بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وإخوانه.

إخوتَنا المرابطين في سجن فاس، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أيها الأحباب، إنها لمرتبة فضل عظيمة أن يُسعَد إخوة البيضاء برسالتكم هذه المباركة المتخطية لأسوار الظلم وجدران البغي، لتشع على مجالس النصيحة بأنوار زاهية، وحِكم راشدة نابعة من صدور مصفاة من الأكدار ومنقاة من أدناس الغفلات. فزادكم الله تفكرا وحكمة ويقينا &

وحقا إن المؤمن في هذه الجماعة إذا تَمَلَّى فيكم ، ودقَّق النظر في صُروف الملك سبحانه ألفى شآبيبا من النعم منهمرة، وفيوضات ربانية مغدقة على المؤمنين كلهم سواء من كان مرابطا في سجنه، أو من كان مرابطا في ثغره المنوط به، إذ تتحطم الأصفاد وتتكسر القيود، وتتوثق عرى المحبة بين الكل نهلا واغترافا، فلا جدران ولا حيطان بين المؤمنين المرتشفين من عبق الصحبة الأريج، المغترفين من مشكاة الإيمان والتطلع للآخرة استباقا لارتقاء دُرُج الإحسان صعودا وابتغاء لوجه الله عز وجل، واستشرافا للنظر إلى وجهه الكريم سبحانه غدا.

لَكَم فرحنا بسيول حِكمكم المنبعثة من معين تلك القلوب الصافية التي لا تكدرها صروف الزمان أوثقل العقبات أوظلم المستبدين، ولَكم سعدنا حقا بهممكم السامقة وإراداتكم القوية في طلب العلم والصبر على شدائده وراء الجدران، وفي ذلك عون على المرتخي وشعلة للمتكاسل، إذ رجال الصدق إذا عزموا على أمر خَرَّت لهممهم وعثاء الطريق وصعاب المسالك، وانظر إلى ما أحرزوا من شواهد مع قلة زاد الكتب والمصادر، فضلا عن بعد الأساتذة المشرفين لينبئ كل ذلك عن قوة عزم أهل العدل والإحسان واقتحامهم للعقبات وتمرس هؤلاء السادة في العلم واليقين غاية الممارسة، ووصولهم إلى ذروة الفهم الثاقب ورسوخ القدم بإذن الله في الفهم عن الله. فنسأل الله تعالى أن يؤتي خريجي المدرسة اليوسوفية مواصلة العزم، وشق طريق الفهم وأن يهبهم نباهة الملكة وصفاء السريرة وقوة الايقان.أتـانا كتـاب منكـم مبتسـم *** عن كل لفظ ومعنى يشبه الدررا
فكـان لفظكم في لألائه زهَرا *** وكـان معنـاه في أثنـائه ثمرا
تسابقا فأصابا القصد في طلَق *** لله مـن ثمر قد سـابق الزهـرا
أيها الأحباب لن تنسون أبدا، وكيف ينسى من رُكزت راية محبتهم في نفوس أصفياء هذا البلد، وانتظموا في سلك الأخيار الذين تتوجه القلوب في الظلم الحوالك للدعاء معهم في ورد الرابطة. بللتنشرن عظام بعد مـا بليت *** يوم الحساب وفيها ذكركم علََقُأرواحكم مع أرواح إخوتكم مؤتلفة في رحاب الملكوت قبل مجيء الأشباح المكسوة لها، فلا تجد بإذن الله إلا تراصا بديعا لصفنا وودا عميقا بيننا، وإحياء لصور الحب والبذل الذي عرفه الرعيل الأول المصاحب لخير البرية عليه الصلاة والسلام.إن القلـوب لأجنـاد مجندة *** لله في الأرض بـالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف *** ومـا تناكر فهو مختلـف
ونحن أيها الأحباب على أتم وفاق واتفاق بل وتعاهد وميثاق على ألا يرضى المؤمن فينا بأن يبقى قابعا عند المنازل الدنية وهو يرجو الإحسان والمنازل الراقية في الجنة، غير راض أبدا أن يرمق بأم عينيه حملة القرآن يصَّعدون في المرقاة وهو حبيس مكانه متحسرا. ومن تم كان حديثكم عن القرآن بلسما للحاضرين، ومؤججا للإقبال على كتاب الله حفظا وفهما وتدبرا. لأنه الأولى الذي يجب أن تصرف فيه نفائس الأيام، والأعلى الذي يخص بمزيد الاهتمام، فما أجمل حقا التصدي للاقتباس من أنواره البهية تقريرا واستنباطا، والكرع من منهله الروية انتزاعا وانتشاطا. والناس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم بالقرآن، فحق على جند العدل والإحسان بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه نصا واستدلالا، فإنه من أدرك علم أحكامه في كتابه نصا واستنباطا ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِيَّب، ونورت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة، كما قال الشافعي رضي الله عنه، فنحن في نصحكم مستنصحون، ولأبواب همة حفظ القرآن طارقون بإذن الله تعالى الواهب المعطي.أخلق بذي الصبر أن يحضى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجاوأدبا مع طرق أبواب الرحمات واستمطار الفيوضات نرى لزاما أن ينخلع المرء فينا من رعونات نفسه وأدناسها، وأن يتزي بلبوس الذل والانكسار، مع خُلُق جميل، ولين جانب، ورحمة للخَلق، وحضور دائم لمجالس الناصحين لتصفو نفسه وتستنير، وتستمد من الخيط النوراني القادم من المصحوب.

والحمد لله تعالى على هذه المجالس النادرة. مجالس النصح والحب وتقوية الإيمان وتمتين الإيقان.. ولما كانت صحة السلوك رهينة بهذا الاغتراف والاستمداد وما وراءه إلا الخراب والظلم والتيه، كانت هذه المجالس مجالس النصيحة أصلا في سلوكنا وعمادا في انجماعنا على الله، فيها نثارات الذر ونفائس الحكم وتثبيت السلوك وتأجج الهبَّة الإيمانية. ومن تم فالتفريط فيها انفراط لعقد الإيمان وزلزلة لأمل الأمة في هذه الطائفة. إذ لا أمل حقا لها إلا في أبناء الآخرة، ذوي الامتداد الروحي بشجرة الأنبياء والأولياء الممتدة جذورها في أعماق التاريخ.

وهكذا فإننا نسعى بإذنه عز وجل أن نقدر مجالس النصح والنور حق التقدير أدبا ومحبة وتصفية للقصود مما سوى الحق سبحانه، مع استحضار كلي لنعمة الصحبة: النعمة الأصل التي بانتفائها ينعدم السلوك، وينفتح باب الغفلات، إذ كل ما نراه إنما هو ساطع من مطالع أفلاك اصطفائه وتزكيته التي فاضت شآبيبها على الكل ظاهرا وباطنا.إذا لم تر الهلال بليل *** فسلِّم لأناس رأوه بالإبصارنتمنى أيها الأحباب أن نلتقي في غد قريب يزول فيه ليل الظالمين، لتلتقي الأشباح بعد الانفراج والانعتاق من “أسر” الظالمين لتشهد على تلاقي الأرواح قديما.

سيزول بإذنه سبحانه عبث الغافلين وسنفرح بعودة إخوتنا، وآنذاك يُظهِر لهم الإخوة الحاضرون في مجلس النصيحة هذا بطائقَ صدقهم، وبرهان عهودهم مع القرآن ومع مجالس النصح والإيقان. وما ذلك على الله بعزيز. أخوكم رضوان رشدي.