بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله سابغ النعم، ودافع النقم، ونور المستوحشين في الظلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

أحبتنا المرابطين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إلى الذين تلظت أفئدتهم بلظى الشوق لمولاهم، وتقطعت أكبادهم ألما على التفريط في جنب الله، فهرولت قلوبهم على قدمي التوبة والإنابة مسرعة، وطارت أرواحهم بأجنحة العزم والإرادة ملبية أذان الوالد المصحوب والوارث المحبوب، ليشهدوا موائد الإحسان منصوبة، وأبواب القرب مفتوحة، وليحمدوا وليشكروا الله في أيام معدودات مباركات مسنونات على وافر نعمه وسوابق منه وعطائه.

أيها الأحباب الكرام:

لقد بادرتم استواء جواد الفرار إلى الله، وركوب عزائم الهمم السامقة، فنـزعتم أسمال الغفلة عن قلوبكم، وغشاوة الباطل عن بصائركم، فأنتم في رياض الجنة ترتعون، وفي بساتين الأنس تسرحون، وعلى شرفات الإحسان تطلون على الخلق وهم سادرون في غفلاتهم ورحى الشهوات تطويهم طيا، وعجلة الدنيا تسحبهم بخطاطيفها على وجوههم بكما وعميا وصما، فكأنهم لكأس المنية لا يشربون، وإلى ظلمة اللحود لا يساقون، وللأهل والأخدان لا يفارقون.

هيهات! هيهات!

يقول الله عز وجل: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون.

ها أنتم أيها المهاجرون إلى ربكم:

– تتفيؤون ظلال شجرة الصحبة الوارفة عن أيمانكم وشمائلكم حبا في الله وأنتم داخرون.

– وتستروحون روح القرب وريحان مقعد الصدق تحت ظلال سيوف المحبة والشوق. قال الله عز وجل: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم.

– وتقرعون باب الكريم الوهاب بأنامل الذلة والافتقار، شعاركم قوله عز وجل: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد.

– وتدخلون باب اليقظة والأوبة بتهجد وقيام العالمين أولي الألباب، حداؤكم قوله عز وجل: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب.

– وتتنسمون عبير التوبة في استغفار الأسحار طالبين في ورد الرابطة اللحوق بموكب المصطفين الأخيار: الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار.

إنكم أيها الأحباب تلقنون دعاة الدوابية وسدنة الظلم والعمى:

– أن السياحة هي هجران أوطان النفوس والأهوية، وعروج الروح إلى موطنها الأول في عالم الملكوت يوم “ألست بربكم” تجدد العهد والميثاق: “التائبون العابدون الحامدون السائحون…” سورة التوبة: 113.

– وأن الاستجمام الحق هو غوص القلب في أعماق بحر المحبوبية يستنكه درره اليتيمة ويواقيته العجيبة ليكون الرسو في الأخير مع أرباب القلوب في شواطئ الهداية والنعائم القلبية والسعادة الأبدية.

بصنيعكم هذا وتوقان هممكم إلى المعالي صنتم شعار إيمانكم، ودثار إحسانكم من أن تخرقها شهب نافخي كير السياسة، فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا.

أيها الأحباب الكرام:

الرباطات هي بسط للمواهب الربانية، وسحب تنقشع منها بروق الرحمة اللدنية، وأعياد للنفوس الزكية، ومجلاة للقلوب التقية، فيها تقضى حوائج الدين والدنيا والآخرة فيا فرحة من أقبل عليها بتوبة نصوح وقلب سليم، فلا جرم ينال بلغته إلى الدار الباقية، ويطهر مضغته من كدر الفانية. وإنه لعطاء لا ينهل من معينه إلا من كان:

– لكأس الصحبة شاربا

– وبعروة الجماعة مستمسكا

– ولمجالس النصيحة والذكر غاشيا

– ولبرهان صدقه معطيا: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

– ولعتبة الذل والانكسار متوسدا: (رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا).

– ولأرض التوبة مستوطنا (فليس الشأن أن تتوب، ولكن الشأن أن تدوم على توبتك).

فلا تشغلنكم أيها الأحباب النعمة عن المنعم، والعطاء عن المعطي. فقيد النعم، وضامن المزيد وجود الشكر، والشكر قول وعمل: اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور.

-اعملوا آل ياسين شكرا-

وإنها لمنـزلة لا يبلغ شأوها إلا أولوا العزم من الرسل والوراث الكمل، فاللهم اجعلنا معهم في الدينا جهادا وفي الجنة والنظر إلى وجهك الكريم معادا.

أشركونا معكم أيها الأحباب في نية الاعتكاف، وأوفوا لنا كيل الدعاء، وتصدقوا علينا بصالح الأعمال، فـ(الصدقة برهان) إن الله يجزي المتصدقين.

وتقبلوا منا بضاعتنا هاته المجزاة إنا نراك من المحسنين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخوانكم الذين حبسهم العذر -من معتكف السجن المركزي بالقنيطرة-