4   +   3   =  

قال القضاء كلمته في وجدة وباقتضاب شديد جدا، بشكل يوحي أنه ملف يراد له أن يطوى سريعا منع معه حتى الشهود من الإدلاء بشهاداتهم ولولا إصرار الدفاع لما سمح حتى للضحية زينب بسرد مأساتها، مأساة مفجعة قاسية لا يمكن لحكم كهذا -وإن كان لابد منه- أن يكون نقطة النهاية لها أو آخر فصولها لأن القضية أعمق بكثير قضية مجتمع فقد إحساسه الإنساني وعاطفته الأبوية وشعوره الآدمي، قضية مجتمع ملأته الكراهية والوحشية والبغضاء. مجتمع فقد أهليته لأن يكون حضنا دافئا لهذه الزهرات البريئة التي قذف بها الفقر والعوز والحاجة لتكون خادمة والأصل أن تكون على مقاعد الدراسة أو على الأقل في أحضان أسرتها.

مجتمع عجز أن يوفر لها اللقمة والمسكن والملاذ والكساء والكرامة. والزيانب وإخوانها وأخواتها كثر في شوارعنا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، أسلمناهم إلى عالم الجريمة والتشرد والمخدرات أو تركناهم صيدا سهلا لنخاسي اللحم الأبيض في مدننا التي صارت تصنف من عواصم السياحة الجنسية

السؤال الملح الآن الذي يطرح على كل ضمير حي، على كل غيور على كل أب وأم، كم يلزمنا من زينب لنستيقظ؟ لننتبه إلى هذا السرطان الذي ينخر بنية مجتمعنا؟كم يلزمنا دولة وحكومة ومجتمعا من المآسي لنهب لإنقاذ مستقبل أجيالنا من هذا الضياع الذي نسميه زورا”أطفال شوارع” -ويال وويل مخادعة التسميات ومكرها- هِؤلاء أطفالنا بناتنا أبناؤنا، فحين تخلينا عنهم صارت الشوارع والأزقة لهم أباء وأمهات ينسبون إليها.

قصة زينب بدون شك تعري وجه واقع طفولة بئيس كالح، ينبغي أن تتضافر الجهود لتداركه على كل الواجهات تشريعيا وحقوقيا ومؤسساتيا وأمنيا. وهي أيضا مؤشر خطير على أن المجتمع يعيش “أزمة رحمة” حقيقية فالقلوب سدت عليها منافذ الرحمة وجفت روافدها وتلبسها شيطان المادية والقسوة والكراهية لما ابتعدت عن منبع الرحمة اتباعا واقتداء وتربية يقول المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله” وقال أيضا: “ارحموا ترحموا واغفروا يغفر الله لكم” وحذرنا بقوله صلوات ربي وسلامه عليه: “لا تنـزع الرحمة إلا من شقي”