في بلد انفرط عقده، وزمن سمته الجدب والتصحر، وعنوانه التيه، لا غرابة في طبيعة المشاريع المعلنة، والعناوين الكبرى التي تحملها هذه المشاريع، والتي هي بامتياز عناوين استمرار الخلل في التصور والتنزيل، والتي هي نتيجة استمرار للهيمنة والاستبداد. ففي 10/10/2009 تم تقديم مشروع الاستراتيجية من أجل مجتمع المعلومات والاقتصاد الرقمي “المغرب الرقمي”، ورصدت لهذا المشروع اعتمادات مالية قدرت بـ5 ملايير و200 مليون درهم.

“الحكومة الإلكترونية” هو العنوان البارز للمشروع الجديد الذي قامت حكومة المخزن بتسويقه دون الإشارة إلى الشروط الأساسية الحقيقية التي تفترض الحضور كي تتحول هذه المشاريع إلى واقع حقيقي، وليس مجرد شعار يرفع يتباهى به المسؤولون في مناسبات رسمية لا غير.

نتساءل أولا عن ماهية “الحكومة الإلكترونية” لنجد أمامنا سيلا من التعاريف نذكر منها:

في عام 2002 عرفت الأمم المتحدة الحكومة الإلكترونية بأنها استخدام الانترنيت والشبكة العالمية العريضة لتقديم معلومات وخدمات الحكومة للمواطنين) وقدمت منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي في عام 2003 التعريف التالي الحكومة الإلكترونية هي استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال وخصوصا الانترنيت للوصول إلى حكومة أفضل) وأول استخدام لمصطلح “الحكومة الإلكترونية” ورد في خطاب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون عام 1992.

ويمكن الدخول إلى موقع الحكومة الالكترونية الأمريكية الفدرالية www.firstgov.gov ليجد الزائر موقعا يوفر مدخلا على السلطات الثلاث في الدولة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، ومن خلالها تتوفر مداخل كافة المؤسسات والهيئات التابعة لكل سلطة. وبكل سهولة تجد خدمات متكاملة تتم إلكترونيا في حقل الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والأحوال الشخصية وشؤون الهجرة وفي حقل الضرائب والأعمال والاستثمار و… الخ. وهناك إمكانية لتنزيل أي نموذج ورقي حكومي بصورة رقمية على الخط وتعبئته رقميا وإعادة إرساله.

إن بناء الحكومة الالكترونية يعني الأخذ بالحسبان كل ما تمارسه الحكومة في العالم الحقيقي، سواء في علاقتها بالجمهور أو علاقة مؤسساتها بعضها ببعض. إنها بحق إعادة هندسة أو إعادة اختراع للقائم ووضعه في نطاق البيئة الرقمية التفاعلية.

فإنجاز الخدمات للمواطنين بهذه التقنية العالية وهم في مقر سكناهم، أو حيثما كانوا أمر محمود ومطلوب، والشرط الأول أن تكون هناك حكومة فعلية لا صورية، تسهر على مصالح المواطنين، وأن تكون هذه الخدمات موجودة على أرض الواقع، لكن حينما يكون الوضع كالذي نعيشه، والحصول على وثيقة يتطلب رحلة من العناء قد تستمر لعدة شهور، وفي كثير من الأحيان لا تنجز الخدمة إلا بعد دفع الرشوة، فالحديث عن “الحكومة الإلكترونية” حديث استهلاك، وإعطاء صورة وردية عن البلاد، وأننا في قلب التحولات الكبرى التي يعرفها العالم المتقدم.وأن التقارير الدولية التي تصنف البلاد في الرتب الذيلية إنما هي تقارير مغرضة؟؟؟

قال الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي: على مستوى الميدان لا يمكن لوسائل التكنولوجيا، الإعلام والاتصال الجديدة أن تحل المشاكل إلا إذا تم حل هذه الأخيرة على مستوى واقع الحال).

فهل يصح في الأذهان شيء أن يكون في وطننا المنهوك وفي الألفية الثالثة مواطنون يسكنون في الكهوف والمغارات، كقبيلة آيت عبدي الواقعة جنوب إقليم أزيلال، وأن يكون هنا ك أزيد من 11 مليون أمي، وأزيد من 35 في المائة من السكان في فقر مذقع، ورغم كل هذه المعاناة والتخلف والأمية والبطالة وانعدام الخدمات، تجد المخزن يتحدث دون حياء عن “الحكومة الإلكترونية”؟؟؟

أي مغرب رقمي هذا الذي تفتقر فيه مناطق شاسعة لأبسط البنيات التحتية، الطرق، الماء الصالح للشرب، الكهرباء، والخدمات الإنسانية الضرورية، كالصحة والتعليم.

كيف يكون شعور المواطنين الذين لا مأوى لهم، أومن يعيشون في الكهوف ودور الصفيح المنتشرة في ربوع الوطن، أو الذين دأبوا على تقديم فلذات أكبادهم قرابين في كل عام في موسم الثلوج و القاطنين في قمم الأطلس، والمخزن يحدثهم عن الخدمات التي ستنجز والمواطن جالس في عقر داره، يكفي أن يجلس أمام حاسوبه ويلج الشبكة العنكبوتية!!!

إذا كانت الحكومة الإلكترونية في الدول المتقدمة نتيجة طبيعية للتطور العلمي الذي تعيشه هذه الدول، ونتيجة طبيعية لوظيفة تلك الحكومات الساهرة على تقديم كل الخدمات للمواطنين، فالأمر مختلف تماما في وطننا، حيث عالم الأشباه والنظائر والذي تغيب فيه حقائق الأشياء، يكفي أن تكون عندنا صورة الشيء أما الجوهر فلا حاجة لنا به، أليس لدينا انتخابات مشابهة لتلك التي تتم في العالم المتقدم؟ أليس عندنا برلمان مشابه للمجالس النيابية الموجودة في الدولة الديمقراطية؟ أليس عندنا أحزاب ونقابات وجمعيات وصحف شبيهة هي الأخرى بما هو موجود في الضفة الأخرى؟ كل ذلك موجود عندنا ومشابه للأصل في الشكل والصور ولا يختلف عنه إلا في الروح والمعنى، لا ينقصنا شيء من الأشكال والهياكل، ينقصنا شيء واحد فقط هو الديمقراطي!!!

الشعب المسكين في أمس الحاجة إلى بيت يأويه، وخبز يسد جوعه، وعمل للعاطلين يسترجعون به كرامتهم، ورحم الله أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يقسم قائلا: والله لو أن بغلة عثرت بالعراق لخشيت أن يسألني الله لماذا لم تصلح لها الطريق يا عمر؟).

سأل أحد الصحفيين رئيس الوزراء اليمني السابق عن مدى إمكانية تطبيق الحكومة الإلكترونية، فكان جوابه: لقد حاولت جاهدا بناء حكومة ورقية ولم أفلح فكيف بحكومة إلكترونية).