ها قد صدر أخيراً تقرير غولد ستون، وتمت المصادقة عليه من قبل مجلس حقوق الإنسان بأغلبيةٍ جيدةٍ، وتم تسليط الضوء على اقتراف إسرائيل لجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية خلال حربها الأخيرة على قطاع غزة، ونجحت مؤسسات حقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني التي عملت طويلاً، وبذلت جهوداً كثيرة في رفع التقرير إلى أعلى المؤسسات الدولية، لتضع الخطوة الأولى نحو محاكمةٍ دولية لمجرمي الحرب الإسرائيليين، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في تاريخ الدولة العبرية، ووضعت مخاوف الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي لأول مرة بصورةٍ جدية، فبعد أن كانت المؤسسة العسكرية تحتاط لسفر قادتها العسكريين، وتقيد سفر وانتقال ضباط جيشها وقادة أجهزتها الأمنية، مغبة اعتقالهم في بعض المحطات الدولية، فها هي الخطوات الأولى نحو محاكمة قادة إسرائيل قد بدأت، وعلى مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان أن تباشر العمل للمرحلة التالية، التي لن تقل أهمية عن سابقتها، التي ستكون مبنية على الجهد الدولي الذي سبق، ولكنها تحتاج إلى جهدٍ وعملٍ دؤوبين، وهي إن لم تؤتِ ثمارها المرجوة فإنها ستجبر قادة إسرائيل على مراعاة القانون الدولي، والخوف من المحاسبة الدولية، وستدرك أن جرائمها لن تنسى بالتقادم، ولن يتخلى المظلومون عن حقوقهم بسبب الإهمال الدولي، أو سياسة المحاباة الدولية، وسياسة الكيل بمكيالين، التي اعتاشت عليها إسرائيل أمداً طويلاً.

للمرة الأولى تعاني إسرائيل في جلسةٍ دولية من انفضاض دول العالم عنها، ومن استعدادهم للتصويت ضدها، وعدم الدفاع عنها، أو تأييد سياساتها، وحتى الدول الكبرى التي اعتادت أن تؤيد إسرائيل وأن تدافع عنها أمام المحافل الدولية، تقف اليوم عاجزة أمام الأدلة الدامغة التي سجلتها ودونتها ووثقتها وسائل الإعلام الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل قد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وأن أحداً لا يستطيع أن ينكر ما ارتكبته إسرائيل بحق أبناء قطاع غزة، فممارساتها مفضوحة، وجرائمها مشهودة، واعتداءاتها متكررة، وعنفها مفرط، وآثار جرائمها بادية وغير خافية، ومازال الناس في غزة يعانون من ويلات ما ارتكبت إسرائيل بحقهم، فبيوتهم مازالت مدمرة، واقتصادهم خرب، ومدارسهم قد أحالها العدوان إلى ركام، فلا مدارس ولا مساجد ولا أسواق، ولا بيوت ولا منازل ولا مزارع، ولا معامل ولا مصانع ولا بقالياتٍ صغيرة، ولا محلاتٍ كبيرة، كل شئٍ في غزة خَرِبٌ ومدمر، وهو كله شاهدٌ على العدوان، وناطقٌ بأبلغ صورة عما جرى .

ولكن المصادقة على التقرير لا ينفي التهمة عن السلطة الفلسطينية، ولا يبرؤها من جريمة المشاركة في الاعتداء على قطاع غزة، ولا ينفي تهمة تآمر بعض كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية، ولا يكذب إدعاءات ليبرمان، ولا يفند شهاداته، ورغم أنه لدينا كاذب وغير مصدق، إلا أن المصادقة على تقرير غولد ستون لا تنفي عنه صفة الكذب، فهو حريصٌ على الوقيعة بين أبناء الشعب الفلسطيني، وحريصٌ على تمزيق اللحمة الوطنية الفلسطينية، ويعمل على منع الاتفاق الفلسطيني الداخلي، ويخشى من توافق القوى الفلسطينية في القاهرة، ويدرك أن الفلسطينيين أقرب إلى بعضهم البعض منهم إلى أي طرفٍ آخر.

فبعد صدور التقرير هل نصدق الكذاب ليبرمان في أن بعض المسؤولين الفلسطينيين قد تآمروا على شعبهم، وأنهم دفعوا جيش الاحتلال الإسرائيلي لضرب سكان قطاع غزة، وتدمير بيوتهم ومساكنهم، فهل نصدق أن مسؤولاً فلسطينياً يستطيع أن يرفع سماعة الهاتف ويتصل بضابطٍ عسكري إسرائيلي يطالبه بالمزيد من الصمود، والمزيد من الثبات، ويدعوه إلى الصبر، ويُمَنيه بأن شمال قطع غزة قد قارب على السقوط، وأن قوة حركة حماس تتقهقر وتتراجع، وأن عناصر ومقاتلي حركة فتح على أهبة الاستعداد لتولي زمام الأمور في قطاع غزة .

فهل نصدق ليبرمان الذي أكد امتلاكه لوثائق ومستندات، بما فيها مكالماتٍ هاتفية مسجلة، لبعض رموز السلطة الفلسطينية، وهم يستحثون جيشه على الصبر والثبات والتجلد، مؤكدين له أن النصر صبر ساعة، وأن حماس تترنح في الميدان، وأن أهل غزة ينتظرون طلائع الفتح الإسرائيلي لينقلبوا على سلطة حماس، وينزعوا عنهم لباسهم العسكري ليزجوا بهم في السجون مرةً أخرى، وأن المواطنين في غزة لن يقفوا إلى جانب حركة حماس، ولن يدافعوا عنها إذا سقطت، وأنهم يرون أن حركة حماس تقف وحيدةً في الميدان، ولا أحد يساندها، ولا يوجد في غزة من يناصرها .

فهل نصدق ليبرمان في ادعاءاته، وأن منظر الدماء والأشلاء الفلسطينية لم تحرك قلوب ” القادة الفلسطينيين ” ، وأن حجم الدمار والخراب الذي خلفته آلات الدمار الحربية الإسرائيلية لم تثير العاطفة الفلسطينية، فهل نصدق ليبرمان فيما رواه من أن مسؤولين فلسطينيين قد طلبوا من جيشه مزيداً من القصف على شمال قطاع غزة، ليقصفوا مدرسة الفاخورة، ويقتلوا كل من لجأ إليها ليحتمي فيها تحت علم الأونروا، وأنهم أعطوا الجيش الإسرائيلي الإحداثيات ليقصفوا مخازن الأونروا، ومخازن الغذاء والدواء في غزة .

لا … لا تصدقوا ليبرمان فهو كذابٌ أشر، حلافٌ مهين، هماز مشاء بنميم، لا يحسن لغةً أفضل من الكذب والإدعاء، ولا تهمه المصالح الوطنية الفلسطينية، بل إن همه الأكبر تمزيق اللحمة الفلسطينية، واستبعاد فرص وآفاق الوحدة والتلاقي، لا نصدقه فيما قاله أو فيما يقوله لأنه ليس فلسطينياً من يتآمر على شعبه ، ومن يتحالف مع عدوه ضد أهله، ليس منا ولا من الفلسطينيين من يرى مناظر الدماء وهي تسيل، ولا صور تلاميذ المدارس وقد اختلطت أشلاؤهم بحقائب مدارسهم، ولا يرق قلبه، ولا تدمع عينه، ثم يطلب من الإسرائيليين مزيداً من القصف والدمار والتخريب، على أمل أن تنهار المقاومة، وأن تسقط رايتها في غزة، وأن يعود الفارون إليها، ولكن بعد أن يكون الجيش الإسرائيلي قد دك حصونها، واخضع أهلها، ولكن فألهم قد خاب، وسهمهم قد طاش.

دمشق في 20/10/2009