في غضون شهر واحد شهدت مدينة مراكش مفارقتين غريبتين تدلان بكل وضوح على فظاعة ما يحاك لهذه المدينة العريقة.

ففي بداية شهر أكتوبر وبالضبط يوم 03/10/2009 استنفرت السلطات الإدارية جميع أجهزتها الأمنية لمنع المواطنين من التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني والتنديد بالاعتداءات التي يتعرض لها المسجد الأقصى على أيدي الصهاينة الغاصبين.

وبعد ذلك بأيام معدودات يرخص بتنظيم تظاهرة عالمية للقمار لم يسبق لأية دولة عربية أو إسلامية أو حتى إفريقية أن نظمتها، وهاهي ذي نفس السلطات تستنفر قواتها لحماية وضمان نجاح هذه التظاهرة المحرمة شرعا والمصاحبة لجميع أنواع الموبقات من جنس وخمريات.

كيل بميزان أعوج لا تفسير له إلا أنه يفتل في حبل السير بهذه المدينة نحو المجهول. يمنع المواطنون من ممارسة نشاط حقوقي للتعبير عن مواقفهم تجاه قضايا وطنية وقومية عادلة ويسمح بإقامة تظاهرات الفساد والقمار والمحرمات.

ميزان أعوج ينطق بشيء واحد هو أن مدينة مراكش لم يعد فيها مكان للشرفاء الغيرون على انتمائهم للأمة الإسلامية والمنتصرين لقضاياها.

على إثر هذه الفضائح التي لم تعد خافية على أحد نكون من حقنا أن نتساءل.

لماذا يراد بهذه المدينة العريقة رمز العلم والعمل أن تكون قبلة لجميع المحرمات من ترخيص للفساد والمفسدين لإقامة المهرجانات والتظاهرات المشبوحة في وقت يشتد فيه التضييق على الحريات ويكثر فيه التفنن في الاستخفاف بإرادة المواطنين وتزوير الانتخابات؟

ومن حقنا أيضا بل من واجبنا أن نسائل القائمين على تسيير هذه المدينة والذين يهيئون الظروف المواتية لتحويلها إلى عاصمة القمار والسياحة الجنسية … نسائلهم بميزان الأخلاق والوطنية أي مصير يهيئونه لناشئة هذه المدينة وشبابها؟.

ألا يخفى عليهم آثار القمار وما يصاحبه على القيم والأخلاق وتماسك المجتمع وتضامنه؟.

بل نسائلهم حتى بميزان المكتسبات المادية … هل انفراد مدينة مراكش بتظاهرة عالمية للقمار من دون المدن العربية والإسلامية سيساهم حقا في تنميتها، والحال أن البارعين في مجال القمار من شركات وأفراد هم من أباطرة المال الحرام ومحترفي التهريب وتجارة البشر، هم وأمثالهم من ساهموا في تأزيم بلدانهم ماليا واقتصاديا ويبحثون عن ملاذ لهم، “ولعلهم وجدوا ضالتهم” فأي خير يرجى من وراء من فضل جني الأرباح الطائلة بضربة حظ أو ضربتين او قل ضربات متتالية تنزل على كاهل المستضعفين المفتونين من الطامعين ممن انطلت عليهم حيلهم ودخلوا معهم جحرهم.

ومن حقنا وبنفس الإلحاح أن نسائل علماء مراكش وهم أكثر من غيرهم يعلمون ماذا تعني مدينة مراكش بالنسبة للعلم والعلماء.. لطفا أيها السادة الكرام لماذا أنتم صامتون … أيرضيكم ما يجري في مدينة مراكش ألا تقلقكم حملة الإفساد التي تجتاحها، فلماذا تتلكؤون عن أداء واجبكم الذي به جعلت أمتكم خير أمة أخرجت للناس، لماذا أنتم دائما وفقط مستعدون لتغيير موضوعات خطب الجمعة وإصدار البلاغات المتسرعة طبقا لتعليمات المسؤولين في الوزارة المتوأمة “الداخلية” “والشؤون الإسلامية”.

فما يمنعكم على الأقل من محاجة المسؤولين بحججهم ومطالبتهم بالتعامل مع دستور البلاد على الأقل بشيء من الاحترام.

فديباجة الدستور تنص على أن المغرب دولة إسلامية.

والفصل السادس من نفس الدستور ينص أن الإسلام دين الدولة.

وأنتم يا علماءنا ما فتئتم تنتشون بكونكم خداما للإسلام فهل أديتم واجب النصيحة الذي أنتم عليه مؤتمنون.

مالكم لا تستشعرون أنكم من ورثة الانبياء إن كنتم صادقين.

مالكم تترهلون وتجعلون من قوتكم ضعفا يستغله المتربصون بهذه الأمة وقيامها فلا نرضى لكم أبدا يا حملة كتاب الله وسنة نبيه أن تنعتوا بأوصاف الساكت عن الحق.

أيها القائمون على تسيير هذه المدينة كفاكم استغفالا للمواطنين، ولاتختبئوا وراء الشعارات الرنانة من قبيل تشجيع السياحة وفتح قنوات التنمية والانفتاح على الآخر.. ألم يثر انتباهكم الهدف الذي يجاهر به المنظمون لتظاهرة القمار وهو “جعل مدينة مراكش قبلة دولية وإفريقية للقمار”.

هل قرأتم ما بين حروف هذا الشعار ومايحمله من سموم إلى أهالي المدينة المكافحة.

فلا تلووا رؤوسكم على الرصيد الذي يتكبده المراكشيون من قيمهم ومقومات مجتمعهم من تفشي ظاهرة القمار .

أما آن الأوان لإرجاع الأمور إلى نصابها فأنتم الذين جئتم تلوحون برافعة الإصلاح وشعارات التغيير والتنمية، أليس من أول شروط التنمية حفظ حرية المواطنين وضمان حقوقهم وكرامتهم؟ أليس من شروط التنمية أيضا احترام شعور المواطنين ودفع كل خطر يهدد هويتهم ويفسد أخلاق ناشئتهم.

ذ. عبد العلى الهداجي

محام بهيئة مراكش