دين الانقياد ونحلة الغالب مفهومان نستعيرهما من المؤرخ الحكيم بن خلدون، محاولين من خلالهما مقاربة قضايا المرأة، التي تكتسي أهمية خاصة في الفكر الإسلامي المعاصر وعند تيارات حركة الصحوة الإسلامية، التي تجد نفسها أمام تنامي حركات التحرر النسائية وأمام وضعية المرأة الكارثية على كافة المستويات في وضع محرج إن لم تقدم رؤية وإجابات تنويرية واضحة على العديد من القضايا التي تشغل بال المهتمين.

المرأة: من عصر الموءودة إلى عصر الحريم

وجد الإسلام المرأة متاعا من المتاع ومتعة من المتع، وورثا يورث كما يورث المال، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الطبري أنه قال: إذا مات الرجل وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه، فيمنعها من الناس، فإن كان جميلة تزوجها وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت).

هذا إن سمح لها بحق الحياة في مجتمع جاهلي يخشى أن يلحقه من بناته العار والشنار، وكان لسان حاله يقول: القبر أخفى سترة للبنات *** ودفنها يروى من المكرماتكان الرجل الجاهلي الذي يشارك في العار ويستلذ به في مجالس لهوه وأنسه وسط محضيات وجواري وصاحبات رايات حمر –هو نفسه – من يئده ليتخلص منه وهي مفارقة عجيبة وغريبة، تزول متى علمنا أنه نفس العقل الذي يصنع ربه بيده من تمر ليعبده فإذا جاع أكله.

كانت المرأة في اعتقادهم سوء وشر وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ، يتحاشى المرء أن يلحق به لذا يئده متواريا، في رمال شبه الجزيرة العربية ويا صحراء ابلعي.

استنكر الإسلام وأد البنات وهو قتل فعلي ساذج عوضه العرب بعد ذلك بوأد معنوي طوال قرون، اعتبرت فيه المرأة حريما يحشر في المقصورات والقصور لا إرادة ولا روح ولا شخصية. واستهجن سلبهن حق الحياة وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت، وجعل سؤالها آية من الآيات الكبرى كتكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال لشناعة الفعل وفحشه العظيمين. كما جعل شعاره “ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم” والأحاديث أكثر من أن تعد وتحصى في وجوب رعايتهن والإحسان إليها إنسانا قبل كل شيء، فإذا كانت أما أو أختا أو بنتا تأكد وجوب الرعاية، أليس الجنة مأوى المؤمنين بجلال قدرها وما فيها تحت رجلي امرأة!!.

تواترت النصوص الزاجرة والحاثة الموجبة لحسن رعاية المرأة وتكاثرت لتمحو من العقل العربي الجاهلي رواسب علقت به منذ أزمان سحيقة، وموروثات وجاهليات حجبته عن الله وعن العدل، بما هي ظلم في أحد معانيها، وحاربت فيه عادات متجذرة ومعاني من قبيل حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا وكان الآباء يئدون البنات بلا شفقة ولا رحمة، فالميداني صاحب الأمثال يقول: إن عادة وأد البنات، كانت متبعة عند قبائل العرب قاطبة، وظلت هذه العادة جارية ومتبعة عند جميع القبائل العربية حتى جاء الإسلام فأبطلها وحرمها). وقد اختلفت القبائل العربية في أسباب الوأد، فمنهم مَن كان يئد البنات، غيرة على العرض، ومخافة من لحوق العار بسبب انتشار الحروب والغزو، حيث كانت تساق الذراري مع الغنائم والسبي، فتكون بناتهم عند الأعداء أو إذا ولدت البنت مشوهة أو بها عاهة، أو بسبب الفقر والفاقة مخافة الوقوع في الغواية وكانت بنو تميم وكندة وربيعة من أشهر القبائل التي تئد البنات. ويرجع البعض أول الوأد ومبتداه إلى قصة بني تميم، الذين يروى أنهم منعوا الملك النعمان جزية كانت عليهم، فجرد عليهم النعمان أخاه الريان مع (دوسرا) إحدى كتائبه وكان أكثر رجالها من بني بكر بن وائل، فاستاق النعمان سبي ذراريهم. فوفدت وفود بني تميم على النعمان بن المنذر، وكلموه في الذراري، فحكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأية امرأة اختارت زوجها ردت إليه، فشكروا له هذا الصنيع.

وكانت من بين النساء بنت قيس بن عاصم فاختارت سابيها على زوجها فغضب قيس بن عاصم، ونذر أن يدس كل بنت تولد في التراب، فوأد بضع عشرة بنتاً فكان أول من وأد في الجاهلية -مما يرجح أن يكون الوأد من عادات الجاهلية المتأخرة- غير أن رواية له مع أبي بكر الصديق تقدم لنا سببا أخر للوأد فقد سأله أبو بكر: “ما حملك على أن وأدت؟” فقال: “خشيت أن يخلف عليهنّ غيرُ كُفْوءٍ” وقد جاء قيس بن عاصم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: “إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية”، وفي رواية أخرى اثنتي عشرة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اعتق عن كل واحدة منهن رقبة”، وقال: “إني صاحب إبل”، قال: “أهد إن شئتَ عن كل واحدة منهن بدنة”.

ولئن بدل الإسلام صحابيا جليلا مثل قيس بن عاصم، وغيره تغييرا شاملا وغير نظرته للمرأة، فندم على ما قدم من وأد لبناته وتاب كما سلف في الحديث، فتخلص من سلطان العادة واستجاب لأمر الله ورسوله. فإنه لابد أن نقف لنسأل هل استطاعت مدة أربعين سنة هي كل عمر الخلافة والنبوة أن تمحوا قرونا من رواسب الجاهلية في العقل العربي الذي أسلم؟ هل استطاعت أن تحرّره من ربقة العصبية والقبلية وتخرس فيه نعرات العبية؟ هل استطاعت أن تحرّره من سلطان الموروث الجاهلي ومن ضمنه نظرته للمرأة ومكانتها ودورها؟ اللهم لا.

حيث نجد أنه حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت يطفو هذا المخزون على السطح وقوله صلى الله عليه وسلم لواحد من الصحابة الكرام “أنت امرؤ فيك جاهلية” شهيرة، ومنازعات الخزرج والأوس ودعواتهم لأحياء روح العصبية وثاراتها معروفة.

عادت هذه الروح روح الموروث الجاهلي الذي جاء الإسلام ليزيل مثالبه ويثمن مكارمه، لتتأجج بعد أربعين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أو أقل، ويجانب الصواب من يفصل تحول الحكم السياسي من العدل والمساواة إلى الظلم والجور والاستبداد عن قضية المرأة ومسيرة الأمة ككل، فهذه من تلك وتلك من هذه والأمر واحد. وكان تأججها (روح الجاهلية) يعني إزهاق روح الإسلام وإقصاؤها والحفاظ على قشوره لجعلها تكأة تعتمدها أنظمة القهر لمصادرة حق الرأي وإخفاء رغبة التغيير فانزوى الإسلام في فردية العبد/المواطن فردية ربما لا تشتمل حتى الحيوان وبدأ الحس الجماعي يموت وسادت روح أنا وبعدي الطوفان، واستطاعت أنظمة القهر الفردية أن تدجن الأمة، وتدفع بها إلى جدران الصمت… وحاول من فيه بقية غيرة وعزة وأنفة أن ينتفض أو يثور. لكن سيوف الحجاج وأمثاله كانت بالمرصاد تريق دماء الأشراف والأطهار، وكانت المرأة شاهدة حاضرة، أسماء الصديقية بنت أبي بكر رضي الله عنه وزينب بنت سيدنا علي رضي الله عن الجميع وأرضاهن. وصار العدل مطلبا عسيرا تتشوف إليه النفوس ولكن من يتكلم فجيوش القهر جاثمة…

وهكذا قيدت مظلومية المرأة التاريخية ضد مجهول قد يكون الإسلام، وقد يكون رجلا، وقد يكون أنظمة القهر والاستبداد والملكيات الوراثية -وهو فرض لم يطرح للأسف-، ولكن تبنى دعاة الحرية والتحرير قضية المرأة في عهدنا الذي سماه الرسول صلى الله عليه وسلم “ملك جبرية أو جبري” بكل ما تعنيه كلمة الجبر من قهر وتسلط وحديد ونار ومعتقلات. وهو في كل هذا لا يختلف عن تلك الصفحات التي عشناها مع عهد العض، فالموصوف واحد والصفات متعددة، اللهم في أن الأول تخفى بأستار الإسلام ولفها على نفسه جيدا مستمدا منها مشروعيته وقدسيته وهذا حال بعض أنظمتنا الحالية، والثاني أعلن قطيعته مع الإسلام وعده رجعية وأعلن عليه الحرب جملة وتفصيلا يزين له ذلك أبناؤنا جغرافيا، وإلا فهم في الغرب ترعرعوا وبألبانه تغدوا وأعلنت الحرب على العقل الشرقي المتخلف والدين سبب تخلفه، وتوالت الدعوات لتحرير المرأة وفتح الملف من جديد يشرف عليه دعاة التغريب والغرب قضاة وحكاما.

ومن هنا تبدأ مرحلة أخرى، وتسعر حرب جديدة، المتهم فيها هو الإسلام ذلك الغائب المغيب الذي لم يقترف جرما ولم يجد من يدافع عنه، فالفقهاء والعلماء قد انخرطوا في سلك أنظمة الجبر ودانوا بدينه والسلام عليك يا إسلام ! والشعوب لا تمتلك إلا إسلاما موروثا جثة بلا روح وعاطفة جياشة تحنُّ إلى عهود النبوة والخلافة الراشدة، فضيق على الإسلام وبدأت محاربة كل ما يمت إليه بصلة وأي مظهر من مظاهره والأمثلة عديدة: تركيا، تونس… فانزوى الإسلام عهودا في دائرة الأحوال الشخصية التي لم يجرؤوا على طرده منها علانية حفاظ على خيط رفيع يربطهم بـ “تقاليد المجتمع ومخزونه العاطفي” وصمام أمان يقيهم شر شعوب مسلمة بالفطرة لا يمكن أن تتنازل أكثر.

ووجد الاستعمار القابلية فكان ما كان، طالعتنا وجوه النساء الأوروبيات المتحضرات الحاذقات المتعلمات الطبيبات، وبهرتنا أوربا بكل بريقها وتحولت القبلة والوجهة فصارت غربا، وظل فقهاؤنا في محاولات يائسة للدفاع عن الإسلام يشهرون سيف الارتداد في وجه حتى من يزور أوربا ويرمون كل آت من هناك بالكفر، ولكن محاولاتهم تلك كانت ردود أفعال على هجمات لا أفعال ذاتية. حتى ظهرت حركة البعث الإسلامي التي لم تمتلك شمولية الطرح في بداياتها ولم يتخلص جزء كبير منها من تقديس إسلام بني أمية وبني العباس.

مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، التي فجرتها الثورة الفرنسية وفلاسفة الأنوار خاصة بعد غزو نابليون بونابرت لمصر والشرق المتخلف، (ولما كان المغلوب مولع بتقليد الغالب والضعيف على دين القوي) بدأت حمى التقليد تتسلل إلى جسد الشرق الذي أفقدته سنوات التحجر مناعته وشجاعته، وبدأ الانحطاط والانحدار الحضاري: فالحجاب في زعمهم قيد يكبل العمل والإنتاج، والعفاف والطهر مسألة شخصية، والمرأة مظلومة محرومة من التعليم والعمل والإنتاج.

فوجدت هذه الصرخات والدعوات صداها في أنفس بناتنا ونسائنا، ليس لأن النموذج الغربي يكتسب جاذبيته من قوته الاقتصادية وتفوقه المادي والتكنولوجي فحسب، بل لأن الإسلام تهرأ في دواخل الأمة وصار خيوطا رفيعة واهية تنسل عند أول محك وبدأ السقوط، لا يستطيع أحد إنكار أن هذه الدعوات حملت في طياتها إيجابيات ولعل من أهمها تلك الصفعة التي وجهتها إلى المسلمين فبدأ السؤال عن الهوية وعن الذات عن الأصل والفصل ورب ضارة نافعة، لم يفجر سؤال الهوية قضية المرأة وحدها ولم يكن كتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين فحسب سبب المعركة، بل أسهم في ذلك “في الشعر الجاهلي” لطه حسين و”أصول الحكم” لعلي عبد الرازق و”طبائع الاستبداد” للكواكبي، فالقضية كانت كلا لا يتجزأ، قضية أمة وجدت نفسها تحمل إجلالا لتاريخ متقيح لا تستطيع تحديد موقفها منه، وواقع يرفض ما تبقى فيها من فطرة نقية التردِّي إليه… ووجدت أجيال من أبناء المسلمين عقولها موزعة الولاء رجل هنا وأخرى هناك منهم من قاوم ببقية عناد واعتزاز بإسلام فردي ومنهم من غاص في مرق الغرب ومنهم من حمل مشعل التجديد حاميا أصالته من اللوث في غير ما انغلاق أو تحجر.