كل أبعاده. وهذا لا يعني عدم الاستفادة مما هو سائد، بل من ميزات الفكر المتجدد القوي أن يملك حكمة الاستفادة مما هو موجود دون السقوط في فخ التبعية. وهو ما يعني ضرورة التوفر على الخاصية الثانية.

أما الثانية: فهي الاستقلالية، التي تعني امتلاك نظام تفكير مستقل ومتحرر من قبضة الماضي الاجتهادي في قضايا السياسة وتدبير الشأن العام محليا ودوليا، كما هو متحرر من قبضة التبعية لنتاج الغرب في الباب، إذ لا حرية مع التبعية في نظام التفكير وأصوله سواء لواقع تاريخي مضى، أو لواقع قائم على معنى التبعية والاستعمار.

لذلك فالحركة الإسلامية مطالبة بإنتاج فكر سياسي جديد، ومطالبة بتدريب كوادرها على نظام تفكير سياسي قادر على التصدي للقضايا المعروضة عليها، خاصة في اللحظات الصعبة وفي منعرجات الحركة والمواجهة مع الواقع.

إن امتلاك هذا النمط من التفكير يوفر قدرة كبيرة على الاستيعاب والاقتراح، وهو ما يكون عامل قوة ووحدة في صف الحركة الإسلامية، إذ الملاحظ على جل التجارب الإسلامية الحديثة أن في اللحظات الصعبة والدقيقة يسكن إبليس التمزق والتفرق حيث تختلف الأفهام والمواقف. ومرد ذلك أنه على الرغم من حجم المعاناة التي تعيشها الحركة الإسلامية، في الغالب، لا تكون كوادرها على كامل الاستعداد من حيث نظام التفكير لتنتج فكرا سياسيا ممتدا في المستقبل يصنع الموقف المناسب، ويعالج اللحظة على ضوء وعي مستقبلي جامع وموحد، مستندا إلى المستوى الأخلاقي والأدبي والقيمي لدى هؤلاء الكوادر، ينزههم عن أن تكون الاعتبارات الشخصية السلبية وراء التمزق والفرقة، كما يجنبهم الخضوع الشخصي لضغوط الواقع وإكراهاته إذ ثمة يكمن البئر الشطون الذي تغرق فيه الحركة فتبتلع نهائيا، ذلك أن هؤلاء الكوادر في موقع مسؤولية عظمى تفترض فيهم مخالفة الهوى طوعا أو كرها وعدم اتباعه قطعا، وتفترض فيهم وعي سياسي وحركي قادر على تجاوز اللحظات الصعبة.

ب- لا حرية في المستقبل من دون فكر سياسي أصيل

لا يكفي إنتاج فكر سياسي جديد ومستقل، بل عليه أن يكون أصيلا وعميقا في مخاطبة قضايا الأمة والإنسانية. والمقصود بالأصالة هنا الوعي باختيار الأمة الذي بنت عليه مصيرها التاريخي.

فالفكر السياسي الأصيل هو الذي يعبر عن طموح الأمة الحقيقي من خلال مرجعيتها الكلية، أو الذي ملك القدرة على جعل هذه الأمة تنتقل من مرجعية إلى أخرى وتؤسس لتجربة تاريخية جديدة مع مرجعية جديدة كليا. وفي كلتا الحالتين تكون حركة الفكر السياسي ممتدة في جذور وتفاصيل حركة المجتمع وبانية لمؤسساته ومحتضنة لكل رغباته وموجهة لكل طموحاته، ومن ثمة تبني سياساته ونظام علاقاته الداخلية والخارجية، وتدقق في مدى وأفق حركته.

والحرص على معنى الأصالة هنا ووضوحها يشكل وعيا دقيقا بطبيعة الصراع والتدافع الذي يتفاعل وفق درجات مختلفة من الظهور والخفاء داخل المجتمع وبين مختلف مكوناته، بحيث إن عدم الوعي بهذه الطبيعة يؤدي حتما إلى ارتباكات شديدة في التصورات والمواقف، وإلى الانحرافات والانزلاقات الخطيرة، في حين أن حصوله، أي الوعي، يؤدي إلى تنظيم الواقع الصراعي والتدافعي داخل المجتمعات.

ت- لا حرية في المستقبل من دون فكر سياسي قاطع مع كل أشكال الاستبداد في بنيته الداخلية وفي نُظم معارضاته للأنظمة السياسية القائمة

فمن مصادر وأصول الاختلالات الجوهرية في مسيرة الإنسانية عموما، وفي مسيرة الأمة الإسلامية خصوصا، ظاهرة الاستبداد الذي تسلط باكرا على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية فتسلل مخترقا كل البناء، ومع مرور الزمن شل الإرادة الجماعية والفردية وفتت الفهوم وضرب في الصميم وحدة الأمة.

لذلك فإنتاج فكر سياسي قادر على إنجاز مهمة البناء الكلي وتوفير إمكانات الامتداد في الواقع البشري قصد المساهمة الواجبة في إعادة بنائه وفق قواعد العدل والحرية أصبح مطلبا ملحا وضروريا.

وهو لن يكون مستعدا لذلك ما لم يتوفر على ركيزتين جوهريتين:

الأولى: أن يكون قاطعا مع كل أنواع وأشكال وطبائع الاستبداد في بنيته الداخلية، إذ لايمكن التفكير في الحرية بآليات الاستبداد وقواعده وأساليبه.

ولاشك أن هذه عملية معقدة إلى أبعد الحدود، حيث يصعب التخلص من ثقل تاريخي تراثي مخترق لنظام التفكير السياسي الحديث لدى الحركة الإسلامية، وهو عامل ارتباك واختلاف شديدين في المواقف والتصورات قد يصل إلى حد التعارض والتناقض. مما يعني أن على الحركة الإسلامية أن تكتشف من الوسائل العلمية والتربوية والمنهجية ما يُمكن كوادرها من التخلص بشكل نهائي من آثار مواقف وتصورات سابقة مظروفة بزمانها وصيغت تحت قهر الاستبداد وترويضه للمواقف والحركات. وفي نفس الوقت يحصنها، أي كوادر الحركة الإسلامية، من اختراق المفاهيم الغربية المركزية في بناء الأفكار والأنظمة السياسية في المدرسة الغربية مع إتاحة القوة الكافية للاستفادة منها بما هي تجربة إنسانية رائدة وعميقة.

الثانية: أن يكون قادرا على تفكيك بنية الاستبداد الخارجية القابضة على حركة الأمة بقبضتها الحديدية؛ الرمزية والفكرية والنفسية والثقافية والمالية والاقتصادية والإدارية والتنظيمية، وغيرها، وأن لا يكتفي بذلك، بل يملك القوة الاقتراحية لإعادة بناء نظام حر ويعيش فيه الناس وبه أحرارا، كما ينبغي أن يتوفر على كفاءة في نقد الواقع السياسي الدولي وتفكيك بنائه بما يؤدي إلى قوة اختراق تعيد البناء على شكل يضمن الحرية والكرامة الإنسانيتين.

ولاشك، كذلك، أن هذه عملية بالغة التعقيد، ذلك أن قبضة الاستبداد القائمة استطاعت أن تصنع رموزها وأدواتها واستراتيجياتها وأفكارها مخترقة المجتمع بشكل كلي وشالة لحركته في أي اتجاه تغييري.

لذلك فالحركة الإسلامية في هذا الباب مطالبة بتربية وتدريب كوادرها على امتلاك الوعي الكافي بعملية التغيير المنشودة، وبشروطها وأهدافها، وامتلاك الإرادة الكافية لاقتحام مجالات التغيير وفق استراتيجية سياسية محكمة منتظمة في حركة وعي اجتهادي ومرحلي دقيق.

إن بعض المراجعات، وبعض المواقف الصادرة عن قيادات تاريخية في الحركة الإسلامية والتنظير لحركتها في الواقع العام تدل بوضوح على أن نظام التفكير والفكر السياسيين اللذان أنجزا المراحل السابقة اعتراهما قصور شديد وغموض كبير كانت الحركة الإسلامية في كثير من الأقطار أول من أدى ثمنه الباهظ. وهو ما يعني أن بناء المراحل القابلة تطلب التوفر على فكر سياسي، يمكن من فتح أفق تجديدي وتغييري يمكن من إنجاز الأهداف والمقاصد التي وجدت الحركة الإسلامية لأجل تحقيقها. وهو ما يعني أن هذا الفكر ينبغي أن يحقق عمليتين متكاملتين:

الأولى: الاستيعاب: استيعاب الواقع بكل تفاصيله وحيثياته.

الثانية: الاقتراح: اقتراح مشروع تغييري يتوفر على الآليات الذاتية ويصنع الموضوعية منها لينجز جميع مراحله ومهامه. وهو ما سنناقش بعضه في الحلقات التالية إن شاء الله تعالى الذي سبحانه منه التوفيق والسداد.


[1] دون أن نتجاهل مجهودات مباركة مع الأستاذين حسن البنا والمودودي ثم سيد قطب وما بني على اجتهادات هؤلاء الرجال وأمثالهم من أعمال هامة، مع إشارة هامة إلى ضرورة استثناء الفكر السياسي الشيعي في تفاعله مع قضية الحكم التي توجت بإبداع وتطوير (نظرية ولاية الفقيه) وإنجاز ثورة فريدة لحد الآن ضمن الثورات البشرية.

ولئن كانت هذه النظرية أحدثت تحولا جذريا في الفقه والفكر السياسي الشيعيين، فإنها تبقى تجربة خاصة وقاصرة إذا نظر إليها من خلال مفهوم الخلافة، كما أن عليها ملاحظات جوهرية في هذا الباب ليس هنا مقام بيانها.\