أجرى موقع الجماعة حوارا مع ذ. السعيد المتوكل، عضو المكتب القطري لقطاع الشباب والمكلف بالعمل الجمعوي، حول الخروقات التي تتعرض لها الجمعيات. إليكم نص الحوار…

سؤال:

أثار التقرير الأخير لهيومان رايت التضييق الذي يطال الجمعيات في المغرب. ما رأيكم فيما تضمنه هذا التقرير؟

جواب:

بسم الله الرحمان الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

لقد تتبعت باهتمام بالغ كغيري من المهتمين ما طرحه تقرير هيومان رايت يوم سابع أكتوبر 2009 حول حرية تكوين الجمعيات بالمغرب. التقرير موضوعي ومتميز وموفق في كثير من القضايا التي أثارها، لكنه لا يخلو من ملاحظات لأننا لسنا أمام كتاب منزل. ما طرحه التقرير يعد سابقة يستفاد منها.

منظمة هيومان رايت ووتش اشتغلت على الأرض بمهنية عالية ووقفت على حقائق ملموسة ودلائل دامغة تثبث حجم التجاوزات الخطيرة في حق مئات الجمعيات المغربية، فتوجت ذلك بإصدار تقريرها الجريء الذي نجح في شد أنظار كل المهتمين الحقوقيين والاجتماعيين والسياسيين وغيرهم. التقرير صرخة مدوية في وجه الظالم المستبد بكل شيء، والقامع لأبسط الحقوق والسالب للحريات دون وجه حق. أعتقد أن الرسالة المتضمنة في التقرير تبقى بليغة للغاية وأعتقد أنها وصلت إلى من يهمهم الأمر، وأتمنى أن تفهم كما يجب وأن يتم التعامل مع مضمونها بإيجابية من طرف السلطات التي ندعوها بالمناسبة إلى أن تقلع عن عاداتها السيئة المخزية المحبطة التي تسيء من خلالها لسمعة هذا البلد.

إن كل خطيئة في حق الجمعيات لا يمكن أن تنسى أبدا، فالذاكرة تسجل وتنتظر الوقت المناسب لإدانة الجاني. (فالذنب لا ينسى). وليأخذوا العبرة من التاريخ القريب إن شاءوا، فملفات الأمس المرة لازالت تقض مضجعهم، فكفى من العبث.

سؤال:

خص التقرير بالذكر الجمعيات المحسوبة على العدل والإحسان. ما هي في نظركم أهم الخروقات التي تطال هذه الجمعيات؟

جواب:

لأول مرة يثار موضوع الجمعيات المحسوبة (بين قوسين) على جماعة العدل والإحسان في تقرير حقوقي من هذا الحجم بهذه الدقة، وهي خطوة إيجابية جدا للكشف عن الحقيقة. لدي مؤاخذة على التقرير في هذه النقطة بالذات، تتمثل في كونه لم يذكر إلا القليل القليل جدا من هذا النوع من الجمعيات. والحال أنها أكبر ضحية إلى جانب الشعب المسكين المحروم من خدمات أبنائه في وقت شديد هو في أمس الحاجة إليها. يؤسفني أن أقول بكل تواضع وبلا مبالغة أن عدد الجمعيات المحاصرة تعد بالمئات، والتجاوزات والخروقات في حقها بالآلاف، وعدد الأعضاء المحرومين من ممارسة حقهم الطبيعي القانوني العلني بعشرات الآلاف، وهكذا تتسع دائرة الحرمان لنصل في الأخير إلى أن عدد المستفيذين المفترضين المحرومين هم الآخرون من الأطفال والشباب والرجال والنساء لايمكن تقديره إلا بمئات الآلاف فما فوق. أي ذنب أعظم من هذا الهدر للطاقات المتطوعة لخدمة مجتمعها؟ ملايين الساعات من الخدمة المجانية والتطوعية المستمرة من داخل الجمعيات ومجهودات بلا حساب تضيع كلها سدى ويحرم منها أبناء وبنات الشعب، فقط لأن المتطوعين من العدل والاحسان، دفعهم واجبهم الديني والإنساني وغيرتهم على بلدهم أن يضعوا طاقاتهم لخدمة أمتهم، فما كان من المخزن إلا أن يتطوع لمحاربة هؤلاء المتطوعين بالقمع والترهيب والتضييق والحصار مسخرا من أجل ذلك إمكانيات هائلة تذهب مع الريح ويبقي ذوو الحاجات في انتظار طويل.

لقد جربت السلطة كل أنواع التجاوزات واجتهدت وابتكرت وسائل جديدة بكل حرية ودون أي قيد أو رجوع للقانون، وقد علمنا أن لدى مسؤولي السلطة تعليمات استثنائية في الموضوع تخول لهم صلاحية التضييق والتعسف بلا حدود، لأنه حينما يتعلق الأمر بجمعيات يوجد بها أعضاء من العدل والإحسان، فإن المخزن يستحضر القولة الميكيافيلية المشهورة – الغاية تبرر الوسيلة- فيتخذها بمثابة القانون والمرجع. الغاية هي عرقلة الجمعية وإبعاد العدل والاحسان منها، والوسيلة كل ما من شأنه أن يحقق ذلك وبأي ثمن. لذلك فإننا لانجد حدا لهذه الخروقات وأذكر منها على سبيل المثال الامتناع عن تسلم وثائق التأسيس والتجديد والامتناع من تقديم الوصولات، والتدخل لمنع استعمال الفضاءات العمومية، وعرقلة الأنشطة، والتضييق على المقرات الخاصة أو إغلاقها أو تشميعها، واستعمال العنف ضد الجمعيات، وتقديم جمعيات للمحاكمة على أبسط الأمور وتلفيق اتهامات عارية من الصحة، وحل بعض الجمعيات بسبب عدم تجديد مكاتبها في الوقت المحدد، وإصدار تعليمات لمختلف المصالح بعدم التعامل مع الجمعيات الفلانية، والحرمان من المنح، وتهديد المنخرطين لصدهم عن المشاركة أو الاستفاذة من جمعياتهم، واستنزاف الكثير من الجمعيات، وتهديد بعض الداعمين للجمعيات المغضوب عليها وكذا أصحاب المحلات أو المنازل التي تكتريها،… إلخ

لا غرابة، فالسلطة المؤتمنة على حفظ القانون وجدت نفسها في مقدمة المتنصلين منه. فأي مصداقية بقيت لها بعد تجاوزها لكل القوانين والأعراف وفاء لتعليمات مخجلة محرجة.

سؤال:

هل هي جمعيات للجماعة أم جمعيات مستقلة؟ وما هي حدود العلاقة مع العدل والإحسان؟

جواب:

سؤال جيد لابد من إيضاحه من أجل رفع اللبس في الموضوع. أعضاء العدل والإحسان مواطنون مغاربة كغيرهم من أبناء وبنات هذا البلد العزيز، لهم الحق في العيش الكريم والأمن والحرية في التعبير والتنقل والانتماء وما سواها من الحقوق دون تمييز، والقانون يكفل كل هذه الحقوق ويضمنها ويحميها.

مع الأسف، إن هناك بعض الجهات تخلط بين حرية الانتماء إلى العدل والإحسان وحرية الاشتغال في العمل الجمعوي فتعتبر هذا امتدادا لذاك، وهذا تقدير خاطئ تماما، وسوء فهم أو ربما كيد وتعسف، وهو سبب الكثير من التجاوزات الصادرة عن المخزن في حق الجمعيات التي يعمل فيها أفراد من الجماعة.

الانتماء للجماعة حق مشروع والعمل الجمعوي أيضا حق مشروع سواء أكان تابعا للجماعة أم لا، فلا مانع أصلا أن تكون للجمعية امتدادات وعلاقات تختارها بمحض إرادتها. وللإشارة ففي الميدان كثير من الجمعيات ذات الامتداد السياسي والحزبي دون أن يعاب عليها ذلك. ومع ذلك فالأمر مختلف بالنسبة لنا في جماعة العدل والاحسان، أؤكد مرة أخرى أن الجمعيات التي يؤسسها أو ينخرط فيها أو يسيرها أو يستفيذ منها عنصر أو أكثر من أعضاء الجماعة مهما كانت رمزيتهم أو مكانتهم التنظيمية، تبقى جمعيات مستقلة تماما عن تنظيم الجماعة وليست تابعة لها لا من قريب و لا من بعيد، وهذا اختيار استراتيحي وقناعة لهما ما يبررهما. فالجماعة ولله الحمد لها مؤسساتها الخاصة بها والتابعة لها كما هو مسطر في قوانينها التنظيمية. وقد اختارت الجماعة مبدأ استقلالية الجمعيات عن عملها للأسباب التالية: أولا، لأنها جماعة تحترم نفسها، ثانيا، إيمانا منها بأن الجمعيات لا يصح أن تكون تابعة لأية جهة، ثالثا، من أجل تحرير الطاقات والكفاءات والمبادرات، رابعا، حفاظا على عدم الخلط بين ما هو جمعوي وما هو دعوي أو سياسي، خامسا، انسجاما مع القوانين المنظمة للجمعيات التي لا يد للجماعة فيها، سادسا، رفعا لكل حرج محتمل لدى أي طرف.. إلخ.

العلاقة مع العدل والإحسان تنحصر في العلاقة الطبيعية بأشخاص لهم عضوية في جماعة تهتم بهم في كل مناحي حياتهم وآخرتهم، علاقة الأبناء بأسرهم، لهم حقوق وعليهم واجبات. العلاقة باختصار علاقة تربية وتوجيه وتأطير في سياق المهمة الأساسية للجماعة لتخريج الرجال والنساء الأكفاء لإنجاح المهام التي يتصدون لها داخل المجتمع بما فيها الجمعيات وغيرها.

سؤال:

لماذا يتم في نظركم التضييق على هذه الجمعيات؟

جواب:

الأولى أن يوجه هذا السؤال إلى من يضايق على الجمعيات وهو يعلم أنه مخطئ، أما إن كان لا يعلم فتلك هي الطامة الكبرى. وفي تقديري فالسبب الرئيسي في هذه المشكلة هو الجهل بخطورتها. وقد برهن المخزن للقاصي والداني من كل الفئات وفي كل مدن وقرى المغرب تقريبا بدون استثناء عن جبروته وتجاوزاته التي تحدت المنطق والعرف والقانون، وأقام الحجة على نفسه أنه فوق القانون، وهو بذلك إنما يعبر عن ضعفه وارتباكه وتخبطه. إذن فأي معنى يبقى للقانون؟ وأي اعتبار يبقى للسلطة؟ القوة مع الحق والصواب لا مع المنكر والخطأ. لما فشل النظام المغربي في احتواء الجماعة، لجأ إلى حصارها ظلما وعدوانا ظنا منه أنه سيضعفها، لكن خاب ظنه تماما، فالجماعة لم يزدها الحصار والتضييق بفضل الله إلا قوة وتوسعا. ومع تنامي الجمعيات المحسوبة على الجماعة (بين قوسين) وازدياد شعبيتها، وولوجها لمختلف الخدمات بحرفية وجدية، تضايقت السلطة من هذه الخطوة وقررت أن تضايقها بكل الوسائل ظنا منها أنها امتداد للجماعة ورافد من روافدها يجب محاصرته كذلك. ذنب لا يغتفر.

سؤال:

ما هي في نظركم أهم الخطوات اللازمة لتصحيح هذا الحيف الذي تعيشه الجمعيات؟

جواب:

في نظري هناك أطراف عدة مدعوة للانخراط في جملة الخطوات التصحيحية لأن المشكل لم يعد يقتصر على الجمعيات المحرومة أو الجماعة لوحدها، ولكنه يعني الجميع انتصارا للحق والقانون. الكل مدعو أن يتحمل مسؤولياته من أجل وضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة على أمتنا. لا يجوز أن يقبل أحد بالفوضى حينما لا يطبق القانون. كما لايجوز القبول بمنطق التعليمات للتستر عن التعسف والخرق السافر للقانون. التعليمات مرجع الظالمين المستبدبن. نحن لم نقبل يوما بالظلم الذي لحقنا ولكننا كنا متأنيين في رد الفعل المناسب وكنا دائما نتحاشى التصعيد أملا في أن يتراجع الطرف الآخر ويعود للصواب، ولست أدري إلى متى؟ لا يمكن أن نبقى هكذا إلى الأبد، فنحن بصدد إنضاج رؤية شاملة لصد الظلم الجاثم على صدورنا وفضح المتربصين بحريتنا على جميع الأصعدة. وأذكر هنا بعض النقط المتعلقة بالخطوات دون ترتيب أو تجميع في انتظار تفاصيل الخطة وهي:

– الاقتناع بضرورة العمل من أجل مناهضة الحيف والظلم، عبر المزيد من التوعية والتحسيس.

– توثيق جميع الخروقات كيفما كان حجمها وشكلها.

– التنسيق مع التنظيمات الحقوقية المحلية والوطنية والدولية.

– اتباع المساطر القضائية لاسترجاع كل الحقوق المهضومة رغم اقتناعنا باستقلالية القضاء.

– التواصل مع مكونات المجتمع عبر كل القنوات الممكنة مع التأكيد على القناة الإعلامية.

– تأسيس إطار جمعوي مركزي يضم كل الجمعيات المعنية بالحيف للتصدي للموضوع.

– وضع تقرير مفصل حول جميع الخروقات والجهات التي ارتكبتها.

– مراسلة الوزارات والمؤسسات التي لها علاقة بالموضوع.

– وضع خطة واضحة وبرنامج عمل واقعي للنضال من أجل سلامة العمل الجمعوي من كل حيف أو ظلم أو تضييق تحت شعار: الحرية نضالنا حتى نراها ..