3- خرق تدابير الوضع تحت الحراسة النظرية

عندما يتعلق الأمر ببحث تمهيدي بمقتضى حالة التلبس -على فرض أن حالة التلبس حقيقية وقانونية- وإذا تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بالسجن، فإنه يحق لضابط الشرطة القضائية إبقاء الشخص المستمع إليه تحت تدابير الحراسة النظرية إلى حين تقديمه إلى النيابة العامة.

ولما كان الأصل في الإنسان البراءة، والحرية أصل أصيل فيه، فإن الحراسة النظرية هاته قد وضع لها القانون آجالا محددة بمقتضى الفصل 82 من قانون المسطرة الجنائية، بحيث لا يمكن أن تتجاوز مدة الاحتفاظ بالمشتبه فيه لدى الضابطة القضائية ستة وتسعين ساعة (96 ساعة) إلاّ بإذن كتابي من طرف النيابة العامة بعد تقديم المشتبه فيه لديه لزوما. وفي حالة الاستثناء يمكن تمديد الفترة دون تقديم المشتبه فيه لكن بقرار معلل صادر عن النيابة العامة.

وعليه فإنه خلال نونبر 1991 كانت فترة الحراسة النظرية هي 96 ساعة، قابلة للتمديد لمدة 48 ساعة، وتصل بذلك إلى 144 ساعة. وهو صريح الفصل 82 من ق م ج “إذا كان الأمر يتعلق بجريمة أو جنحة يعاقب عليها بعقوبة السجن وكانت ضرورة البحث التمهيدي تدعو ضابط الشرطة القضائية إلى إبقاء شخص رهن إشارته أكثر من ستة وتسعين ساعة فانه يجب تقديمه لزوما إلى وكيل الدولة قبل انتهاء هذا الأجل.

بعد إنصات وكيل الدولة إلى قول الشخص المساق إليه يجوز له منح إذن كتابي بتمديد أجل إبقائه تحت الحراسة طيلة مدة ثمان وأربعين ساعة أخرى.

ويمكن بصفة استثنائية منح الإذن المذكور بموجب مقرر معلل بأسباب دون أن يساق الشخص إلى النيابة”.

ومن المثير للانتباه أن الطلبة في ملف القضية قضوا تحت تدابير الحراسة النظرية 136 ساعة بحيث تم إلقاء القبض عليهم على الساعة السادسة زوالا يوم الجمعة 01/11/1991 إلى الساعة العاشرة صباحا يوم الخميس 07/11/1991 -باستثناء حالة الطالب بلقاسم التنوري الذي اعتقل في مرحلة لاحقة- دون أن يتم تقديمهم إلى النيابة العامة بعد قضاء مدة 96 ساعة، ودون صدور أي إذن كتابي من الوكيل العام للملك، بل ودون أن يوجد ضمن وثائق الملف ذلك المقرر المعلل بأسباب التمديد المنصوص عليه في الفصل 82 من ق ج. خصوصا وأن ضابط الشرطة محرر المحاضر يشير فيه إلى أن فترة الحراسة النظرية قد حددت بالنسبة لكل متهم “لفائدة البحث بعد موافقة السيد الوكيل العام للملك”.

ففي هذه الحالة إما أن ضابط الشرطة القضائية كذب على السيد الوكيل العام، وأضاف تلك العبارة في محاضر الاستماع للتمويه فقط.

وإما أن الوكيل العام للملك بوجدة آنذاك لم يطلع على الفصل 82 من قانون المسطرة الجنائية الذي ينص صراحة على تسليم الشرطة القضائية إذنا كتابيا بتمديد الحراسة النظرية بعد أن يتم تقديم المشتبه فيه بين يديه ويستمع إليه، أو تسليمها في حالة الاستثناء وتعذر تقديم المشتبه فيه أمامه مقررا معللا بأسباب تمديد فترة الحراسة النظرية.

وقد يكون منطق التعليمات غيب العمل بكل القوانين والفصول وفي جملتها الفصل 82 أعلاه.

وتأسيسا على ما ذكر، وسواء كان الأمر يخص وجها من الوجوه سالفة الذكر فإن تدابير الحراسة النظرية قد خرقت خرقا سافرا سواءا من حيث المدة التي قضاها الطلبة أثناء البحث التمهيدي أو بالنسبة لشكليات إجراءات التمديد إن كان فعلا قد اتخذ هذا الإجراء. وبالتالي فان قضاء الطلبة مدة 136 ساعة تحت تدابير الحراسة النظرية على النحو سالف البيان يجعل اعتقالهم غير قانوني بصريح المادة 10 من الدستور المغربي، وبالتالي يعد اعتقالا تحكميا من طرف ضابط الشرطة القضائية محرر المحضر.

ومن المعلوم أن القانون الجنائي قد جرم الاعتقال التحكمي في الفصل 225 منه بقوله: إن “كل قاض أو موظف عمومي، أو أحد رجال أو مفوضي السلطة أو القوة العمومية يأمر أو يباشر بنفسه عملا تحكميا، ماسا بالحريات الشخصية أو الحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية” وهو الأمر الذي يجعل كل موظف عمومي من شاكلة ضابط الشرطة القضائية في هذا الملف لن يقدم على إجراء تحكمي من هذا النوع إلاّ إذا كانت قد قدمت له ضمانات كافية تجعله في منأى من أن يشمله متابعة وجزاء الفصل 225 من القانون الجنائي.

ومن المفيد أن نثير كون القضاء المغربي قد استقر منذ سنة 1972 على أن الإخلال بتدابير الوضع تحت الحراسة النظرية تجعل المسطرة باطلة، و منها على سبيل المثال قرار المجلس الأعلى عدد 760 الصادر بتاريخ 14 يوليوز 1972 في القضية عدد 39047 الذي جاء فيه بأنه ” يمكن أن يترتب البطلان على خرق أحكام الوضع تحت الحراسة النظرية إذا ثبت أن عدم مراعاتها جعل البحث عن الحقيقة وإثباتها مشوبين بالعيب في الجوهر” ثم توالت القرارات مؤكدة نفس المبدأ ومن أهمها القرار 157 بتاريخ 12/10/1973 القرار 1504 بتاريخ 10/10/1974، والقرار 1705 بتاريخ 16/12/1976.

وخلال سنة 1979 صدر قرار متميز عن محكمة العدل الخاصة والذي شرح معنى البطلان في القرارات السابقة للمجلس الأعلى وهو القرار رقم 723 المؤرخ في 12/04/1979 إذ جاء فيه:

“محاضر سماع المتهمين المحررة أثناء وضع تحت الحراسة النظرية منجز على وجه غير قانوني يتعين إبعادها من ملف النازلة اعتبارا لما ينص عليه الفصل 765 من قانون المسطر الجنائية”.

وجاء دور المحكمة العسكرية لتزيد من التوضيح وبيان الجزاء حالة خرق تدابير الحراسة النظرية وذلك بمقتضى حكمها عدد 1645 المؤرخ في 17/11/1980 الذي جاء فيه: ” وحيث انه بمقتضى الفصل 765 من ق م ج فإن كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأن لم ينجز.

وحيث يتجلى مما ذكر أن قدر اعتقال المتهمين تجاوز الحد المسموح به قانونا الشيء الذي يزيل عن المحضر كل صبغة قانونية، وبالتالي يتعين إبعاده من المناقشات وعدم النظر إلى ما تضمنه من معلومات.

وحيث إن حالة التلبس التي قدم بها المتهمون لم يبق لها موضوع للأسباب المذكورة آنفا مما يستوجب إطلاق سراحهم ومحاكمتهم مسرحين”.

الخلاصة إذن هي أن الاجتهاد القضائي بالمغرب قبل 1991 استقر على أن عدم احترام إجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية يجعل هذا الإجراء باطلا مما يستوجب:

– إبعاد محضر الشرطة القضائية من الملف وإزالة كل صبغة قانونية عنه.

– رفع حالة الاعتقال ومحاكمة المتهم في حالة سراح لشمول البطلان حالة التلبس كذلك.

لكن وللأسف فإن تراكمات 15 سنة من الاجتهاد القضائي بخصوص ضرورة احترام تدابير الحراسة النظرية وترتيب الجزاء عنها هوت أمام خلفيات ملف الطلبة موضوع البحث وجعلت من حالتهم استثناءا يحرم من الضمانات التي منحها القضاء عددا من المواطنين قبلهم -ويقال بأن المغاربة سواسية أمام القانون-.

وللإشارة فان عدم احترام إجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية وخصوصا في شقها المتعلق بتجاوز المدة يكون الغرض منه دائما استمرار ترهيب المحتفظ به أو تعذيبه إما للحصول منه على اعترافات تحت الضغط والإكراه وإما لتزوير المحاضر وإرغامه على توقيعها.

هكذا إذا خرقت تدابير الوضع تحت الحراسة في حق الطلبة ضدا على القانون ودون أن تمارس أيّة رقابة للقانون.

سعيــد بــــوزردة

محام الطلبة الاثنى عشر

عضو الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان