الحمد لله المحمود بآلائه، المعبود في أرضه وسمائه، أفضلَ الحمد وأعلاه، وغايةَ الشكر ومنتهاه، صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعبدِه ورسولِه، وخيرتِه من خلقه وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

أيها الإخوة الكرام، أيتها الأخوات الكريمات:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنه ليوم عظيم وعطاء جزيل أن نتشرف بفُرصة لقائنا القلبي هذا، لعلنا نظفرُ بقَبَس من أنوار مجالسكم، ونستمطرُ صَيِّباً من خالص دعواتكم.

فما أجمل العبارات إن كانت تَعْبَقُ بِشَذَا المحبَّةِ الصادقة.

وما أبهى المجالس إن كانت لوجه الله خالصةً، ولبساط الصحبة ناشرة، وبأرباب القلوب عامرة.

نَعم أيها الأحباب الكرام:

إنها مجالسُ تتباهى بها ملائكةُ الرحمان، وتَحدُوها فيوضات الكريم المنان، فبين يَديها تُقضى حوائج الدِّين والدُّنيا والآخرة، وعبر مَعِينها الفَيّاضِ تتفجر عيونُ المعارف، وتنهمرُ أنهارُ المواهب. فالمواظبُ على ارتياد فَسِيحِ جَنَّاتِهَا مُقرب محظوظ.

أحبابَ الله، ها أنتم:

تَطْرُقون باب الكريم الوهاب بأَنَامِل الاِفتقار وأَكُفِّ الاِضْطِرار فلا جَرَمَ تُفْتَح لَكُمْ أبواب المِنَحِ، وخَزائنُ العطايا أَمَّنْ يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض.

وتَتَفيؤون ظِلال شجرة الصُّحبة المباركة نُصحا لله وأنتم متحابون، متجالسون، متزاورون، فلا رَيْبَ تغشى قلوبَكم الرحمةُ، ونفوسَكم الطمأنينةُ، ويَذْكُرُكم الله في الملأ الأعلى.بمَجْلسكـم حَفَّتْ ملائكة الرَّب *** ويُتـلى اسمُكم بالمدحِ في ملإِ القُرْبِ
أيـا ذاكرين الله فُـزتم وطبتـم *** بِذَا جاءتِ الأخبارُ في مُحْكَمِ الكُُتُبِ
ويـغـشاكُمْ والله رَوْحُ سَكِينَةٍ *** كمـا بَشَّرَ المختار من نَسَبِ العُرْب
عـليه صـلاة الله ثم سـلامـه *** وللآل من تـلك الصلاة وللصَّحْبِ
وتُوَاصلون سَبْح نَهارِ الجهاد بليل التَبَأُّسِ والإخبات، فما بَرِحْتُمْ حتى صِرْتُم شمس ضُحَى هذه الأمة، وبَدْرَ دُجاها لأنكم بِعْتُم نفوسا وشَرَيْتُمْ نفيسا، طلبتم عزيزا وألقيتم خَسيساً إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم.

شِعاركم “اقرأ وارق” ودِثَارُكم “الصحبة مفتاح” وبذلك ظَفَرتُم بالحسنى وزِيادةٍ، وسلَكتُم المحجة اللاحبة التي من تَنَكَّبَ منهجها انقطع مددُه مع الهالكين، وفَتَرَ طلبُه مع الشَّاردين.

فمن صال بصولجان القرآن لم ترد صَوْلَتُه.

ومن حَفِظَ سَطْوَةَ بيانه عَلَتْ على الخصوم حُجَّتُهُ.

ومن نَهَلَ نَمِيرَ علومه عَلَتْ في معالي الإحسان درجته.

فحملةُ القرآن عُرفاءُ أهل الجنة، والمتلَبِّسُونَ بنور الله، من والاهم فقد والى اللهَ، ومن عاداهم فقد عادى الله.

من تمسك بحبل الصحبة المتين كان في مأمن من المزالق، وحِصْنٍ مِنَ المهالك، فهي الوَزَر الأقوى والأوقى لمن تَسَرْبَلَ بِرِدَاءِ عافِيَتِهَا، وتَخَنْدَقَ فِي صَفِّ جندها.

فعن ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن لله عز وجل ضَنَائِنَ من عباده يُغْذِيهم في رحمةٍ، ويُحْيِيهم في عافية، إذا تَوَفَّاهُم تَوَفّاهم إلى جنته، أولئك الذين تَمُرُّ عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها في عافية”.

وهي باب الواصلين، وأساس تَرَقِّي مَعَارِج الدين، وعَمُودُ فُسْطَاطِ اليقينِ، فَلْيَبْكِ على نفسه من تصرَّمَ عُمُرُهُ وليس له منها نصيب، فلا ينبغي لطالب الحق أن يستغرق النهار والليل إلا في غَوْصِ بحارها الزاخرة، أو يَصْرِفَ نفائسَ الأنفاسِ إلا في مُهُورِ أَبْكَارِها الخالدة.

فهنيئا لكم أيها الأحبابُ أَنِ ارْتَشَفتم رحيقها المختوم، وعايَنتم سرها المكتوم فكنتم البرهان والدليل على هذا النور الوهاج الذي عن قريب يعم الآفاق. فاقبلونا سادتنا حِيتَاناً في بحر محبوبيتكم، وعبيدا بين أيدي حضرتكم، فالحُرُّ من استعبَدَهُ حُبُّكم، وتيَّمهُ الشوق إلى لُقياكم فكانت أرواحكم لِوَحْشَتِهِ أُنْسا، وأشباحُكُم لأهله رِفْداً، ودَعَوَاتُكُم لَهُ في وِرْدِ الرَّابِطَةِ سُلوة وحِصْناً.

“قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون”، أي من طاعتهم وأعمالهم.

بارك الله لكم في مجلسكم، ونسأله سبحانه أن يُغْدق عليكم فيه من نِعَمِه الظَّاهِرَةِ والباطنة فإنه قريب مجيب، وأن يجمعنا على محبته ومحبة حبيبه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

اللهم زدنا في والدنا المرشد سيدنا عبد السلام ياسين محبة وَوُدّاً، ولا تجعلنا ممن ينقض له عهدا، آمين.

نسألكم خالص الدعاء وأدومه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إخوتكم الإثنا عشر بالسجن المحلي بوركايز بفاس.

الثلاثاء 6 ربيع الثاني 1425 الموافق لـ26 ماي 2004.