4- التعذيب وتزوير المحاضر:

على الساعة 10 من صباح يوم الخميس 07/11/19914 انتهت فترة الحراسة النظرية المزعومة -الاعتقال التحكمي- وكان طبيعيا بعدما شاب مسطرة البحث التمهيدي من خروقات وتجاوزات أن يقدم الطلبة وهم في حالة يرثى لها وآثار التعذيب بادية عليهم لا تدع مجالا لشك شاك في الأمر.

وقد عاب الطلبة على المحاضر بخصوص هذه النقطة كونها:

– أنجزت في ظروف الاعتداء عليهم بالضرب والتهديد وإخضاعهم للتعذيب.

– البعض الآخر من المحاضر وقعت تحت التعذيب ودون حتى معرفة مضامينها إذ قدمت جاهزة من ذي قبل.

– البعض منها تضمنت تصريحات لم تصدر عنهم إلا أن أغلب مراحل البحث التمهيدي انصبت على الاستفسار حول جماعة العدل والإحسان وسيرها التنظيمي وقياداتها الحركية، ومواقفها…..

– والأخطر أيضا أن بعض المحاضر تضمنت إضافة إلى تصريحات غير صادرة عن بعض الطلبة توقيعات لا تخصهم ولم تخطها أيديهم ومع ذلك نسبت إليهم.

وهي ملاحظات توحي بأساليب صناعة المحاضر المزورة، التي تختلف بحسب قدرة كل طالب على التحمل والصبر والصمود في مواجهة التعذيب إلى درجة صناعة محضر وتوقيعه ونسبته إليه.

ولئن كان التشريع المغربي قد تأخر في تقرير عدم الحجية التامة للاعتراف وليد الإكراه، فإن التحقيق فيما نعاه الطلبة على المحاضر من كونها مزورة ولا تحمل توقيعهم يدخل في أهم صلاحيات كل الجهات القضائية التي تحترم نفسها وتراعي للمواطن حرمته، وتجعل الاختصاص معقودا لها لإجراء كافة البحوث اللازمة والخبرات للوقوف على الحقيقة التي لا تضير العدالة في شيء بقدر ما هي صلب العدالة -ولكن لا حياة لمن تنادي-.

هذا إضافة إلى أن التشريعات الدولية وكذا عموم الفقه وأغلب الاجتهاد القضائي المقارن كان متفقا على بطلان المحاضر المنجزة تحت التعذيب ولا يمكن اعتبار حتى الاعتراف الصريح التام المفصل الذي كان وليد التعذيب أو مجرد التهديد، أو حامت حوله شبهة الإكراه.

ومن ناحية التشريع الحقوقي الدولي فقد نصت المادة 15 من “اتفاقية مناهضة التعذيب على أنه “تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت بأنه تم الإدلاء بها نتيجة التعذيب كدليل في أية إجراءات”

وبالمثل فإن: “إعلان مناهضة التعذيب” يصرح في مادته 12 أنه “إذا ثبت أن الإدلاء ببيان ما كان نتيجة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة، فلا يجوز اتخاذ ذلك البيان ضد الشخص المعني أو ضد أي شخص آخر في أية دعوى” وفي ذات السياق تحظر المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية “في فقرتها الثالثة” إرغام المتهم على الاعتراف بالذنب”.

وقد جاء في التعليق العام للجنة الأممية لحقوق الإنسان” اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” على المادة 7 من العهد الدولي المذكور أنه “من المهم بغية تثبيط وقوع الانتهاكات بموجب المادة 7 أن يحظر القانون اللجوء أثناء إجراءات التقاضي إلى استعمال أو الاستشهاد بالأقوال أو الاعترافات المنتزعة عن طريق التعذيب أو أية معاملة أخرى محظورة” ولعل من أهم تنصيصات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” أن قررت مادته 05 عدم جواز “إخضاع أحد للتعذيب”.

فهل المغرب بدع من المجتمع الدولي، أم أن ملف طلبة العدل والإحسان هو الاستثناء من المنظومة التشريعية الحامية لحقوق وكرامة وحرية الإنسان والمواطن في بلد كان وما يزال يتبجح باحترامه حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

ومن المفيد الإشارة إلى أنه وعلى فرض إقرار الطلبة باعترافهم لكن تحت وطأة التعذيب، وهو مستوى أدنى من تصريحهم الدائم والمتكرر في جميع مراحل الدعوى وكذا بعد انتهائها من كون الاعتراف لفق لهم وزور عليهم، فان عموم الاعتراف ولو كان صادقا ومهما كان قدره حيث كان ناتجا عن تهديد أو إكراه فانه يكون في عداد العدم، ويترتب عنه البطلان، بل إن ضابط الشرطة القضائية لا حق له حتى في إرغام المشتبه فيه على مجرد التصريح لا الاعتراف، لأن التزام الصمت والامتناع عن التصريح حق أصيل من حقوق المتهم تضمنه له قواعد المحاكمة العادلة. هذا من جهة.

أما من جهة ثانية، فإنه متى جاءت شبهة الإكراه أو تعرض المتهم للتهديد أو مجرد التخويف الناتج عن أمر أو وضعية غير قانونية كان الاعتراف باطلا.

أو ليس إذا إنجاز المسطرة بمقتضى حالة تلبّس وهمية وحرمان الطلبة من ضمانات البحث بمقتضى المسطرة العادية قرينة على شبهة الإكراه.

ثم ألا يعتبر تجاوز هذه الحراسة النظرية وخرق كل تدابير الوضع تحت هذه الحراسة -أي الاعتقال التحكمي- أكبر دليل على الإرهاب والإكراه والتخويف……؟

ثم أليس في تقديم الطلبة للنيابة العامة وحالة التعذيب بادية عليهم، ثم منازعتهم في المحاضر المزورة وطلب بعضهم التحقق من التوقيع غير الصادر عنه دليل على ما هو أكبر من التعذيب؟

بلى، دليل كاف، لا يقبل الرد، متى كان القضاء مستقلا، ونزيها وتواقا إلى الذود عن حرية المواطنين وكرامتهم.

ولعل من أهم الاجتهادات القضائية العربية في الموضوع ما ذهب إليه قضاء النقض المصري من بطلان حتى محاضر الاعتراف ولو كان صادقا وليد ضغط أو إكراه أو حالات مشابهة أو تعذيب.

وفي معرض رده على حكم بني على محاضر الشرطة، ولم يلتفت إلى دفع بصدور الاعتراف تحت الإكراه بعلة أن المتهمين لم يقدموا للمحكمة شهادة أو قرينة أو دليلا على حصول هذا الإكراه بمخافر الشرطة، أفاد بأن “الحكم لم يفطن إلى ما قررته -أي صرحت به- الطاعنة الثانية بنهاية تحقيقات النيابة العامة من وجود إصابات بظهرها نتيجة اعتداء ضابط المباحث عليها بالضرب لحملها على الاعتراف وعدم عرضها على طبيب لإثبات إصابتها دون أن تحقق المحكمة من دفاع الطاعنتين وبحث هذا الإكراه، وسببه، وعلاقته باعترافها فان الحكم يكون معيبا بالقصور” (الطعن رقم 24528 س 59 حكم جلسة 20/03/1990).

هكذا كانت محاضر الشرطة القضائية المنجزة في ملف الطلبة مختلة وقد خرقت خلالها كل القواعد المرتبطة بحقوق الأشخاص وحرياتهم وبسلامة أبدانهم.

وأمام غياب أجهزة الرقابة على عمل الشرطة القضائية أو أمرها بالتغيب انتهى مسلسل من الخروقات ليبدأ مسلسل أفظع منه يسجل في التاريخ القضائي المغربي محاكمة غير عادلة بجميع المقاييس، محاكمة كان الدفاع فيها ممنوعا!!!؟

سعيــد بــــوزردة

محام الطلبة الاثنى عشر

عضو الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان