تحلّ بنا في هذه الأيام الذكرى الحادية عشرة لاعتقال طلبة العدل الإحسان في وجدة والحكم عليهم، في ظلم صارخ وعدوان غادر وانتقام جبان، بعشرين سنة سجنا نافذة.

لكم الله يا فتية العدل والإحسان.

في هذه الذكرى نتذكر كيف اعتقلوكم، وكيف عذبوكم وأهانوكم وداسوا كل القوانين والأعراف في التحقيق معكم. ونتذكر كيف لفّـقوا عليكم التهم الباطلة، وكيف زوّروا المحاضر وصنعوا المحاكمة الصورية، ليزجوا بكم، معشر الأحبة، في سجنهم الذي سيظل يشهد على دولة المخزن، مهما كانت أشكالها وشعاراتها، بأنها دولة الجبر والطغيان، وعلى سدنتها الكبار بأنهم كانوا مجرمين ظالمين في حقكم وحق غيركم ممن كانوا، وممن ما يزالون مثلكم، ضحيةَ السياسات المخزنية الغاشمة.

في هذه الذكرى نتذكر أن اعتقالكم، أيها الرجال الصامدون، كان في سياق تنفيذ مخطط يرمي إلى الإحاطة بجماعة العدل والإحسان وإخماد صوتها، الذي أصبح بمثابة منارة وملاذ لجمهور واسع من التائهين والمحرومين والمظلومين، فضلا عن الباحثين عن محضن لحفظ دينهم والتزود لآخرتهم.

نتذكر أيضا أن اعتقالكم قد تم بعد أن شدّد الظلمة الحصار 1 على الأستاذ عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة العدل والإحسان، واعتقلوا معظم قيادة الجماعة وفي مقدمتهم أعضاء مجلس الإرشاد 2 ، وبعد أن مدّوا يدهم لتيارات الزندقة والإلحاد بإخراج رموزهم من السجن والسماحِ لهم بإصدار صحفٍ والسكوتِ عما كانوا يجاهرون به من كفر وإجرام في سلوكاتهم ومنشوراتهم، وعلى الخصوص في الساحات الجامعية، وبصفة أخص في فاس ووجدة.

نتذكر أيضا أن الظلمة ليتفرّغوا لمنازلتكم قاموا، قبل حوالي شهرين (شتنبر 1991)، بالتخفف من ثقل ملف طالما سامهم الفضائح في المحافل الدولية وسوّد وجههم بين الأمم، فأفرجوا عمن بقي حيا من دفيني معتقل (تازمامرت) الرهيب الذي ظل النظام المخزني ينكر وجوده في مواجهة الرأي العام الحقوقي الداخلي والخارجي أساسا طيلة أكثر من ثماني عشرة سنة. اعترف المجرمون أخيرا، وأنفهم راغم ووجهُهم- إن كان لهذا الصنف من المجرمين وجهٌ أصلا- مُعفّر بالذل والعار والمهانة والحقارة- اعترفوا بأن (تازمامرت) كان حقيقة لا مراء فيها، هَلَكَ في أحشائه المقفرة من القيم الإنسانية العشراتُ من المظلومين في ظروف بلغت الغاية في الفظاعة والقسوة والوحشية كما روى ذلك بالتفصيل بعض الناجين من أَتُون هذا الجحيم.

هل تابت الدولة المخزنية وأصلحت بعد اعترافها بجرائم تازمامرت؟

طبعا، لا. بل كان اعترافها، كما قلت، خطوةً إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام في مضمار الظلم والقمع والحصار وسَلْب الحقوق وتقييد الحريات. اعترفت الدولة بجرائمها القديمة وهي في خضم ارتكاب جرائم جديدة في حق جماعة العدل والإحسان. وفي سياق هذا المسلسل الإجرامي كان اعتقالكم، أيها الأحبة، وظلمكم وسوقكم إلى غيابات السجن.

لكم الله يا فتية العدل والإحسان.

قُذَّر أن تبقوا في السجن حتى تكونوا شهداء على كذب الدولة المخزنية في ادعائها الديموقراطيةَ واحترامَ حقوق الإنسان والعملَ من أجل بناء دولة الحق والقانون. شعاراتٌ في شعارات، وكلام في كلام، والقومُ ما يزالون يقدّسون عهد (تازمامرت) وينحنون أمام إنجازاته الباهرة إجلالا وتعظيما، ويتخذونه نموذجا وأساسا لمواصلة المسير وتطوير بناء دولة الجبر والتعليمات.

إن بقاءكم في السجن إلى اليوم هو بمثابة نار على علم؛ الكل ينعم ببركات “ديمقراطيتهم” و”توافقاتهم” و”حداثتهم” إلا أنتم، إلا جماعة العدل والإحسان، إلا من صمد وهو لا يفتأ يردد: “حسبي اللهُ ونعم الوكيل” “وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد”.

إنكم اليوم شهداء على عهد الزيف والدجل؛ شعارات سُوقُها نافقةٌ، وانتخابات حملاتها باذخة ووُعُودها كاذبة، ولُهاث وراء مناصب مخزنية تَعِد برواتب سخية وامتيازات راقية، وكل هذه القيامة وهذا التبذير الشيطاني من أجل واجهة ديمقراطية لا تسمن ولا تغني.

قامت الدنيا -وأنتم يا سجناء العدل والإحسان شهداء- وأُنفقت الملايير من أموال المسلمين المغاربة -وأنتم يا سجناء العدل والإحسان شهداء- لا لشيء إلا لصناعة مجالس ومؤسسات لا تملك سلطة لسياسة شؤون الناس، ولا قرار بيدها للتصدي للقضايا الحقيقية التي ما زلنا بسببها نُصنف في المراتب السفلى بين الأمم.

إنكم، أيها الفتية الأحرار، شهداءُ على ديمقراطيةٍ مسخٍ، ديمقراطيةِ الأشكال والأصباغ؛ مجالس ومؤسسات انتُخبت- إن سلّمنا بسلامة هذه الانتخابات ونزاهتها- من أجل تنفيذ سياسات يُخطط لها قومٌ لا يُنتخَبون ولا يُحاسَبون، قومٌ قدّسهم الدستور الممنوح فجعلهم فوق القانون والمؤسسات، يتمتعون بمطلق السلطات بلا رقيب ولا حسيب. ولْتَحْيَ دولةُ العهد الجديد، عهد “الديمقراطية” و”الحق” و”القانون” و”الحداثة” و”الأمن الروحي” وأشياء أخرى!!! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نتذكر في هذه الذكرى أنه على الرغم مما في الاعتقال من محن ومتاعب وآلام ومعاناة، فإن الأقدار تأبى إلا أن ينقلب كيد الظالمين عليهم فتتحول محنة السجن إلى منحة، حيث كتب اللهُ للطلبة السجناء عوضا عما فاتهم لا يقدّر بثمن فوفقهم للتفرغ للعبادة والذكر وحفظ القرآن وتهذيب النفس وطلب العلم. فها أنتم، أحبتنا، قد أصبحتم من خيرة شباب الجماعة قلبا وقالبا، منكم من حفظ كتاب الله، فضلا من الله ونعمة، فنعم الزادُ ، ومنكم من نال الشهادات الجامعية العليا في دراسته، وكلكم، بحمد الله، يتمتع بمعنويات عالية؛ إيمانٌ متجدد وثقة بالله وبموعوده راسخةٌ واجتهادٌ في الطاعات موصول، وإن تعدّوا نعمة الله لا تُحصوهاذلك فضل الله يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وأخيرا نتذكر ما قاله لكم الأستاذ المرشد في آخر الرسالة التي بعث بها إليكم في يوليوز 1994، بعد استثنائكم من العفو الملكي “الشامل في زعمه، الهامل المائل في فعله”. قال لكم:

“فهنيئا لكم بالاستثناء من عطايا الانفراج وهداياه. هنيئا لكم أنْ كنتم الحجة والدليل على أن الهرج والتهويل وزغردات المدللين ما هي إلا مسرحية وسينما.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

لا تنسوا، أحبتي، أن موكبكم واحد مع شهداء فلسطين وأبطال البوسنة والهرسك، والمجاهدين من المومنين والمومنات في أطراف دار الإسلام.

اعكفوا، أحبتي، على كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، حفظا وفهما وعملا. اعمروا أوقاتكم بذكر الله وتحصيل العلم النافع استعدادا لصبح الإسلام القريب بحول الله، تعرضا لما وعد الله ورسوله الصابرين الصادقين ببشرى الحياة الدنيا والآخرة.

واستعينوا بالصبر والصلاةوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.” انتهى كلام المرشد.

نعم الدعاءُ من الرجل الصالح، ونعم القولُ المثبتُ المذكّرُ، ونِعْمتِ النصيحةُ الرفيقةُ الشفيقة.

وبعد، فإننا ندعو الله تعالى لإخواننا السجناء بالحفظ والتثبيت وأن يجعل ما لاقوه من جراء هذا الاعتقال الظالم من عنت وشدة وحرمان في ميزان حسناتهم يوم القيامة، آمين.

لكم الله يا فتية العدل والإحسان، وللظالمين الخزيُ والصّغار، والعاقبة للمتقين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


[1] بدأ فرض الحصار في 30 دجنبر 1989. \
[2] تم اعتقال أعضاء مجلس الإرشاد في 13 يناير 1990، ولم يفرج عنهم إلا في 21 يناير 1992 بعد أن قضوا حكما ظالما بسنتين سجنا نافذتين.\