2- خرق القواعد المنظمة لحالة التلبس

ذلك أن المسطرة أمام الضابطة بنيت على حالة التلبس، وأنجزت بمقتضاها.

ومعلوم أن المساطر في هذه الحالة تؤسس على وقائع وحالات حددها مشرع المسطرة الجنائية المغربي على سبيل الحصر، اعتبارا على أن التلبس كما ذهب إليه أغلب الفقه هو “حالة تتعلق باكتشاف الجريمة لا بأركانها القانونية، وتعتمد إما على مشاهدتها وقت ارتكابها أو بعده بوقت يسير، فالمشاهدة الفعلية للجريمة أو التقارب الزمني بين كشفها ووقوعها هو مناط حالة التلبس “الدكتور فتحي سرور” وهو نفس الاتجاه الذي ذهبت إليه المسطرة الجنائية في الفصل 58 بقولها:

“يعتبر التلبس بالجناية أو الجنحة في إحدى الأحوال التالية:

أولا: في حالة إنجاز الفعل أو على اثر إنجازه.

ثانيا: في حالة ما إذا كان الفاعل مطاردا بصياح الجمهور.

ثالثا: في حالة إذا وجد المجرم بعد مرور زمن قصير على ارتكاب فعلته حاملا أسلحة أو أشياء يستدل منها على أنه شارك في الفعل الإجرامي أو وجدت عليه آثار أو أمارات تثبت مشاركته…..”

وعليه فإن أهم خاصية من خاصيات قيام حالة التلبس هو الاعتماد على المظاهر الخارجية التي تبدو لضابط الشرطة القضائية شخصيا، إما بمشاهدة الركن المادي للجريمة وقت مباشرتها أو برؤيته ما يكشف عن وقوعها منذ برهة يسيرة.

فمجرد الأدلة القولية في التشريع الجنائي المغربي غير كافية لإثبات حالة التلبس، لأنها ليست مظاهر خارجية لضابط الشرطة القضائية مرتبطة بمعاينة الجريمة، لإسماع شخص مرتكبها، أو من شاهدها من دونه.

وبالرجوع إلى وثائق الملف وخصوصا محاضر الشرطة القضائية نجدها قد بنيت على حالة التلبس، والتلبس فقط مع العلم أن الطلبة الإثنى عشر خصوصا القي عليهم القبض من مقرات سكنهم دون أن يقوم أي دليل على معاينة ضابط الشرطة القضائية لهم بمسرح الجريمة أثناء مباشرتها، أو وجود ما يدل على ارتكابهم إياّها بعد برهة يسيرة.

بل وصل الأمر إلى حد إلقاء القبض على البعض الآخر من خارج مدينة وجدة بمقتضى حالة التلبس، ودون أن تثبت مشاركتهم، متى تثبت قيام الآخرين بالفعل الرئيسي.

عندما نتحدث عن حالة التلبس وعن ضرورة توفر شروطها فلأنها حالة تباشر خلالها مسطرة البحث التمهيدي مع تضييق بخصوص ضمانات حرية الأشخاص، التي يخولها لهم إجراء البحث التمهيدي، وهم أحرار طلقاء خارج إطار الحراسة النظرية.

ومن المعلوم أنه من المبادئ الراسخة في الإجراءات الجنائية، أن الأحكام المنظمة لحقوق الدفاع، تعتبر من الإجراءات الجوهرية التي يترتب عن الإخلال بها جزاء البطلان.

ومن أهم مقدمات حقوق الدفاع أن للمشتبه فيه حريته الشخصية التي لا تنتهك باعتباره مواطنا، وهو ما جعل الدستور المغربي ينص صراحة على ضمان هذه الحرية في مادته العاشرة بقوله “لا يلقى القبض على أحد، ولا يعتقل ولا يعاقب إلاّ في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون”.

وعليه فإنه لا يلقى القبض على مشتبه فيه بمقتضى حالة التلبس إلا في الأحوال وحسب الإجراءت المنصوص عليها في الفصل 58 من قانون المسطرة الجنائية وذلك تحت طائلة البطلان وهو نفس الجزاء الذي استقر على إقراره القضاء الجنائي المغربي مسايرا بذلك أغلب الاجتهاد القضائي العربي.

ومن أهم القرارات في الموضوع قرار المجلس الأعلى مؤرخ في 12/04/1979 جاء فيه:

“يتعرض للنقض حكم المحكمة التي اعتمدت في قضائها بالإدانة -وبناءا على محاضر الشرطة القضائية- والحال أن محضر الضابطة القضائية لم يشر بتاتا إلى معاينة المتهمين وهما في حالة التلبس بالجريمة بمفهوم الفصل 58 من قانون المسطرة الجنائية”.

ومن أهم الأحكام المتعلقة بحالة التلبس تلك الصادرة عن القضاء المصري بخصوص المادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية المصرية التي يعتبر الفصل 58 من قانون المسطرة الجنائية الغربية نسخة طبق الأصل منها-.

إذ جاء في أحدها أنه “من المقرر في قضاء هذه المحكمة -محكمة النقض المصرية- أن حالة التلبس تستوجب أن يتحقق مأمور الضبط القضائي من قيام الجريمة بمشاهدتها بنفسه أو بإدراكها بحاسة من حواسه، ولا يغنيه عن ذلك تلقي نبأها عن طريق الرواية أو النقل من الغير شاهدا كان أم متهما يقر على نفسه، ما دام هو لم يشاهدها”.

(الطعن رقم 15340 لسنة 59 ق. جلسة حكم 11/2/1990).

وجاء في قرار آخر يعتبر من أهم اجتهادات المحاكم العربية بخصوص حالة التلبس أنه:

“ولما كان ذلك، وكان من المقرر أنه لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حرية الناس وإلقاء القبض عليهم بدون وجه حق.

ولما كان من المقرر أيضا أن التلبس حالة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها، وكان مؤدى الواقعة حسبما أوردها الحكم ليس فيه ما يدل على أن أيا من الطاعنتين قد شوهدت في حالة من حالات التلبس المثبتة حصرا بالمادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية (المقابلة للفصل 58 من قانون المسطرة الجنائية المغربية قبل التعديل).

ومن تَمَّ يكون ما ورد به الحكم على الدفع ببطلان القبض معيبا بالخطأ في تطبيق القانون حجبه عن تقدير أدلة الدعوى ومنها اعتراف الطاعنتين اثر هذا القبض الباطل، ولا يغني عن ذلك ما ذكره الحكم من أدلة أخرى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يشد بعضها بعضا، ومنها مجتمعة تكون عقيدة القاضي بحيث إذا سقط إحداها أو استبعد تعذر التعرف على مبلغ الأثر الذي كان لهذا الدليل في الرأي الذي انتهت إليه المحكمة، مما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه والإحالة بغير حاجة إلى بحث سائر أوجه الطعن” (الطعن رقم 8379 لسنة 58 ق. حكم جلسة 29/10/1990).

فعندما نريد لمجتمع أن ينعم بحقوقه الأساسية وحرية أفراده وكرامتهم فان العدالة به لا يضيرها إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حرية الناس وإلقاء القبض عليهم بدون وجه حق.

وعندما نريد لمجتمع أن يرضخ تحت تعليمات مخزنية، فإنه لا يمكن اعتبار أية حرية أو كرامة يمكن أن تصان لشخص المواطن ومن أمثلتها الصارخة حالة طلبة العدل والإحسان في هذا الملف.

فعملا بالمادة 10 من الدستور وكذا الفصل 58 من قانون المسطرة الجنائية واستحضارا للاجتهاد القضائي المغربي وما سارت عليه اجتهادات مقارنة بخصوص حالة التلبس.

ولما كان من الثابت أن إلقاء القبض على الطلبة قد تم خارج إطار حالة التلبس رغم نسبته إليها، فإنه يكون اعتقالا خارج إطار القانون بالشكل الذي تعارفت عليه المواثيق الدولية في هذا الباب بحيث نصت المادة 19 في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه “لا يجوز القبض على أحد أو اعتقاله تعسفيا” وأنه أيضا “لا يجوز حرمان أحد من حريته إلاّ لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراءات المقررة فيه”، وأيضا تنص المادة 09 منه على عدم جواز تعرض احد للقبض عليه أو الاحتجاز تعسفيا.

وتأسيسا عليه، فإن البحث التمهيدي الذي باشرته الشرطة القضائية بناءا على هذا الاعتقال غير القانوني كان باطلا، ليتم التساؤل مرة أخرى عن صاحب المصلحة ومباشرة المسطرة بهذا الشكل مع ما صاحب ذلك من تقليص في حق الدفاع.

سعيــد بــــوزردة

محام الطلبة الاثنى عشر

عضو الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان