لقد أظلمت البلاد بجور المخزن وسياسته العمياء التي لا تفرق بين الحق والباطل، ولا تعير لحرمة الإنسان وكرامته اعتبارا.

مخزن مارق يعيث في الأرض والعباد فسادا واعتداء، ويتلظى بناره كل من يحمل في قلبه غيرة على بلاده، أو رغبة ملحة لخدمة شعبه. يحاصر ويعذب ويسجن بغير حق، ويسفك الدماء ويضرب الرقاب. مما ينذر، كما يقول ابن خلدون، بذهاب الدولة من أصلها ومجيء دولة أخرى ترفع ما حل بنا والناس من اعتداء. “فوبال الظلم عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله”. فالعدل هو الذي يضمن بقاء الدول والأمم ورقيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت”.

لقد عم الظلم البلاد والعباد، واتخذ صورا شتى، وشمل جميع الأصعدة. ومن هذه الصور التي تعد جزءا وصفحة من الصفحات السوداء التي يزخر بها سجل المخزن وتراثه وجودنا، نحن طلبة العدل والإحسان، وراء القضبان منذ أزيد من عقد من الزمن على إثر محاكمة صورية، هي أقرب إلى المسرحية منها إلى محاكمة عادلة، كان فيها المخزن الخصم والحكم. فهو الذي أصدر تعليماته باعتقالنا وإفناء زهرة شبابنا داخل أقبية الزنازن، بل أداننا وأصدر علينا حكمه بالسجن في وسائل الإعلام – القناة الأولى – ونحن ما نزال بين مخالب الشرطة القضائية ولم تنظر المحكمة في ملفاتنا بعد. وهو ما يعد خرقا واضحا لمبدأ قرينة البراءة المنصوص عليها في القانون المغربي نفسه، وفي المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب خاصة المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فكل شخص مشتبه فيه أو متابع تفترض براءته ما دامت إدانته غير مقررة بمقتضى حكم نهائي. “وكل مساس ببراءته المفترضة محرم ومعاقب عليه بمقتضى القانون”.

محاكمة هزلية واكبتها انتهاكات خطيرة على جميع المستويات، مستوى الضمانات القانونية والحقوق وشروط المحاكمة العادلة، حيث شابتها خروقات عديدة وهي مشهورة، ويمكن الرجوع في هذا الشأن إلى ملف أعدته الهيئة الحقوقية للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان تحت شعار أو عنوان أطلقوا سراحهم، فقد تضمن هذه الخروقات بتفصيل.

فالمسطرة السليمة كانت تقتضي أن ينطلق المحققون من الأدلة لمباشرة اعتقال المعنيين بدل اعتماد سياسة الاعتقال العشوائي التي استهدفتنا بعد اختطافنا من بيوتنا واقتحامها بالقوة وتكسير أبوابها الخ. فأضحينا متهمين بدون حجج، ومطالبين بإثبات براءتنا. وأصبح التحقيق الذي يقصد به جمع المزيد من المعلومات والأدلة وسيلة لضمان الحصول على اعتراف. مما يعد خرقا سافرا لكل المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ومنها المبادئ المحددة في المواد 7 و8 و13 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان -1997-.

وهكذا حكم علينا دون أي دليل أو وسيلة من وسائل الإثبات القانونية. فالمحكمة استندت إلى ما ورد في محاضر البحث التمهيدي أمام الشرطة القضائية من تهم ملفقة. محاضر مزورة ووقعت -أرغمنا على الإبصام عليها- تحت الإكراه والتعذيب الذي كان أثره باديا على أجسادنا حين مثولنا أمام قاضي التحقيق وقضاة الحكم. وبدل أن تكون المحكمة حصنا ضد انتهاكات الشرطة وتسعى لمعاقبة الجناة على ما صدر منهم من اعتداء، أصرت على أن تتستر على التعذيب الذي طالنا برفضها عرضنا على الخبرة الطبية التي طالب بها دفاعنا لخوفها من اكتشاف الخروقات وبطلان المحاضر في إخلال واضح منها بشروط وضمانات الحق في المحاكمة العادلة. وهو ما يخالف ما ذهبت إليه الهيآت الدولية لحقوق الإنسان التي تعد الفحص الطبي ضمانة ضد التعذيب، بل تشدد على فحص المتهمين من جانب طبيب مستقل حالما يتم إلقاء القبض عليهم بعد كل فترة استجواب، وقبل أن يمثلوا أمام قاضي التحقيق أو يطلق سراحهم).

هذه المحاضر هي من الناحية القانونية وثائق مكتوبة يحررها ضباط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامهم، ويضمنونها ما عاينوه وتلقوه من تصريحات أو ما قاموا به من عمليات ترجع لاختصاصاتهم. وتنص المادة 293 من قانون المسطرة الجنائية المعدل على عدم الاعتداد بهذه المحاضر متى انتزع ما ورد فيها من اعترافات وأقوال بالعنف والإكراه. وورد أيضا عن لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة عدة توصيات تمنع استخدام أي تصريح صدر تحت التعذيب كدليل خلال أي إجراء قضائي. فقد جاء في المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب “تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة التعذيب كدليل في أية إجراءات إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال”، وإذا كانت المادة 15 لا تشير إلا إلى التعذيب فقط فإن المادة 12 من إعلان مناهضة التعذيب تمنع استخدام الأقوال التي يتم الإدلاء بها نتيجة سوء معاملة بخلاف التعذيب).

وبغض النظر عن التعذيب الذي قد يصاحب تحرير هذه المحاضر، فهي مجرد بيانات يستأنس بها أمام الغرفة الجنائية، ولا يجوز الاعتماد عليها لوحدها لإدانة المتهم. هذا إذا افترضنا أن الاعترافات المتضمنة في المحاضر انتزعت تحت التعذيب. أما إن كانت من صنع وتلفيق التعليمات السامية كما في حالتنا فتلك جريمة إضافية.

ورغم هذه النصوص التي تحرم اعتماد هذه المحاضر، وتعد ما يبنى عليها من أحكام باطلة وتعسفية فإن التعليمات المخزنية كانت فوق القانون، وأبت إلا أن ترتكب في حقنا جريمة إنسانية إذ تعاملت معنا بسبب نشاطنا وقناعاتنا وانتمائنا للعدل والإحسان على أساس أننا أعداء نستحق الإبادة، وهو ما جسدته تلك الأحكام القاسية التي أصدرتها المحكمة المخزنية في حق أزيد من ستين طالبا، والتي بلغت في مجموعها أزيد من ثلاثة قرون سجنا نافذا، وغرامات مالية تقدر بالملايين، وخمسة أحكام بالمؤبد غيابيا. وكان نصيبنا نحن الإثني عشر عشرين سنة لكل واحد منا.

وتشاء الأقدار أن يعتقل أحد الإخوة المحكوم عليهم غيابيا بالمؤبد، والمتابع بنفس التهم الجنائية التي توبعنا بها، سنة 2002 لتبرأ ذمته من جميع ما نسب إليه من تهم باطلة، ويتأكد للجميع أن اعتقالنا لم يستند على أي أساس قانوني بقدر ما أملته التعليمات، وتحكمت فيه الظروف التي أحاطت بالمحاكمة وسياقها السياسي.

أصدرت إذن المحكمة باسم التعليمات المخزنية السامية حكمها الجائر على طلبة العدل والإحسان دون أي اعتبار لأسس القضاء العادل والنزيه، أو خوف من الوعيد الذي ورد في نصوص شرعية كثيرة منها ما رواه الشيخان مرفوعا: “إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته”.

وإني لأتعجب كيف يطاوع هؤلاء القضاة أنفسهم الأمارة بالسوء ة ويسمح لهم ضميرهم بمسايرة تعليمات ظالمة تعسفية ضدا على القانون. كيف نسوا العاقبة الوخيمة للظلم اليوم وغدا يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “إني أخاف على أمتي بعدي أعمالا ثلاثة: زلة عالم، وحكم جائر، وهوى متبع”.

وقد جرت العادة أن يحكم القضاة في القضايا السياسية بما يمليه عليهم مندوب المخابرات، فليس هناك قضاء مستقل في دولة المخزن.

قيل لي أن القاضي الذي نطق بالحكم الجائر في حقنا انتقل إلى جوار ربه، كما أن أصحاب التعليمات النافذة غادروا هذه الدنيا، فمنهم من وضع في القبور، ومنهم من يصارع الأمراض ووحشة الغربة. ولن يجدوا أمامهم سوى ما سطرته أيديهم.أما نحن فقد رفعنا قضيتنا إلى المحكمة العليا، إلى الحكم العدل الذي سينصفنا. فالله تعالى سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم. وقال تعالى: وقد خاب من حمل ظلما. وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول في خطبته: أين الوضاء الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ؟ قد تضعضع بهم الدهر، وأصبحوا في ظلمات القبور، الوحا الوحا النجاة النجاة.

ونحن رغم ما أصابنا من أذى على أيدي هؤلاء نقول لهم أن العدل والإحسان التي حاصرتموها واعتديتم على رجالها ورموزها قد علمتنا أن نعفو عمن ظلمنا، وأن ندعو للجميع بالمغفرة والرحمة. ورجاؤنا أن تكونوا أنتم الأموات و المذلولون رموز العهد القديم عبرة للأحياء ورموز “العهد الجديد”.

ويؤسفني أن يقال أن الحكم الجائر الصادر في حقنا ينتسب إلى العهد القديم الذي أدانه “العهد الجديد”، ذلك أن استمرار احتجازنا في الوقت الراهن دون وجه حق يؤكد أن دولة المخزن التي تتغنى بحقوق الإنسان لم تستفد من الماضي الأليم، وما زالت سائرة في نفس الطريق المظلم الذي ينعت بسنوات الجمر والرصاص.

أيجوز في القرن الواحد والعشرين أن نتاجر بحريات الناس، ويحتفظ بنا كرهائن للضغط على جماعة العدل والإحسان، التي نعتز بانتمائنا إليها، قصد مساومتها على مبادئها وابتزازها. أسلوب يليق بالعصابات الإجرامية المنظمة أكثر مما يليق بدولة تدعي احترام حقوق الإنسان.

لا أزال أتذكر أنه حين نطق القاضي بالحكم الجائر في حقنا، في الرابعة صباحا يوم 10/01/1992، رددنا نشيدا يؤكد عزمنا على مواصلة الطريق رغم السجون والمحن. رددناه جماعة وبأعلى صوت ” أقسمت وإني منتظر أن الإسلام غدا سينتصر…”.وها نحن اليوم وبعد أربعة عشر عاما من الظلم والاعتقال التعسفي والاحتجاز في سجون الذل والعار وما واكبه من ابتلاءات ومعاناة، وصمود وتضحية، نأبى إلا أن نردد نفس النشيد والشعار لنرسخ في ذهن دولة المخزن أن العدل والإحسان بما هي كلمة حرة وفكرة نبيلة لا تقاوم بالحصار والاعتداء والسجون. بل هي أصلا لا تقاوم تعتنقها القلوب والعقول على حد سواء، وكان الأولى أن يفسح لها المجال لتسهم في بناء الإنسان، وصناعة الحياة والتاريخ.العدل والإحسان بما هي مشعل ينير الطريق، ويحمل آمال الأمة لا يقاومه إلا غارق في ظلمات جهله، أو جاحد معاند يخشى أن يكشفه النور فتفضح ترهاته ويضمحل.

وأخيرا يسرني أن أهمس في أذن الظالمين من قضاتنا، وكل سدنة المخزن وحماته بأن الله قد هيأ دارين: دار جزاء للمحسنين، ودار عقاب للمخالفين والعصاة والظالمين. ولا سبيل إلى النجاة من عقاب الله وعذابه إلا بتقديم طاعة الله ورسوله المبنية على العدل على طاعة التعليمات المخزنية المؤسسة على البطش والظلم. فاتقوا الله في عباد الله، اتقوا دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب. روى الإمام أحمد مرفوعا: يقول الله عز وجل لدعوة المظلوم وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين.اسمعوا واعتبروا بما ذكر الله الظالمين ووعيدهم، قال تعالى: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وقال أيضا: لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الظلم لعظم حرمته فقال: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”

رجاؤنا أن ننعم يوما، ولا إخاله بعيدا، بقضاء مستقل نزيه، فوق التعليمات، يستوي أمامه الحاكم والمحكوم. ولا يخشى في الله لومة لائم. يسمع أمر الله ونداءه فيلبيه. قال تعالى: إن الله يامركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. وقال أيضا: إن الله يامر بالعدل والإحسان. وجاء في الأثر: “عدل يوم كعبادة أربعين سنة”.

ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين.

المعتقل السياسي مصطفى حسيني

-أحد معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر-

حرر بسجن بوركايز بفاس.