اقتضت مشيئة الله تعالى أن يفطر الخليقة على سنن، لا تستقيم الحياة بدونها، جاء ذكرها في أكثر من موضع قرآني، منها قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وقوله تبارك وتعالى أيضا: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً، وغيرها من سنن الله تعالى المتعلقة بالإنسان والكون والحياة، وهي كثيرة ومتنوعة، منها سنة التغيير، وسنة الفتنة والابتلاء، وسنة التدافع، وسنة النصر والتمكين، وسنة هلاك الظالمين. وقد أمرنا الله تعالى أن ننظر ونقرأ كل ما يجري في حياتنا، ونفوسنا وحولنا في ضوء هذه السنن المقدرة والمقررة، قال الله تعالى: سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، وقال أيضا: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً. فالاكتفاء بالنظر إلى ما يجري في واقعنا وتاريخنا نظرة سطحية لن يسعفنا في استخلاص الدروس والعبر، ولا معرفة حقيقة الوقائع، ولا أبعادها، ولا آثارها، وهو على كل حال نظر قاصر غير صائب ولا متأن. وبناء على هذا فإنني سأحاول أن أتحدث عما تعرضنا له من اعتداء واعتقال قارب العقدين من الزمن في ضوء هذه السنن الربانية، وبالأخص سنة التدافع التي أشار الله تعالى إليها في كتابه الحكيم، فقال تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

صورة التدافع وطبيعته

إن سنة التدافع هي سنة تنبني على أسباب ومسببات، والتدافع فيها ينشأ بين طرفين:

ـ أولهما: هو مصدر الظلم والاستبداد والإفساد في الأرض، وهو، في حالتنا المغربية، وفي يومنا هذا، النظام المخزني، وسدنته المنتفعين بفساده وإفساده. فالمخزن، كما ينطق بذلك الواقع، وتشهد به وسائل الإعلام المختلفة، وتقارير المنظمات الحقوقية المتعددة، قد أمعن في ارتكاب أنواع وأشكال من الاعتداءات المقززة، والظلم الفظيع في حق الشعب المغربي الأبي. كما سعى إلى اضطهاد كل الحركات الجادة الغيورة على وطنها، وفي مقدمتها العدل والإحسان التي بالغ في إيذاء رجالها ونسائها، تارة بالزور والبهتان، والقذف والتشويه، وتارة بالتعذيب والحصار والاعتقال، وغيرها من صور القمع والطغيان.

ـ والطرف الثاني: وهو مصدر لكل خير، و أمل الأمة ومستقبلها، فهو كل معارض للظلم والاستبداد، مطالب باحترام دين الأمة وهويتها، مناصر لقيم العدل والحرية والكرامة. وبحسب شهادة الواقع فإن أبناء العدل والإحسان يقفون في الصف الأول لهذا الفريق، ونحن أيضا بما تعرضنا له من ظلم وأذى واعتقال دام ثمان عشرة سنة ننتمي إلى هذا الطرف المظلوم بسبب مبادئه ومواقفه ومطالبه، إذ لا نعدو أن نكون مشهدا من مشاهد الاضطهاد الذي تتعرض له العدل والإحسان في شخص رجالها ونسائها الذين يقابلون ما يتعرضون له من سوء وأذى بالتحمل والصبر والاحتساب والثبات، لا يتنازلون ولا يتراجعون، مستحضرين مواساة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأتباعه: صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، ومتعظين بسير أهل العزيمة والصبر التي جاءت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: “كان الرجل من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب، ولينصرن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.

وهذا التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين المصلحين والمفسدين، وبين المخزن ومعارضيه، وبالأخص العدل والإحسان لا يكتفي فيه المخزن بالقمع والقوة والإرهاب فحسب، بل إنه يعمد فيه إلى الأساليب المشينة من تشويه وإغراء وغواية جهارا نهارا دون خجل ولا حياء. هذه هي الصورة الواقعية لجزء من التدافع الحاصل في مغرب اليوم، ولعل صمودنا وثباتنا داخل زنازن مغرب الحرية والديمقراطية كما يزعمون، بعد كل هذه السنوات الطويلة من الاعتقال التي أراد الله تعالى أن تكون ثمنا ندفعه ونسدده بين يدي النصر والتمكين، هو بمثابة رسالة ناطقة وصورة حية تعكس طبيعة هذا التدافع وأهله وأحواله ومآله.

مآل التدافع ومصيره

هذا عن واقع التدافع في مغرب اليوم، أما مغرب الغد، فهو مغرب آخر، مغرب ينتهي فيه هذا التدافع بغلبة أهل الحق والإيمان والعدل على الباطل والظلم والاستبداد. هذه هي النتيجة الطبيعية التي أقرها القرآن الكريم بوضوح لا يدع مجالا لأي التباس، إذ بين أن المصير المحتوم للظلم والظالمين هو الهلاك والزوال، فقال تعالى: هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ، وقال عز وجل: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ، وقال تعالى أيضا: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً، وغيرها كثير، وكلها آيات يقص الله تعالى علينا فيها سنته الثابتة التي تبين أن التدافع بين الحق والباطل سيحسم لصالح الحق وأهله، وأن الاستبداد، وهو من أشد أنواع الظلم والباطل لما فيه من الاستخفاف بالناس، واستعبادهم، مآله الأفول إن لم يحاسب أصحابه ذواتهم، ويتوبوا قبل فوات الأوان.

وإن ما نراه اليوم من تماد في الظلم واستمرارية للطغيان وإيذاء للصالحين في بلدنا العزيز، وفي كل البلاد العربية والإسلامية التي تتلظى بنار القهر والاستبداد لا يعني أبدا، وما ينبغي أن يفهم ذلك، أن هذه السنة قد تتعطل، أو تكون موضع تساؤل وريبة وشك، فتتسرب إلى نفوسنا بذور اليأس والهزيمة النفسية التي تجعل صاحبها يستسلم للواقع ويخضع له بعد استدلاله بأسباب وتفسيرات واهية يبرر بها يأسه وفشله وقعوده، و قد يصبح تحت تأثير هذا الفشل والانسحاب من أنصار الظلمة الذين يمنحون المشروعية للاستبداد ويزينون قبائحه. بل إنما هو إمهال من الله تعالى ليمتحن المؤمنين، ويميز الخبيث من الطيب، وليعطي للظلمة ما يكفي من الزمن للتوبة والرجوع إلى جادة الصواب، وليس إهمالا، والإمهال في حد ذاته سنة من سنن الله تعالى ينبغي فقهها حتى نكون قادرين على استيعاب الواقع، وتحمله، والصبر عليه، وعدم استعجال الثمار والنتائج، وفي هذا الشأن يقول الله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ. لقد أمهلهم الله تعالى وقتا كافيا ليحاسبوا أنفسهم، ويرجعوا إلى الله، لكنهم لما بغوا أخذهم أخذا، فكيف كان عقاب، مما يدل على حدة العقاب وفظاعته.

هذا هو مصير الظلم ومآله وفقا لسنن الله تعالى التي لا تحيد، أما المؤمنون المصلحون فقد كتب الله تعالى لهم العاقبة، والعزة والنصر والتمكين، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

فالظلم الذي تعرضنا له، وما شابه من تلفيق للتهم، وإيداع بالسجن، وما تلاه من تعسف واعتداء هو حلقة من حلقات هذا التدافع الذي شاء الله تعالى أن نكون ضمن عناصره، ليكون لنا الشرف في المساهمة في صناعة نتائجه الحتمية تبعا لنفاذ الوعد الرباني القاضي بالنصر والتمكين لأهل الحق، الصابرين المحتسبين القائمين، المخاطبين بقوله تعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ، وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء، وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. فضلا عما في هذا الابتلاء من حكم وأسرار، واختبار لنا أن كون مع الحق صابرين صامدين قائمين، أم نتراجع نادمين خائفين، وإلا فإن الله تعالى غني عنا وعن جهادنا، ولو شاء لانتصر لنا دون أن نحتاج إلى كل هذا العناء والألم، فهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ

البناء والتغيير مهمة كل أبناء الأمة

في الآية السالفة إشارة مهمة ينبغي أن تجعلنا واعين تمام الوعي بماهية سنة التدافع ومقتضياتها، فنصر الله لنا وعد إلهي، وسنة ثابتة لا تتبدل، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، لكن مشيئة الله تعالى أرادت أن يتحقق هذا النصر وفق سنته، من خلال المبادرة والإقدام، والأخذ بالأسباب دون أي تقصير، ولا عنف ولا اعتداء. وكل أبناء الأمة هم معنيون بالمساهمة في هذا التغيير والمشاركة في هذا البناء، ولا يجوز للأمة أن تتفرج على الظالمين وهم يعيثون في الأرض فسادا، وننتظر أن تتحقق هذه السنن وما تتضمنه من تمكين واستخلاف، إنما تنبني هذه السنن على مقدمات تليها نتائج، وهذه المقدمات هي فعلنا نحن جميعا، ماذا قدمنا وما أخرنا، كلنا معنيون، كل أبناء أمتنا المؤمنين برسالة الإسلام، الغيورين على بلدانهم ورسالتهم. هل ننتظر أن تنزل علينا هذه السنة من السماء، إنها ليست سنة خارقة، بل هي سنة جارية الفضلاء وشرفاء وأحرار هذه الأمة هم أطرافها ومقوماتها. كيف سيقضى على الظلم والاستبداد إذا انسحبنا جميعا من ساحة المعركة.

إن النظرة السلبية لهذا التدافع، والعقلية الانهزامية الاتكالية التي تنتظر غيرها أن يفعل وهي لا تفعل، وتطلب من غيرها أن يضحي وينتصر وهي تتفرج وكأنها غير معنية هي نظرة مرفوضة، يجب أن تقاوم، ويجب أن تغير، وصدق الله العظيم القائل: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.

إن الله قد جعل أمتنا المسلمة خير أمة أخرجت للناس متى أدت الرسالة المنوطة بها، متى سمت المعروف معروفا وأمرت به، وسمت المنكر منكرا ونهت عنه، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ.

فلنساهم جميعا في هذا التغيير، ولنكن في خندق واحد في صف أهل الحق، ذاتا واحدة قوية نقاوم الظلم، وما حل بنا من مآسي وإرهاب سياسي وظلم اجتماعي، ونساهم في البناء، وندافع عن أنفسنا وحقوقنا المشروعة المهضومة، لنشيد سويا مجتمعا أخويا أسه المحبة والعدل والحرية والكرامة.

وإلا ففيما ينفع ندب حظنا، والتنديد بواقعنا، ورجاء تغيير ما أصابنا إن لم يتبع ذلك عمل وتعاون وصمود ومقاومة. فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً

حرر بفاس في الزنزانة رقم: 5.

مصطفى حسيني: أحد معتقلي العدل والإحسان المحكومين بعشرين سنة سجنا نافذا ظلما وعدوانا.