يخلد العالم اليوم العالمي للفقر الذي يحل ببلادنا والفقر في أوجه.. وهي مناسبة للتذكير بمواقف العدل والإحسان التي جسدتها رسائل الجماعة…

مقتطفات من “مذكرة إلى من يهمه الأمر”

* إحصائيات تنذر بالإفلاس

هاكم ثمرات هذا المنهج البديع، منهج التحكم الاستبدادي:

تصنف إحصائيات الأمم المتحدة الدول حسب مؤشر نموها البشري، ويقبع المغرب في المرتبة 125 متخلفا عن جيرانه -خاصة تونس والجزائر- الذين يسبقونه بعدة مراحل. إنجاز رائع ونتائج باهرة!

10 ملايين مغربي يعيشون فقرا مدقعا بأقل من عشرة دراهم يوميا.

ثلاثة أرباع المغاربة العاملين لا يحصلون على الحد الأدنى من الأجور بالمغرب أي 1660 درهم في الشهر.

أصبحت أحياء الصفيح مسكنا طبيعيا لعدد كبير من المغاربة يتضاعف بسرعة.

في المغرب تتفاوت الأجور ما بين 1 و1000 (بثلاثة أصفار) بينما لا يبلغ بل يقل أحيانا هذا التفاوت عن نسبة 1 إلى 10 في أوربا.

23 % من الشبان المغاربة غارقون في مستنقع البطالة. شبيبة تتخدر لتنسى أو “تَحْرِكُ” هربا من البؤس الجاثم. لمن لا يعرف العامية المغربية، “تَحْرِكُ” أي تفر من البلد مُبْحرة نحو لهيب الألم أو قَرِّ الموت.

أكثر من 100.000 متخرج من التعليم العالي (أطباء، مهندسون، أساتذة، تقنيون متخصصون) يجترون يأسهم في مقاهي أحيائهم أو يتظاهرون في شوارع العاصمة.

53 % من المغاربة (وهو الرقم المعترف به رسميا) أميون تسوقهم الدعاية الرسمية أو المزايدة الحزبية بكل سهولة: ففي بلادنا يتواطأ بؤس الناخبين وخبث المنتخبين يمالئهما فساد الإدارة البوليسية على تحويل انتخاباتنا إلى مسخرة مأساوية.

* بين سندان الرشوة ومطرقة العولمة

أزكمت رائحة الفساد كل الأنوف الحية بعد أن أصبحت الرشوة منهج حياة. فالكل يمد يده، ابتداء من العون الواقف عند أسفل درجة في السلم الإداري، وانتهاء بالسادة المتربعين على قمة الهرم، كل حسب تعريفته، بدءا من الورقة الحمراء إلى الظرف المكتنز. أما الشيك المحول إلى رصيد في البنك السويسري، فهو وسيلة الأداء النظيفة لمن علا في سلم السلطة.

لا عجب إذن أن يتوجس المستثمرون الأجانب إذا ما خاطروا بأموالهم في بلادنا، خاصة بعد أن صارت بذكر جهازنا القضائي الركبان: فعلى أبواب المحاكم، يَعقد وسطاء السوء صفقات بيع الذمم، ويتفاوضون بالنيابة حول الحكم الذي يرضي الزبون… كأنهم يبيعون ماشية في السوق.

فإذا ما أضفنا إلى كل العلل التي تنخر كيان إدارتنا البطءَ المكتبي، ومماطلة المسؤول الذي لا يمكن أن يتحرك إلا بعد أن “تدهن” يده “دهناً” معتبراً، فإننا ندرك سبب إعراض المستثمر -الضروري لاقتصادنا- عن بلدنا.

إنها مسالة حياة أو موت. فالأمر يتعلق بتشجيع إقلاع اقتصادي يضمن لنا حضورا تنافسيا في السوق العالمية. فكيف إذا يمكننا تحقيق ذلك ومؤسساتنا وجهازنا القضائي وإدارتنا في أوضاع مخزية؟ كيف نقنع الأجانب بالاستثمار في بلدنا والإجراء الإداري البسيط يقتضي شهورا أو سنوات؟ فإذا كانت عملية التوقيع على ملفك لا تستغرق سوى ثلاث أو أربع ساعات في أوربا الغربية، ففي بلدنا عليك أن توطن نفسك على الصبر والانتظار بحكمة إلى أن يرضى الوسيط المقرب من الدوائر العليا عن حصته من أسهم شركتك، أو تصحو من غفلتك وتفيق من مثاليتك. لكي تستثمر في المغرب، عليك أن تحترم “قانون القهيوة” من أَسفل السلم الإداري إلى أعلاه، عليك أن تحدد اختيارك الإداري من الأول: “القهيوة” أو القيام برحلات ماراطونية بين هذا المكتب وذاك، بين هذه المصلحة وتلك دون أن تكون متأكدا من النتيجة!

* … والمخدرات

كيف نجابه عولمة تدق على الأبواب -إن لم تكن قد جاوزت العتبة- بشباب تعبث به المخدرات؟ هذا ملف ساخن ينبغي أن لا نتجاهله.

إن الحديث عن المخدرات في المغرب شائك: إنها سرطان متجذر لا أمل في استئصاله مادام النظام فاسدا، ومادام جشع أباطرة المخدرات مستفحلا، ومادام فلاح الأقاليم الشمالية معتمدا على زراعة القنب الهندي. هذه العوامل تكرس إنتاج هذه البضاعة وتسويقها، فتتسع دائرة المقبلين عليها في بلدنا. لطالما أدانت وسائل الإعلام الأوربية المشاركة المخزنية لشخصيات مقربة جدا من النظام في تجارة المخدرات، ولا عجب !

هنا أنقل معطيات وإحصاءات استقيتها من الإعلام الغربي مضطرا. فما دامت “الشفافية” قد جفَت ديارنا، فلا محيص لنا من الإصغاء إلى ما يقوله عنا الآخرون، لا مناص لنا من طلب الخبر من الأمم الحُرَّة المدركة لخبايا الأمور. إذ كيف السبيل إلى التحقق من الخبر والأفواه مكممة والآلة الدعائية الرسمية تروج الأكاذيب ليل نهار؟

لكن لِمَ الاستشهاد بالصحف والإصدارات الأجنبية التي لم تكن أبدا لطيفة مع الملك الراحل ؟ إن الأحداث التي تنقلها هيئات جادة تبتعد عن الارتزاق والذيلية في هذا الصدد تثير الاشمئزاز. غير أني بنقلي هذه المعطيات والإحصاءات لا أريد أن ألقي بالأرقام المخزية فريسة تنهشها الألسنة الفارغة. فقد أفضى الأموات إلى من سيحاسبهم، وبقي الأحياء يتجرعون جيلا بعد جيل مرارة الكأس التي سقاهم إياها أسلافهم.

يجب أن يعرف الشعبُ المضروبة عليه أسوار التعتيم والتجهيل حقيقة ما يجري. يجب أن يعرف حتى ينحسم كل حبل يعلق قلبَه بحكم الجبر. يجب أن يعلم الشعب ويدرك مدى فظاعة جرائم الحكم المتسلط ليلفظ الطواغيت ويتسلح بتعاليم الإسلام المقدسة ليتحرر من نيرهم.

حذرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم من حكام العض، ولفظ “العاض” يعبر جيدا عن منهج الجبر في الحكم.

ونحن حين ننقل “المنجزات” المخزية لحكامنا ونصوغها بالتعابير الحادة والألوان القاتمة لا نثأر لمظلمة أصابتنا منهم. القلوب المرتعدة والهمم الخسيسة هي التي تتكالب على الأجساد الباردة. نحن نعتبر بما صار إليه الأموات، ونستنكف أن ننهش لحومهم، لكن لابد أن ننقب عن الحقيقة ونصدع بها. فلا نامت أعين الجبناء!

* حقائق مرة

علينا أن نعرض الحقيقة على النفوس الأصيلة، الحقيقة الصريحة العارية بدل أن نقدم إليهم الأطباق المتَبَّلة بالبهتان. أما المنافقون الكَذَبة الذين لا يخشون الله ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر فليسوا سوى عناكب بشرية غارقة في وحل الهموم الدنيئة، تتلاعب بها دوامة حياة عدمية لا معنى لها ولا قيمة. أرجو أن يكون محمد السادس من ذوي النفوس الأصيلة. أما هؤلاء المحبوسون بين جدران حياتهم اليومية المتضايقة، فلا يستحقون إلاّ أن يكونوا حصبا لجهنم ما لم يتوبوا إلى الله.

سيقف الحسن الثاني، ومحمد السادس أيضا، أمام الملك الديان الذي سيسألهما عن السور المضروب بين شعب مستضعف وحفنة من الانتهازيين المتملقين: من الذي بناه؟ ومن الذي رعاه؟

الكل يعلم … باستثناء الشعب الأمي الذي أذهلته لقمة العيش عما يدور في بلده. ما فتئت الصحف والمنشورات الأجنبية تعرض عمليات النهب الممنهج التي تقوم بها السلطات المغربية للثروات المغربية. من يجهل من المثقفين المطالعين للصحافة الأجنبية أن الأونا (O.N.A.) -هذا الأخطبوط الممتدة أذرعه الذي كان الملك الراحل (المفتقر إلى رحمة ربه أكثر من أي وقت مضى) يمسك بخطامه- تمثل قسطا هاما من الثروة الحسنية. استندت هذه المؤسسة على الامتيازات التي منحها لها الملك السابق لتحتكر الأسواق وتستحوذ عليها. وبِذا أصبحت هذه الإمبْراطورية الاستعمارية تنينا برؤوس متعددة تضخ -ولا تزال- أرباحا خيالية في الأرصدة القارونية للجلالة الراقدة اليوم تحت التراب.

كان المغرب بأكمله مِلكا للوحش المقدس “أونا”، أي للملك. واليوم تنتقل هذه الثروات المكدسة طيلة أربعة عقود إلى الورثة الذين سيضيق عليهم الخناق يوم أن يسأم الشعب المستنزف من الهمس ويحطم جدار الصمت مطالبا الأحياء بحسابات الأموات. ويومها سيكون محمد السادس على رأس المطلوبين طبعا.

كانت أونا ولاتزال تهيمن على اقتصاد البلاد باعتبارها رأس حربة الممتلكات الحسنية المقدرة بملايير الدولارات. وكان الملك الراحل -غفر الله له- يفتخر بأنه فلاح ينتمي لأسرة الفلاحين. استهزاءٌ بالألقاب أم تهكم صريح؟!

لم يفلت أي قطاع من قبضة الجشع الملكي زراعةً كان أو صناعة غذائية أو سياحة (كانت الفنادق الفخمة جدا التي تستقبل ضيوف “صديقنا الملك” ضمن الحصيلة “الهزيلة” لممْتلكات فلاحنا المسكين) أو أبناكا أو تأمينا أو مصانع سكر أو نفطا أو هندسة مالية أو مقاولات عمومية أو شركات منجمية أو صيدا بحريا أو صناعة كيماوية أو طباعة أو نقلا أو نسيجا … والقائمة تستعصي على الحصر. لقد أصبحت “أونا” مُجَمَّعا ماليا يستفيد من امتيازات هائلة.

كانت الأرباح الخيالية (المحلية طبعا لأن الجزء الأهم من المداخيل والأموال الملكية اتخذت الغرب لها مستقرا ومستودعا) التي يحصل عليها الملك تجتهد في الاستتار عن أعين الأهالي الفضولية. وحين استبد جنون العظمة بالفلاح المسكين فتاق إلى بناء واحد من أضخم وأفخم المساجد في العالم، سلط زبانيته على الفلاحين الفقراء الحقيقيين يسلبونهم دراهمهم المعدودة. وهكذا تشتغل الآلة المخزنية الغاشمة العتيقة في وضح النهار، بينما يذر النظام “العصري” الرماد على العيون حين لا يفتأ يتحدث عن الديمقراطية والدستور…

* الحدائق الشيطانية

كان للملك الراحل رحمه الله حسب تعبيره “حديقته السرية” التي كان له الحق وحده في زراعتها. كانت له مقابر خاصة يدفن فيها “النباتات الفاسدة” من رعيته. كانت له مستودعات للموت يدفن فيها حيا كل من نجا من محاولات الاغتيال أو أفلت من أحكام الإعدام.

حدائق الموت المخزية كانت تستتر خلف الابتسامة اللطيفة المعروضة على الجمهور. وتمتد لائحة المنجزات اللصيقة بكل ذي طبع شحيح: فالحسابات الملكية في الأبناك الأجنبية مفتوحة بأرقام سرية أو أسماء مستعارة. والاستثمارات الأجنبية بالخارج لا حصر لها، بحيث لا يقدر صاحبها نفسه على التحكم فيها، بل إنه لا يدري كم عدد المقاولات والقصور والأسهم -سواء كانت في الزراعة أو البورصة أو العقار- التي يملكها. هل ما نقوله اتهامات افترائية مغرضة من صحافة أجنبية أو أنه عين الحقيقة التي يجري التكتم عليها؟

يذهل العقل أمام هذه الأرقام المكدسة، لكن إذا عرف السبب بطل العجب. ففي سنة 1994 نشر المرصد الجغرافي للمخدرات تقريرا سريا اتهم فيه بصفة مباشرة بعض المقربين –بل الخلصاء- من الملك الراحل، وأشار إلى أنه أول راع لهذه التجارة ومستفيد منها.

كيف نعلم؟ كيف نتحقق؟ لِمَ الحديث عن هذه الأمور الآن؟

لا يزال ستار التعتيم مسدلا على القضايا المشبوهة في هذا البلد الذي يُغَلِّق منافذه، ولا يفتأ يحتج على نشر بضع نتف من الحقيقة في الخارج، مؤكدا أن الديموقراطية الحسنية هي المثال الذي يجب أن يُحتذى. ظلت اليد الحديدية تخنق أنفاس البلد إلى أن اضطر الذين استماتوا في إنكار وجود “تزممارت” إلى الاعتراف بالواقع بعد أن توالت شهادات نزلائه السابقين على بشاعة الأسرار المدفونة في “الحديقة السرية للملك”.

يقف الماضي حائلا بين المزاعم والوقائع، بين الكذب والحقيقة، مثلما يحول الماضي الاجتماعي بين المغرب الفقير والنخبة الفاحشة الثراء التي أغدق عليها الملك الراحل رحمه الله الامتيازات هو وبطانته الفاسدة المفسدة.

يقف الاقتصاد المنكوب شاهدا، وتقف القصور الملكية التي أجلى عنها الملك الشاب بكل شجاعة قطيعا من الخدم كانوا دائما على أهبة الاستعداد لاستقبال الملك الراحل، متوجسين خيفة دائما من أن يطردهم سيد بطاش بالمستضعفين، كريم مضياف مع زواره المتألقين.

عزيزي القارئ، أخي وأختي! يا من تقرؤون كلماتي! لا تحسبوا أن حدة ألفاظي وشدة خطابي نابعتان من مرارة طالما كتمتها في العهد الغابر، بل هي الحسرة على الإسلام المكلوم والحق المهضوم وبلدي المخدوع ترفع من حدة قلمي!

يشهد الله جل جلاله أنني لست حاقدا على الراحل، بل إنني أتمنى له الخلاص الأبدي في الدار الآخرة. لكن للأحياء الذين طال امتهانهم وخداعهم وكبت أنفاسهم الحقُّ في كشف الغطاء عن الغموض الذي يكتنف البلاد حتى لا يَنزلق القطار، ولكي تكون عبرة الماضي منارا يقود سيرنا نحو المستقبل.

فلنخاطب ولي العهد -الذي أصبح فجأة ملكا بعد رحيل أبيه العبد المذنب- خطاب الحكمة والعبرة، لنحدثْه عن الأمس والغد، عن الخلود بعد الموت، لننظر هل له من الهمة ما يؤهله لأن يكون بانيا لعهد جديد. أم أنه مجرد ابن لأبيه؟ ظِلٌّ عابر للتاريخ؟ شخصية انتقالية؟

مقتطفات من رسالة “جميعا من أجل الخلاص”

* أرقـام وآلام

نتيجة للجشع الاقتصادي لأركان النظام، ولعدم حرصه أصلا على إرساء تنمية اقتصادية حقيقية، بقي المغرب غارقا في التخلف بناتج داخلي خام ضعيف لا يتجاوز 50 مليار دولار (تزيده ضعفاً وضحالة أعباءُ الدين الخارجي الجاثم على البلاد والعباد خاصة بعد تقليص النفقات)، ولا يتناسب إطلاقا مع الموقع الاستراتيجي للبلد، ولا مع قدراتنا البشرية والفلاحية، والبحرية والصناعية، والمعدنية والسياحية. مع العلم أن نسبة النمو لهذا الناتج لم تتجاوز 3.81% طيلة الأربعين سنة الأخيرة، وهي دون معدل النمو في الدول النامية في الفترة نفسها (4.47%). وتجدر الإشارة إلى أن نسبة النمو عرفت تراجعا ملحوظا منذ سنة 1999 وسجلت 3.33% (معدل الدول النامية في نفس الفترة 5.35%)، والمغرب في كل هذا أقل من دول غير بترولية كتونس ومصر والأردن وتركيا.

أما المقارنة مع جارتنا إسبانيا – وهي مقارنة مشروعة نظرا للتشابه في الظروف والقدرات والموقع- فيوضح بكل جلاء عقم التجربة السياسية المغربية وانتكاستها. فهذا بلد على مرمى حجر منا انطلق من ظروف أسوء من ظروفنا نظرا للحرب الأهلية التي خلفت 400 ألف قتيل ودمارا كبيرا في نهاية الثلاثينات، لكنها لملمت جراحاتها وانطلقت متواضعة سنة 1956 ثم سنة 1975 بعد إقرار النظام الديمقراطي، لتسجل اليوم ناتجا داخليا خاما يفوق 1100 مليار دولار، مع نسبة تعليم تجاوزت 98%، في حين تعرف بلادنا نسبة تَعَلُّم تقل عن النصف.

* معـالم الغـد

ولمأساة التعليم بُنَيَّاتٌ. تشغيل الأطفال ذكورا وإناثا من الظواهر الخطيرة التي ترتبنا في أسفل السلم مع المجتمعات المتخلفة. فالإحصاءات الرسمية تنبئ بحقائق مخيفة: أزيد من 30% من الأطفال يشتغلون ما بين 7 سنوات و17 سنة. و90% من هؤلاء المشغلين لهم من العمر ما بين 10 و14 سنة. وإذا كان مدّ ُ الهدر المدرسي يغذي هذه الفاجعة (400.000 منقطع في سنة واحدة، اضربها في عشر سنوات مثلا) فإن الصورة تزداد سوداوية إذا علمنا أن 30% من الأطفال المشغلين لم تر أعينهم سبورة قط.

عن أي تشغيل نتحدث؟ تقول الأرقام الحكومية: 31% منهم يشتغلون بدون مقابل و53% تبتعد “أجورهم” عن الحد الأدنى بكثير وما أدراك ما الحد الأدنى؟ أما الحديث عن التغطية الصحية والتغذية والوقاية فحديث خرافة. أضف إلى ذلك الأرقام التي تحدثنا عن عزلة نسبة مرتفعة جداً من هؤلاء الأبرياء،وما يتعرض له آخرون من عنف بكل أشكاله وبأبشع ألوانه.

وأخرى أشد وأنكى. هذه الجحافل من الأطفال المشردين الذين أصبحوا يؤرقون كل من له أدنى حس أو أبسط تطلع لمستقبل البلاد: شرود خطير، وانحراف أخطر، وإجرام لا يتوقف.

وثالثة الأثافي المخدرات في صفوف أطفالنا وشبابنا، ذكورا وإناثا، في صفوف المتمدرسين وغيرهم. لقد أصبحت السلع القاتلة رائجة على أبواب المؤسسات التعليمية التي أصبحت أسواقا ومراتع خصبة للأمراض النفسية والعقلية والأوبئة الخلقية المرتبطة بهذه الآفة.

* أخـطبوط مخـزني

ويزداد الوضع تعقيدا في المغرب بحكم أن النظام المخزني المغربي ليس طرفا سياسيا رئيسيا مباشرا في الأزمة بل هو أيضا وبنفس الدرجة طرف اقتصادي رئيسي في معاناة هذا الشعب بتصرفه الغامض في ثروة وطنية كبيرة وفي دخوله (عبر شركات أخطبوطية معروفة منها أونا…) في معاملات اقتصادية تستحوذ على أغلب القطاعات الإستراتيجية في هذا المجال ومنها الصناعات الغذائية الأساسية والتأمينات والتوزيع والقطاعات المنجمية والمالية. ويحقق من خلالها أرباحا خيالية تتجاوز 10% من الناتج الداخلي للبلد، بمعنى أنها تتجاوز خمسة ملايير دولار أي أكثر من أربعة آلاف مليار سنتيم، في نفس الوقت الذي تشهد فيه هذه المواد الغذائية غلاء متصاعدا غير مسبوق وغير خاضع لأية معايير أو تنظيم، ويسحق الفئات الشعبية الضعيفة الدخل وحتى المتوسطة منها سحقا لا مكان فيه للشفقة أو الرحمة!

بل إن الفاعلين الاقتصاديين غير الدائرين في فلك المؤسسات الاقتصادية المخزنية وجدوا أنفسهم محاصرين في أكثر من موقع استثماري وفي أكثر من سوق نتيجة المنافسة غير المتكافئة وغير الشريفة بين الطرفين، مما أثر سلبا على الحركية الاقتصادية التنافسية التي لو كانت تجري في أجواء من العدل والحرية وتكافؤ الفرص لكان لها آثار إيجابية واضحة على الاقتصاد الوطني وعلى دخل الفئات الاجتماعية المتضررة.

إن الجمع بين دخل الأسرة الملكية من الاقتصاد الوطني وبين ثروتها داخل المغرب وخارجه والمتوقعة في حدها الأدنى تجعل ما تتصرف فيه هذه الأسرة من مال الشعب العام يشكل أكثر من 20% من الناتج الداخلي الخام أي أكثر من خمس الثروة الوطنية. وهذه من أغرب النسب على الإطلاق التي تعرفها دولة فوق هذه الكرة الأرضية.

ولذلك وفي هذا الوضع الذي يتميز بالجشع الاقتصادي وبإطلاق اليد الطولى المصحوبة بالغموض في التصرف في الاقتصاد الوطني واقترانه بالسلطة السياسية المستبدة، لا عجب أن يصل المغرب إلى الباب المسدود وأن يخيم الركود على السوق الاقتصادية الوطنية مقارنة مع مثيلاتها في دول ذات وضعيات مشابهة، وأن تجد أفواجا من العاطلين تجاوز عددهم مليونا ونصف مليون ثلثهم حملة شهادات عليا يجلد المطالبون منهم بالشغل على مدار السنة أمام المؤسسات التمثيلية في العاصمة وفي مختلف المدن المغربية، مع العلم أن أكثر من 30% من السكان النشطين المشتغلين يعتبرون مساعدين عائليين لذويهم (غير مأجورين) في قطاعات اقتصادية مختلفة.

* حصـــاد

وبسبب هذه الاحتقانات الاجتماعية، يغامر شبابنا المغربي عبر قوارب الموت محاولا عبور البحر إلى الضفة الأخرى في عمليات مأساوية مستمرة لسنوات خلفت آلاف القتلى لا بَواكي لهم، وفي استنزاف مستمر لزهرة عمر الأمة، الطاقة الشبابية، وسط لا مبالاة رسمية غريبة وكأن الأمر لا يتعلق بآدميين قبل أن يكونوا مغاربة لهم كل الحق أن يعيشوا في بلدهم بكرامة وشغل شريف.

ومع هجرة الشباب بهذه الطريقة تضاف مأساة أخرى لا تقل فظاعة عما ذكر، ويتعلق الأمر بتهجير الأعراض المغربية عبر شبكة من العصابات تتحرك بكل حرية وتتاجر في تهريب الفتيات المغربيات لكل أنحاء العالم لممارسة الدعارة بما في ذلك تصدير بنات المسلمين للصهاينة الغاصبين في فلسطين العزَّة والإباء.

ويتزامن ذلك مع حملة في الداخل لم يسبق لها مثيل في تاريخ المغرب من نشر للفساد والعمل الحثيث من أجل التطبيع مع الفاحشة على نطاق واسع، خصوصا في مدينتي مراكش وأكادير القلاع التاريخية للعلم والرباط والعفة، حيث تحولتا إلى أوكار دولية سيئة الذكر في ممارسة الفاحشة. إضافة إلى الترويج للفساد على الهواء مباشرة في غارة جديدة من الإعلام “الوطني” في نذالة وسوء حياء غير مسبوقة.

كل ذلك في إهانة مذلة لكرامة المرأة المغربية واستغلالها شر استغلال، هذه المرأة التي كان يجب أن تعيش عيشة العفة والكرامة في أسرة محترمة أو في شغل مناسب وشريف يضمن لها الكفاف وعدم التعرض للابتزاز والمساومة في عرضها. وهذا ما كان ليحدث لولا انعدام العدل، والحيف الكبير في توزيع الثروة الوطنية، وصعوبة تكاليف إنشاء الأسرة واستمراريتها نتيجة غلاء العقار وانعدام الشغل ومحدودية الدخل.

كاد الفقر أن يكون كفرا، كلمة لسيدنا علي كرم الله وجهه تعطيك الوسيلة لتبحث عن الكفر وما شابهه وما دونه كلما وجدت فقرا، كلما رأيت عَرْصَةً يَتَجاوَرُ فيها البذخ الفاحش المستهتر مع البؤس الأسود الكئيب. ملايين كثيرة من المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر، والعدد في تصاعد بسبب الهجرة نحو المدينة. ولا تزال الأجور في المغرب تعرف تفاوتا لا تكاد تجد له مثيلا في العالم: بين 1 و1000. وللتذكير فقط فالحديث هنا عمن لهم اسم في سلك الموظفين والمأجورين!

زد على ذلك جهود النظام الخبيثة وبرامجه المعلنة والسرية في الإفساد الممنهج للمجتمع واستهداف الأسرة المغربية المسلمة في قاعدتها الأساس. المرأة المغربية التي عرفت في التاريخ بالعفة والحياء والجهاد، فإذا بالصورة تنقلب ويصبح المواطن المغربي يستحيي من الإفصاح عن جنسيته في مختلف المحافل والمنتديات الدولية، نظرا لسمعة المغرب اليوم في مجال انتشار وتصدير كل أنواع موبقات الفاحشة وإنا لله وإنا إليه راجعون!