(قراءة في كتاب الحركة الطلابية الإسلامية للباحث مبارك الموساوي)

مرتكزات تصحيح مسار الحركة الطلابية الإسلامية

للمسار الجديد والمتجدد الذي خطته تجربة العدل والإحسان في العمل الطلابي الإسلامي، صوى ومنارات تعتبر قواعد كلية ومرتكزات جامعة. عليها، وبمعية ما يتفرع عنها من أسس جزئية تفصيلية، تأسس العمق المعنوي والكفاية العلمية والقدرة العملية اللواتي بفضلهن توفرت بواعث الانطلاقة القوية، ومقومات وضوح خط السير، وشروط انتظام الحركة وفاعليتها.

هذه المرتكزات التي انتظمت تجربة فريدة من حيث نتائجها الميدانية، لا يمكن بالمطلق أن تخرج من رحم الوعي الحاد والنظريات المتماسكة والأفكار الجبارة والبرامج الواقعية فقط. بل هي مجرد أضغاث أحلام إن لم تتفاعل فيها بالأساس وفي المقام الأول، إرادة الفرد حامل المشروع، وتطلعات وبواعث حملة الرسالة المنتظمون في كيان جماعي عضوي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. يقول الكاتب: لتنفيذ المشروع لابد من قوتين دافعتين: قوة الإرادة المتحققة بقوة الحافز وسمو الهدف. وقوة التصور المتحققة بوضوحه وشموليته وأصالته وإجرائيته) 1 .

فالفيصل في معادلة اقتحام عقبة الحاضر، وبناء المستقبل، ومن ثم صناعة التاريخ هو الإنسان. وهو حجر الزاوية في بناء التجربة، والحفاظ على مستلزمات انبعاثها الدائم، وتجددها المستمر، لأنها تستمد منه الروح والمعنى. غير أن العنصر الحاسم من ذات الإنسان هي إرادته التي مبعثها القلب، والتي تقف به عند حدود مراتب الطلب والسعي صعودا أو هبوطا. وبواعث الإرادة وحوافزها لا يصنع توهجها أو خمولها، توقدها أو انطفاءها إلا طبيعة التربية. فالتربية تغيير لنفس الإنسان، بعث لإرادته بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالم، وتحرير لعقله ببث روح الإيمان بالغيب. وبالتربية المتكاملة يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله) 2 .

إن كل تجارب تيارات الإسلام الفكري والسياسي والحركي تحوم حول حمى الإنسان ولا تنفذ إلى جوهره ولبه. فالذي يربط في تصوراتها القلوب بعضها ببعض لا يعدو أن يكون صحبة فكرية، وهذه الأخيرة لا تحسن إلا توصيف الإيمان والإحسان وتبليغ معانيه في أحسن الأحوال. وهذا ما جعلها تصوغ شخصية حاملة لرسالة الإسلام على مقاس ناقص مبتور، بقي معها الإنسان رهينة في قبضة الحراك المجتمعي، وأسيرا بين براثن منطق الصراع الأرضي، لما لم يتجدد إيمانه، ولم تتحرر إرادته من ربقة الأنانية والذهنية والعادة المقعدة، فلم تتوفر لديه بذلك أخص المقومات النفسية والدوافع الذاتية التي بها يستطع أن يخترق الكثافة المادية المحيطة به، إذ المؤمن لا تحجبه كثافة العالم وعنف حداثته عن النفاذ إلى تدبر آيات الله في الكون، يقبل مشروع الله في خلقه، ويخرق الفتنة بنظر الإيمان، فتحل السكينة في قلبه) 3 .

أما عند طلبة العدل والإحسان، فنجد تجربتهم انبنت على عمق تربوي كبير يترقى في مراتب الدين ليصل الإسلام بالإيمان ومن ثم بالإحسان. عمق وفره مرشد الجماعة عبر قوة روحانيته، ورعايته التربوية التي أنشأت أجيالا من الدعاة وأفواجا من جند الله المؤمنين المحسنين الذين تحقق لهم الوصال القلبي مع الله تعالى، وسمت إراداتهم لطلب وجه الله الكريم. فكانت صحبة الرباني العارف بالله تعالى سببا في برء القلب من أسقامه، وشحنه ببواعث وحوافز تحرر العقل والإرادة والحركة من أوهاق الكثافة المادية، لتنتج سلوكا إيمانيا إحسانيا لا ترديه عاديات الفكر وخصوم التدافع ومقتضيات الحراك قتيلا. يقول الكاتب: اهتمام الأستاذ عبد السلام ياسين بالحركة الطلابية ليس هو الاهتمام الذي عرف من قبل السياسيين، إذ هو اهتمام رجل تربية ودعوة ومشروع فكري كبير يؤرقه مصيرك أيها الفرد عند الله تعالى يوم لقائه، كما يؤرقه مصير الأمة التاريخي وتفريطها في حمل رسالة الإسلام إلى العالمين. فهو ليس اهتماما سياسويا، بل رعاية تحيط بمجال النصح والتوجيه والإرشاد التربوي الإحساني) 4 .

إذن على مرتكز العمق الإيماني الإحساني، وهو أم المرتكزات الذي يشكل علامة فارقة في قوة النموذج عند طلبة العدل والإحسان، تفرعت مرتكزات أخرى.

1. مرتكز الوعي المرجعي:

لقد وفر “علم المنهاج النبوي” الدعامتين الأساسيتين لحصول الوعي المرجعي لدى جماعة العدل والإحسان، ومن ثم لدى طلبتها في ساحة الجامعة على صورة من الكمال. فقد كان من أهم القضايا التي ركز عليها الأستاذ ياسين حفظه الله في جل مكتوباته ومؤلفاته تأصيلا وتوضيحا، التدقيق في مضمون الرسالة، وتحديد هوية البناء العضوي الحامل لها، المخاطب في كتاب رب العالمين ب “يأيها الذين آمنوا”. وهي قضايا جامعة تأسيسية لم يكن من السهل فك رموزها وتشابكاتها وتعقيداتها، خصوصا وأنها ترزح تحت أثقال تاريخية ونقلية وعقلية وإرادية تراكم بعضها فوق بعض منذ الانكسار التاريخي إلى صدمة الاستعمار.

أولا- الرسالة: العدل والإحسان

تختصر عبارة “العدل والإحسان” مضمون الرسالة المحمولة. وهما مفهومان قرآنيان نبويان جمعا أطراف المنهاج النبوي في نموذجه الأول ويجمعانه في نموذجه الثاني المقبل بإذن الله. قال المفسرون إن أجمع آية في كتاب الله عز وجل هي قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان.

فهي إذن رسالة شمولية، ما دام الإحسان يطلب الخلاص لكل إنسان فرد غدا يوم لقاء الله تعالى، والعدل يطلب الخلاص الجماعي للمجتمع المسلم الواقع تحت كلكل الفتنة المتربصة، كما هو الشأن بالنسبة للإنسانية المعذبة بسياط الجاهلية العنيفة. إذن فرسالة الإسلام إلى الإنسان الفرد رسالة تحرير من كل عبودية لغير الله رب العالمين. ورسالة الإسلام للمجتمع البشري رسالة تحرير من الطاغوت المستعلي في الأرض بغير حق… تحدثوا عن عدل الإسلام وعن رسالة الإسلام في شموليتها. كونوا من المحسنين عملا، من المحسنين طموحا، من المحسنين عبادة وخلقا، ثم احملوا رسالة الإسلام هاتفين بشعار العدل والإحسان) 5 .

بهذه الشمولية وبهذا الوعي الرسالي، يحصل التمايز وتتحقق المفاصلة عن نوعين من أنواع الإسلام التي ورثها في الأمة، وكبدها في المسلمين حركات وأفرادا طوفان العض والجبر المدمر. الإسلام التجزيئي الذي لم يستطع أن يحقق الانبعاث الإسلامي لقصوره عن مقوماته وشروطه الكاملة، ولذلك كانت الغاية الإحسانية وطلبها هو ما يفرقنا عن التنظيمات المعهودة في الدعوات الإسلامية الحالية. والجهاد المنظم هو ما يميزنا عن صوفية الزوايا حيث يفهم الجهاد فهما خاصا وينكر التنظيم) 6 .

ثم الإسلام الفردي الذي لا يمكنه اقتحام عقبة الواقع المعقد. إذ الإسلام الموجود اليوم بين ظهرانينا، فهم جزئي وممارسة جزئية للمنهاج النبوي. ذلك لأن اقتحام العقبة لا يتم بأعمال البر الفردية وحدها. كلا، حتى يدخل العمل الفردي في الجهاد الجماعي للأمة) 7

ثانيا- الهوية: جماعة دعوة إلى الله

لقد كان من تبعات الانشطار في فهم رسالة الإسلام في شموليتها، جراء غياب الفقه المنهاجي الجامع بين مصير الفرد عند الله تعالى ومصير الأمة التاريخي، وبسبب اندثار النموذج الحي في تاريخ المسلمين الجامع لمنهاج السنة الكلي الشورى والعدل والإحسان، أن تشكلت في مختلف الأقطار الإسلامية حركات وتيارات حملت الرسالة في تجزيئيتها، فتأسست بذلك الدعوات المختلفة المشرب والهوية والمتعددة السحنة. ثم زادت قبضة الاستعمار من تشتيت هذه الدعوات مزعا حتى صارت رسالة الإسلام عنوانا للتفرقة وليس قاعدة للوحدة والاعتصام.

وهكذا استجدت في الساحة تنظيمات لإسلام الزهادة والإسلام الفكري والإسلام الحركي والإسلام السياسي والإسلام العقدي… خليط من المسميات والألقاب لا يحمل في جوهره معاني ومقومات “الدعوة إلى الله” التي خص الله بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيرا

فالدعوة إلى الله في مشروع العدل والإحسان هي دعوة إلى الإحسان، وهو الموقف الأعظم للفطرة الإنسانية. رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه… منطلق الإرادة، وحادي المسارعة، وقبلة الرجاء. هذا معنى أن الإسلام دعوة إلى الله… ونحن بهذا فقط نكون قدرا من قدر الله) 8 .

ثم هي دعوة إلى إحلال العدل في الأرض، لأنه الوسيلة العظمى التي تحقق للفرد والمجتمع الاستقرار والأمن والكفاية كي يتفرغ لعبادة الله. الدعوة إلى الله أول كل شيء نداء بالرجعة إلى الله عز وجل، والسلوك إليه، وتحقيق العبودية له. ثم هي معارضة للباطل حتى تنقض بناءه، ثم هي المسؤولة يوما ما عن مسك زمام الأمور) 9 .

هذه الشمولية لا تنفي الأهداف والمقاصد الفكرية الحركية السياسية. بل تأخذ موقعها المناسب في سلم للأولويات والمراتب واضح ومضبوط، يخدم فيه الهدف الإسلامي المقصد الإيماني، ثم يكونان جميعا مطية إلى الغاية الإحسانية. وبهذا فالدعوة الكاملة تنظيم لجهاد المسلمين بقيادة النخبة الإيمانية الإحسانية، على مراتب الأهداف والمقاصد والغايات. وإن إسلام من يقفون عند الهدف قانعين بإبداء تفوق الشريعة ونظامها الإلهي على أنظمة الوضع لإسلام مبتور. مبتور لأنه لا يحدث الإنسان عن كماله وعن رضا ربه ليجعل منه عضوا في الجماعة حرا ينشد الشهادة في سبيل الله) 10 .

أما غيرها من الدعوات السالفة الذكر فهي دعوة مبتورة. يقول الأستاذ ياسين: الإسلام الفكري إسلام مبتور، وإن ذكر الله وصحبة أهل الله هي المنهاج إن أقامها العلم على منهاج الجهاد والدعوة على بصيرة) 11 . ورسالتها التي تحملها إلى العالمين هي كذلك خداج. يقول الأستاذ ياسين: الإسلام السياسي الذي يسود في فكرنا الإسلامي المعاصر، أي هذه الدعوة التي تتحدث عن الأرض وخلافة الإنسان فيها وتحجم عن التحدث بالإيمان بالغيب… هذا الإسلام السياسي ليس هو الرسالة كما جاءت وكما يجب أن نحملها) 12 .

وعلى هذا الأساس فقد جنى كثير من العاملين في حقل الدعوة لما ظنوا ظنا فظيعا أن الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الفكر الإسلامي في هذا المجال أو ذاك. وجنى آخرون جناية لا تقل عن سابقتها لما ظنوا أن الدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى أحكام الشريعة وحدودها وكفى. هاتان الجنايتان أربكتا الواقع الإسلامي أيما إرباك؛ فاضطربت الحركة الإسلامية لما عبأت الشباب والرجال والنساء على قاعدة الفكرة الإسلامية في السياسية أو الاقتصاد أو الثقافة أو الحراب. أو على قاعدة فهم معين للعقيدة الإسلامية أو على قاعدة ربط الناس بالحدود لا برب الحدود، وهذا ليس هو حقيقة الدعوة إلى الله جل جلاله) 13

2. مرتكز الوعي الحركي:

من أعظم خاصيات المنهاج النبوي كونه آلة للعلم ومرشدا للعمل في الآن نفسه، فهو بقدر ما يعطي الأداة الفكرية والنظرية البنائية، يعطي كذلك منهاجا للعمل وتصورا للحركية في زمن الفتنة. فلا معنى للمنهاج النبوي إن لم يكن التغيير هدفه ومقصده وغايته.

هذا التأسيس للوعي الحركي على قاعدة الوضوح التام الذي وفره الوعي المرجعي، هو ما سيجعل تجربة طلبة العدل والإحسان في الساحة الطلابية تصنع حركية ميدانية قائمة على التدقيق في البعدين الرسالي والهوياتي لمشروعها. فالإلمام بالمضمون الحقيقي لحركيتهما، والاجتهاد في تنزيل أبعادهما على أرض الواقع، هو ما سيدفع إلى اعتماد مرتكزات حركية تفتل في حبل الوعي المرجعي ولا تنسج على غير منواله. هذا الوعي الحركي سيدقق بالأساس في طبيعة المهمة المتواصلة والوظيفة الدائمة في الميدان.

أولا- المهمة: الدعوة إلى الله

آفة الفهم التسطيحي لمعنى الدعوة إلى الله، أنه لا يقدر على ضبط اختلال ميزان الأولويات في علاقة القلب بالعقل، وفي كون الهدف الإسلامي خادما للغاية الإحسانية. وهذا ما جعل قيادات العمل الإسلامي، باعتبارهم رعاة القضية الطلابية يتعاملون مع الحركة الطلابية على أنها جناح شبيبي يسهم في تحقيق النفوذ السياسي والتوسع الحركي.

وهذا لأن الفكرة الإسلامية كانت هي مدار الدعوة عند هذه الحركات. وبهذا كان عرضها للإسلام في الواقع عرضا مبتورا، لأن المنطلق والمبتغى وحادي الإرادة هو تنوير العقول وإشاعة الفكرة الإسلامية. وكل عمل مفصول عن العمق الإيماني الإحساني لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تضخم في الحركية السياسية على حساب المعاني الدعوية الإيمانية القلبية.

وقد كان أبرز تجل لهذه الحقيقة في تجربة “الاتحاد العام التونسي للطلبة” الذي خاض معركة ثقافية ضد الفكر اليساري مكنت من انتشار الفكرة الإسلامية وصنعت إشعاعا إسلاميا في الوسط الطلابي، لكنها لم تصنع الإيمان في القلوب ولم تبن القضية على أرض الواقع) 14 .

بمقابل هذا تبرز تجربة طلبة العدل والإحسان منتصبة على قوائم الدعوة إلى الله المنظمة داخل الجامعة، إذ تحمله تعريفا وتتمثله سلوكا. وهذا هو الذي جعل من الواجهة الدعوية أو الخط الدعوي الخيط الناظم والجامع لباقي الخطوط الثقافية والنضالية… كلها روافد تصب في نهر الدعوة إلى الله. فبالنسبة لهم عمق القضية الطلابية ينبغي أن يكون هو الانجماع على الله وطلب تحقيق عبوديته وحده لا شريك له، وفي هذا السياق يأتي التحرك وفق وعي سياسي ونقابي لتحقيق المطالب والدفاع عن المكتسبات) 15 .

لذلك إن كان خطاب الإسلام الفكري يطرح على الطالب (الإنسان) في المقام الأول إكراهات الحراك السياسي، كما يؤرقه بالدرجة الأولى إنجاز تفاصيل ومهام الحركة الطلابية في ميدان التدافع النضالي، فإن الدعوة إلى الله تهتم أساسا بأسئلة الوجود عند الطالب، وإن كانت تسعى بقوة إلى إنجاز مقتضيات العمل النضالي فإنما باعتباره وسيلة لتبليغ الدعوة إلى الله ومطية للإخبار بالنبأ العظيم. فالسؤال الوجودي مغروسة بذرته في الفطر الإنسانية. تعهد رسل الله تلك البذور بكلمة الحق وبشرى أن الإنسان ما هو دابة سائمة هائمة. فعل ذلك رسل الله وأنبياء الله عليهم السلام. وشرف المؤمن والمؤمنة في أزماننا هذه الغريقة في جاهليتها وجهلها بالله والمعاد أن يتعهدا البذرة الدفينة في كل فرد فرد بالدعوة الحكيمة والرفق الحاني والمحبة والإيناس… أولئك رجال الدعوة ونساء الدعوة) 16

ثانيا- الوظيفة: التربية على “العدل والإحسان”

على ضوء المهمة الرئيسية للحركة الطلابية تتحدد الوظيفة الكبرى. فعلى هذا المستوى من التدقيق الحركي نجد أن النموذجين يختلفان اختلافا جذريا، حيث أن الوظيفة السياسية النقابية هي المهيمنة والطاغية على كل تجارب الحركة الطلابية الإسلامية، بينما تتفرد تجربة طلبة العدل والإحسان بشمولية التربية على معاني العدل والإحسان. والتربية الإيمانية الإحسانية شيء آخر غير التدريب الفكري، غير التدريب الحركي، غير التعليم السطحي، غير التنشيط الجماعي) 17 .

وإذا كانت الوظيفة السياسية النقابية تخاطب العقل وتربي فيه الوعي السياسي، لتجعل منه مركز الاهتمام والآخذ بزمام الأمور، فإن الوظيفة التربوية الإحسانية تجعل تربية الإيمان في القلوب جوهر العملية، وبالتالي تكون حالة القلب هي الباعث على الحركة ومناط التنفيذ وحادي الإرادة. يقول الأستاذ ياسين: انطفأت فلانة وانطفأ فلان لأن صحوتهما لم تكن إلا هبة نائم عاد إلى سبات القلب ونومة العمر بعد اضطراب وصراخ في ساحة الجامعة. ما تيقظ القلب وما عزم وما أراد. ما دخل في القلب الإيمان. ما ارتوى ذلك العطش إلى الحق الكامن في الفطر السليمة بسقيا حب الله. ما حيي القلب بهمة طامحة إلى الله وإلى ما عند الله صابرة مثابرة. كان وعيا سياسيا نقابيا شبابيا فكريا. كان نشوة في ترديد الشعارات الهادرة) 18 .

هذا التمايز الجوهري بين التجربتين على مستوى مضمون الوظيفة ينتج عنه تمايز على مستوى الاهتمام بمصير الطالب (الإنسان). فحين تنظر إحداهما إلى مصيره بعين الصراع الأرضي فقط، تسعى بالطالب نحو تحقيق المطامح الأرضية من ديمقراطية وعدل وتغيير ومكتسبات نقابية… تنظر الأخرى بعين الامتداد العدلي الذي يبدأه ويتوسطه ويختتمه الأفق الإحساني. وبذلك تضيف إلى هذه المطامح السياسية النبيلة، بل هذه المطامح تضاف، إلى السعي نحو المصير الفردي عند الله تعالى وطلب مرضاته.

ولهذا يؤكد الأستاذ ياسين على الحركة الإسلامية أنه: ينبغي أن لا ينسي الوزن السياسي والوظيفة السياسية النقابية، الواجب على الجماعات الإسلامية الاضطلاع بها، وظيفتها الكبرى: ألا وهي تنشئة أجيال صادقة صلبة تخضع لشرع الله، وتعبد الله وحده لا شريك له، وتجاهد في سبيل الله لتكون في الأرض كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا أو نافقوا واستكبروا في الأرض وظلموا هي السفلى) 19 . لأنه ماذا يجديني إن ناضلت من أجل قضية إنسانية شريفة وأضعت مصيري الأخروي) 20 .


[1] كتاب الحركة الطلابية الإسلامية”ص 43.\
[2] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام غدا” ص 600.\
[3] المصدر نفسه ص 122.\
[4] كتاب الحركة الطلابية الإسلامية” ص 38.\
[5] الأستاذ عبد السلام ياسين، “رسالة إلى الطالب والطالبة” ص 62-63.\
[6] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام غدا” ص 810.\
[7] المصدر نفسه ص 32.\
[8] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “المنهاج النبوي” ص 8.\
[9] المصدر نفسه ص 201.\
[10] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام غدا” ص 810.\
[11] المصدر نفسه ص 457.\
[12] كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” ص 64.\
[13] مبارك الموساوي، كتاب “في فقه الدعوة إلى الله” ص 2.\
[14] مبارك الموساوي، كتاب “الحركة الطلابية الإسلامية” ص 27.\
[15] المصدر نفسه ص 33.\
[16] الأستاذ عبد السلام ياسين، “رسالة إلى الطالب والطالبة” ص 33.\
[17] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “المنهاج النبوي” ص 384.\
[18] “رسالة إلى الطالب والطالبة” ص 19.\
[19] المصدر نفسه ص 15.\
[20] المصدر نفسه ص 13.\