في فاتح نونبر 2005 يكون طلبة العدل والإحسان الإثنا عشر قد قضوا وراء قضبان الظلم أربع عشرة سنة، من غير جرم ارتكبوه ولا ذنب اقترفوه ولا قانون خالفوه.

فقط، لأنهم قاموا وسط الطلاب فقالوا ربنا رب السماوات والأرض.

فقط، لأنهم اختاروا منهاج النبوة واصطفوا مع جند الله.

فقط، لأنهم فتية العدل والإحسان.

إنها، في عرف المخزن المغربي الجبري، “تهم” خطيرة تمس أمن الدولة، وتزحزح استقرار المجتمع، وتقض مضجع الإيديولوجية الثورية السيدة. الأمر الذي احتاج من ساسة الدولة -المفلسون أخلاقيا ومعرفيا وسياسيا- الضرب بقوة على يد من “كفر” بكل هذه “النعم”.

فأُحبكت التهم الجاهزة، وزُورت المحاضر المطبوخة، وانتصب القضاء “النزيه”، وأُصدرت الأحكام القاسية، قساوة قلوب أعرابية سوداء، بالسجن لمدة عشرين سنة نافدة في حق طلبة العدل والإحسان.

1- من هم؟ .. “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”

شباب في مقتبل العمر، في أواسط العشرينيات، في أشد ما تكون زهرة الحياة انفتاحا. تترائى أمام أعينهم مطامح جليلة وآفاق جميلة وآمالا سامية، وترتسم في مخيلتهم صور الوفاء ورد الجميل، الأم الحنون التي حملت وربت، الأب المهيب الذي كل وتعب، الإخوة الذين شاركوا براءة الطفولة، والأصدقاء الذين ابتدأت معهم مسيرة الحياة، كل هؤلاء كيف خدمتهم وتقديم عوض عن بدلهم وتضحياتهم.

هكذا كان تفكير هؤلاء الشباب، فولجوا الجامعة مقبلين على طلب المعرفة والعلم يحدوهم التفوق العلمي، غير أنهم حملوا معهم هما آخر أكبر وأقوى وهو هم لقاء الله كيف يكون؟ وهم “خير أمة أخرجت للناس” كيف إخراجها من حالتها الراهنة الغثائية إلى موقع العزة والرسالة التي اختصها الله بها؟.

كانوا يرسمون بنقاشهم ورؤاهم الفطرية صورا جميلة عن المستقبل، المستقبل الفردي المبني على الجد والاجتهاد وتحسين أوضاع العائلة، والمصير الجماعي لشعب يئن من سلطان القهر ويرزح تحت كلكل الفقر.

انخرطوا في سلك الجامعة، يمشون بنور الرسالة وسط الطلاب تجددا للإيمان وخطابا للفطرة الكامنة، التي ران عليها إلحاد الإيديولوجية الماركسية، بأن الله حق والإسلام صدق والآخرة وعد غير مكذوب.

يطرقون باب العقل السليم بمنطق الإقناع القرآني وفقه المنهاج النبوي، ليدرك أن الدنيا والآخرة لا يتعارضان والعقل والقلب يتكاملان، والإسلام دين الله إلى الإنسان أجاب عن أسئلته الكبرى المصيرية ولبى احتياجاته اليومية الأساسية، فإن كان من خلل ففي الإنسان موطن النقص ومعدن الضعف.

إنهم فتية الإيمان، آمنوا بربهم وأخلصوا له الوجهة، باعوا النفس لله وعقدوا صفقة التجارة الرابحة مع الله، فزادهم الله إيمانا ونورا وهدى، وصدق الله العظيم إذ يقول: إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى.

إنهم فتية العدل والإحسان، تخرجوا من مدرسة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، تلقوا معاني الإيمان وطلب الكمال وبنوا شخصياتهم على أسس الرجولة والتضحية.

2- الاعتقال .. قالوا “رب السجن أحب”

من سنة الله تعالى أن يبتلي عباده ليعرف الصادق من غيره، وليميز الطيب الأصيل من الخبيث الدخيل، فالابتلاء سنة ماضية في وراث وإخوان الأنبياء. يرفع الله به الصادقين درجات، إذ الابتلاء تأهيل.

في بداية التسعينات من القرن الماضي كانت ساحة الفعل السياسي “الرسمي” قد خلت إلا من شخص الملك، وخطب الملك، ومبادارت الملك، وإرادات الملك، ومتمنيات الملك. آنذاك كانت المعارضة التقليدية قد فاوضت واختارت الموقع المريح المتير والموقف “العقلاني” المستنير، بعدما أعيتها جولات التطاحن مع آلة القمع المخزني، وصدق الدكتور مصطفى السباعي في قوله كل مبدإ نبيل لا يرتبط بالدين لا يلبث أن يصبح مبدأ غير نبيل).

خلت ساحة المعارضة إذا، وخبى صوت “لا”، وضَمُر معنى الفعل السياسي المعارض للاختيارات الفردية لدولة المخزن، إلا من تيارات قليلة في مقدمتها جماعة العدل والإحسان.

كانت الحركة الإسلامية في المغرب، وعلى رأسها دعوة العدل والإحسان، في تقدم كبير واتساع مطرد، تنور القلوب وتحرر العقول وتفتح البيوت. فأراد مخزن الجبر أن يعرقل مسيرة تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، أراد أن يمنع ويقمع ويسجن فكان أن اعتقل طلبة العدل والإحسان، ضانا أنه بذلك سيبتز قيادة راشدة ويخيف قاعدة صادقة.

قدر المخزن البليد، وبئس ما قدر، أن التهديد بالسجن في حق الأبناء سيرغم الرجال عن التنازل عن المواقف أو تليين خطاب الصدق الذي ميز مسيرة العدل والإحسان في وجه الظالم.

فكر المخزن البئيس، وخاب ما فكر، بأن الاعتقال سيخيف أقواما ويمنع حركات وأنشطة داخل فضاء الجامعة وفي ساحة المجتمع، متناسيا أن دعوة الحق كالماء الذي يدفع عن نفسه، بل إن الله يدافع عن الذين آمنوا

رفض الإخوة الإثنا عشر -كما رفض مجلس الإرشاد- أن يكونوا ورقة ابتزاز وآلة ضغط على الجماعة من أجل إصباغ المشروعية على حكم الظلم. واختاروا الرجولة والتضحية التي هي عنوان الطريق إلى الله، اختاروا الإباء على أن يعطوا الدنية من دينهم ولسان حالهم يقول “رب السجن أحب”.

3- وكم من محنة .. “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”

لله في تدبيره أسرار وحكم، حيث اليسر مع العسر والفرج مع الكرب والنعمة مع النقمة، وكم من محنة في أصلها منحة لأن ربنا ما يفعل إلا خيرا.

أرادها النظام المخزني ورقة ضاغطة غير أن حساباته كانت الخسارات نتائجها، وارتد المكر على أصحابه، ودارت الدائرة عليهم، وانقلب السحر على الساحر.

رضي الطلبة بقضاء الله واحتسبوا أمرهم له، بل استطاعوا أن يتحَدَّوا الواقع الصعب للسجن فاستكملوا مسيرتهم العلمية في تفوق ملفت وريادة في مجالاتهم التخصصية، وهو ما استدعى أحمد الصبار رئيس منتدى الإنصاف والمصالحة إلى اعتبار هذا المعطى كافيا لإطلاق سراحهم (أسبوعية المشعل عدد 48). بل تفضل الله عليهم جميعا بحفظ كتابه، وأنعم بها من نعمة أن يحملوا نور الله في الصدور، فهم خيرنا بنص الحديث “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” وقريبا إن شاء الله سيخرجون ليعلموا.

أنوار في القلب وعلوم في العقل، هكذا هم أحبابنا الإثني عشر. فهم طاقات مدخرة لمستقبل الإسلام، ويوم التمكين، وساعة النصر.

ومن جميل لطف الله وصنعه سبحانه، أن سرعان ما كان الاعتقال بردا وطمأنينة على أهال إخواننا ووالديهم. صعب أن تننزع من بين جنبك فلذة كبدك، وقاس أن ينزل عليك خبر سجن الأخ لمدة عشرين سنة. لكن معادن الناس تعرف في الشدائد، وبحمد الله تبنت العائلات مواقف أبنائهم ودافعت عن مظلوميتهم بل اقتنعت بمشروعهم وسلامة ما يحملونه لأبناء هذا الشعب. كيف لا وقد عايشوهم وخبروا منهم صدق القول ورصين السلوك، ومن يطلع على سيرة هذه العائلات يقف على حقيقة هذا القول، ودونه الشريط الوثائقي الخاص بالطلبة المعتقلين والذي أدلى فيه بعض آبائهم وأمهاتهم بمواقف رجولية قمة في الدلالة على احتساب الأمر إلى الله.

أما الدعوة التي من أجلها اعتقل هؤلاء الأبرياء، فلا تزداد بحمد الله شعبيتها إلا اتساعا، وخطابها إلا قبولا، ومشروعها إلا اكتمالا، ورجالها إلا يقينا.

أراد المخزن وأراد الله، وما كانت إلا إرادة الله سبحانه يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين وصدق رب العزة إذ يقول: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ويقول تعالت عظمته: وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا

خير كثير أيها الأسياد المعتقلين أن ننتسب إليكم، وتدافع هذه الكلمات عن مظلوميتكم.

خير كثير أيها الأحباب أن ننتسب وإياكم إلى منهاج النبوة في جماعة العدل والإحسان.

خير كثير أيها الإخوان أن ننتسب إلى سيد المجاهدين عليه صلاة وسلام الله.

هنيئا لكم بكل شيء، هنيئا لكم بالصبر، هنيئا لكم بالاصطفاء، هنيئا لكم بالعلم، وهنيئا لكم بالقرآن.

خاب وتعس من ظلمكم، وخسر وهان من أهانكم، وخزي وخُذل من سجنكم.

وقد آن لهذا الظلم أن يرتفع، وآن لهذا السجن أن ينقضي، قال الله تعالى: ويرونه بعيدا ونراه قريبا صدق الله العظيم.

شكر الله لكم أحبابنا إباءكم وعطاءكم، وعذرا بين يدي جهادكم.