أيها الأحباب الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنه ليوم عظيم في الأرض وفي السماء: يوم الخميس 1 فيه ترفع الأعمال إلى الواحد الديان. وشهر كريم: شهر شعبان يغفل عنه كثير من الناس.

يسرنا أن نجدد فيهما عهد المحبة والوفاء مع رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى دهرا في صفوف جماعتنا المباركة.

ومنهم صاحب الحظ الأوفر في الخشية والسلوك إلى الله.

ومنهم صاحب الغناء في الدعوة والجهاد.

فما بدلنا أيها الأحباب تبديلا بفضل الله وكرمه، ليجزينا الله وإياكم جزاء من استكمل الجمع بين أمر الله الكوني القدري وأمره الشرعي الجهادي.

فالابتلاء سنة من سنن الله في خلقه، قال جل وعلا ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.

والجهاد في سبيل الله والمستضعفين أصل من أصول شرعه، قال تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا.

فما عسانا أن نبلغكم عبر أثير قلوب اجتمعت في الله، وافترقت عليه، من كلمات صادقات ولكن عاجزات، ومن خلجات مبشرات ولكن في الآن مبكيات!؟.

فها هي ذي حصون قد كسرت، وأوكار بغيها قد دكت، ودور علوها قد خسفت، فما كان لها من عاصم من أمر الله، فليس مثوى المستكبرين ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد.

يحصد الله الباطل كأن لم يعلو ويغن بالأمس، ويأخذه على حين غرة، فإذا هو مبلس ممحوق من كل قوة وجاه.

ويرفع الله قواعد الحق ويشيد بنيانه على تقوى من الله ورضوان، فإذا بلواء صرحه غدو خفاقا في أرض العدل وسماء الإحسان، يجلله بهاء الوعد القرآني الإلهي وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا.

ويعلوه سناء البشارة النبوية ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة 2 .

ويحدوه نشيد العدل والإحسان:لله قمنـا بالقسط قمنـا *** قمنا شهودا بالعدل جينا
القسط عدل والعدل دين *** والعـدل أمر الإله فينـا
القسط عدل والعدل دين *** نحن نـلبي إذا نـودينـا
فهنيئا أيها الأحباب الكرام لمن ناصر الحق وأحب أهله، وجاهد في صف حزبه ذليلا على المومنين الصادقين، وعزيزا على المستكبرين الظالمين، فنال درجة المحبين المحبوبين الذين بشرهم الله الواسع العليم بالفضل العظيم.

مفتاح هذه الكنوز الربانية والبشائر المحمدية هو صحبة جامعة خالدة بخلود الآخرة.

ترفعنا من حضيض دوابيتنا الأرضية القاعدة بنا على فراش الذل والهوان إلى علياء روحانية عارف وارث تطير بنا همتها بجناحي الجهاد والمجاهدة إلى سماء العزة بالله وبرسوله ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.

وتنقلنا من وهدة الغفلة عن الله إلى ربوة جنة الذكر والحضور مع الله، ومن التيه في صحاري النفس والهوى والشيطان إلى استوطان مقعد الصدق عند مليك مقتدر.

وتحررنا من رق الجبر وذل العبودية لغير الله فإذا بنسائم الحرية الحقة تلامس القلوب والعقول والأجساد.

فالحرية حرية القلب السليم والنفس المزكاة، والعبودية عبودية القلب المريض والنفس المدساة.

نعم، أحبتنا: الصحبة شفاء لكل هذه الأدواء، ومفتاح لكل هذه الأقفال، ومعراج لبلوغ سدرة الإحسان.

فمن تسربل في ثياب عافيتها، وسلك محجة هدايتها، واستضاء بمصباح نورها فلا جرم له البشرى: في الحياة الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنى وزيادة.

قال تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم.

ولكن أيها الأحباب لهذه الصحبة مطالب وإلا ارتحل عنا لبها وبقي قشرها.

أول هذه المطالب: الكينونة بصدق وفدائية مع المؤمنين في صف جماعة ربانية مجددة لبلى الإيمان، ورافعة لجَور الحكام، بما تعنيه هذه الكينونة من صبر ومصابرة، وبذل ومثابرة، طول نفس ووفور عطاء، فالصحبة والجماعة لا تنفصلان.

كما تطلب منا أن نكون فرسانا في رحاب الدعوة نبلغ الناس إن الدين هو: إسلام وإيمان وإحسان؛ ورهبانا في ليل التبتل والانكسار بين يدي الحنان المنان الذي ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير فينادي: هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له. نطلب منه العون والسداد حتى تكون دعوتنا إحسانا ورحمة إلى الخلق. قال يحيى بن معاذ: على قدر شغلك بالله يشتغل بأمرك الناس). يشتغلون بأمرك، أخانا الحبيب، لأنك أصبحت دليلا على الحق، بخفض جناحك، وفصاحة لسانك، وصدق جنانك، وبيان صفاء قلبك “لئن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم” 3 .

سادتنا:

إن عطاء الله عز وجل لجماعتنا المباركة لا يقدر بمقدار ولا يكال بمكيال، فالتوفيق حليفها، والتمكين لها آت لاريب فيه إن شاء الله، فمن صدق في حبة رجالها، مقبلا غير مدبر، ناصحا أمينا، وفيا غير ناقض لدستور المحبة، فهو في ترق دائم، وحفظ مصون

إخوتنا:

مرت عشر سنوات على اعتقالنا ونحن والحمد لله في عافية في ديننا ومعافاة في دنيانا، وهذا بفضل رداء الصحبة الذي يلفنا ويضع عنا إصر الوحشة والاشتياق، وبفضل ما نشغله من مكانة عزيزة في قلوبكم التقية، ونفوسكم الزكية، فمحبتكم لنا هي سلوتنا ورديفنا في منحة السجن، ودعواتكم لنا هي عاصمنا من سوء القرى الظالم أهلها، فلا تبخلوا عنا بمزيد محبتكم وخالص دعواتكم.

وإنه لذكر لنا ولجماعتنا أن نقضي عقدا من الزمن وراء قضبان البغي والجبر، محتسبين راضين مرضيين، نستشرف بزوغ فجر الخلافة، ونشيع جنازة الباطل وأهله إلى مثواه الأخير.

قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا

معتقلو العدل والإحسان بالسجن المركزي بالقنيطرة

وحرر يومه الخميس 15 شعبان 1422 موافق 1/11/2001

1- صادف هذا اليوم الذكرى العاشرة لاعتقالنا.

2- سورة القرة الآيتان 155-156.

3-

4- سورة هود آية 100.

5- سورة النور آية 53.

6- رواه الإمام أحمد في المسند.

7- عنوان: شذرة رقم 50.

8- سورة المنافقون آية 8.

9- سورة يونس آية 64.

10- رواه البخاري


[1] صادف هذا اليوم الذكرى العاشرة لاعتقالنا.\
[2] رواه الإمام أحمد في المسند.\
[3] رواه البخاري.\