مرة أخرى يستثنى معتقلون سياسيون من العفو الملكي الخاص، من ضمنهم طلبة العدل والإحسان الإثنا عشر، فبعد أن استثنوا سنة 1994 وسنة 1998 يستثنون من جديد في 07 يناير 2004 بعد أن أطلق سراح ثلاثة وثلاثين معتقلا، جلهم معتقلون سياسيون سبق أن صدرت في حقهم أحكام تتراوح بين السنة والنصف حبسا والسجن مدى الحياة.

وإذا كان الدستور في فصله الرابع والثلاثين يخول لملك البلاد حق العفو دون قيد أو شرط، فإن ذلك لا يمنع الغيورين على حقوق الإنسان بهذا البلد من التساؤل عن أسباب الاستثناء من العفو.

ولنا أن نفترض بعض المعايير المعتبرة في العفو الملكي الأخير، اعتمادا على ما تداولته بعض وسائل الإعلام، وما راج بين بعض المتتبعين، لنرى هل يستجيب معتقلو العدل والإحسان لتلك المعايير أم لا.

تحدث بعض المتتبعين عن معيار تقديم طلب العفو، ولعل وزير العدل أكد ذلك في الندوة الصحفية التي عقدها بعد الإعلان عن الخبر، إذ تحدث عن طلبات للعفو تقدم بها المعتقلون أو ذووهم أو أصدقاؤهم.

في هذا الصدد من الضروري التأكيد على أن الدستور لا يقرن العفو الملكي بطلب العفو، وفي حال إقرار العرف لذلك، فإن مصادر موثوقة من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وبتحديد أكثر من بين اللجنة التي اشتغلت على الملف وقدمت مشروع لائحة المعفى عنهم، تؤكد احتواء اللائحة التي تقدموا بها إلى الملك على أسماء معتقلي العدل والإحسان وبعض المعتقلين السياسيين الآخرين. ولنا أن نتساءل ألاَ يعتبر ذلك تقديما لطلب العفو، لم يتقدم به شخص أو أشخاص، ولكن تقدمت به هيئة حقوقية دستورية.

وهناك من تحدث عن معيار مدة الاعتقال بالمقارنة مع المدة المحكوم بها، إذ ينبغي على المشمول بالعفو أن يكون قد قضى مدة في السجن كفيلة بردعه، إلا أننا نجد من بين المعفى عنهم من لم يتعدى حبسه عشرة أشهر من عقوبة حبسية مدتها عشر سنوات، في الوقت الذي يستثنى فيه طلبة العدل والإحسان الإثنا عشر المحكوم عليهم بعشرين سنة سجنا، وقد قضوا حوالي ثلاثة عشر سنة وراء القضبان!

وبعض المهتمين أشاروا إلى معيار حسن سلوك المعتقلين، وفي هذا الصدد يشهد كل من تتبع مسار معتقلي العدل والإحسان على حسن سيرتهم، وعلى اتصافهم بكل الأخلاق الحميدة، وكيف لا وهم ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان التي ما فتئت تؤكد على ضرورة التربية قبل كل شيء، والتربية مع كل شيء، والتربية بعد كل شيء. ولعل ما بلغوه من درجات علمية يؤكد ذلك (شهادة الدكتوراة أو التحضير لها).

وقد يتبادر إلى الذهن أن سبب الاستثناء يكمن في تلك الجناية التي لفقت للطلبة المعتقلين، جناية القتل العمد، مع أن كل متحري لملابسات اعتقالهم سيقف على حقيقة التزوير والإجحاف الذي لحقهم سواء قبل المحاكمة أو أثناءها أو بعدها، وقد أكد المعتقلون من خلال تصريحاتهم أمام المحكمة ومن خلال بياناتهم ومقالاتهم أنهم أبرياء من تلك التهمة التي نسبت إليهم، ونفس الأمر أكده بعض الحقوقيين وهيئة الدفاع وكل من تتبع قضيتهم. وفي حال تسليمنا بهذا المعيار، أي عدم التورط في جناية القتل العمد، فإن الأمر لا يستقيم إذا علمنا أن من بين من أعفي عنهم من نسبت له جناية القتل العمد، ومن بينهم من نسبت لهم جناية تكوين عصابة إجرامية وإلحاق ضرر بأملاك الدولة والحريق العمدي..

وقد يكون من معايير العفو ما عرفته بعض المحاكمات من خروقات، ولا يسع المرء المتتبع إلا تأكيد هذه الخروقات، وبالجملة في حق طلبة العدل والإحسان، حيث عذبوا في مخافر الشرطة، وزورت في حقهم محاضر الضابطة القضائية، وتجاوزت حراستهم النظرية المدة المسموح بها قانونا، ولم تستجب هيئة المحكمة للكثير من دفوعات المحامين، وحكم عليهم بحكم قاسي جدا في غياب أدلة إثبات وقرائن واضحة..

إن مناقشة هذه المعايير لا لشيء إلا للتأكيد على توفر المعايير المفترضة للعفو في معتقلي العدل والإحسان، وإن كان هناك من سبب للاستثناء فهو سبب سياسي، يرتبط بجماعة العدل والإحسان، وبمشروعها التغييري. ولعل استثناء الأستاذ محمد عبادي عضو مجلس الإرشاد الذي حكم عليه ابتدائيا بسنـتين حبسا بصفته مشاركا في تهمة المس بالمقدسات، في الوقت الذي شمل فيه العفو الصحافيين المتابعين في نفس قضيته بمن فيهم المتهم الأصلي رئيس تحرير الجريدة يؤكد السبب السياسي للاستثناء.

ففي الوقت الذي تمد فيه الجماعة يدها للجميع من أجل إعادة الثقة ولم الشتات، والاجتماع على ميثاق جامع، من أجل مستقبل أفضل لهذا الوطن. في هذا الوقت بالذات تفضل الدولة خيار حصار الجماعة والتضييق عليها، من خلال إبقاء المعتقلين القدامى على حالتهم، وإضافة معتقلين جدد، ومحاصرة إعلام الجماعة وجمعياتها، والتضييق على منتدياتها ومبادراتها. وتواجه الجماعة كل ذلك بتريث وصبر، مع العلم أن أي توتر حاد بين الجماعة والحكم لا يخدم مصلحة البلاد من قريب أو بعيد، وعلى كل غيور على هذا الوطن أن يناضل ضد ذلك التعامل الانتقائي أو بالأحرى الإقصائي ضد جماعة العدل والإحسان.

بقي في الأخير أن أشير إلى أن ملف حقوق الإنسان بالمغرب، وبعيدا عن الحالة الاستثنائية للجماعة، لا زال مليئا بنقاط سوداء أخرى. فلا زال هناك هدر يومي بوسائل متعددة وبأشكال مختلفة لحقوق المواطن الاقتصادية والاجتماعية. ولازال هناك التضييق على الكثير من الجمعيات والمنتديات المستقلة عن الدولة، جمعية الدفاع عن استقلالية القضاء نموذجا. ولا زال هناك معتقلون سياسيون وراء القضبان كمعتقلي العدل والإحسان، وبعض معتقلي الشبيبة الإسلامية (أحمد شهيد، أحمد الشايب) … ولا زلنا لم نعرف بعد المصير الاجتماعي للمعفى عنهم. وملف ما سمي بالسلفية الجهادية مليء بالخروقات بشهادة جمعيات حقوقية محلية ودولية. وقانون الإرهاب يوسع دائرة الاتهام، ويضيق مجال الضمانات. والمعطلون تطاردهم في كل أسبوع هراوة المخزن لتمنعهم من حقهم في التعبير، بعد أن منعوا من حقهم في الشغل. والمحاكمات الصورية لنشطاء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لا زالت مستمرة. والتجسس على المكالمات لا يستثنى منه أحد. وشعور المواطن العادي بـ”الحكرة” لا يفارقه خاصة عند قضاء مصالحه الإدارية…

هذه وغيرها نقط سوداء في ملف حقوق الإنسان، لا يفيد في تغييرها الكلام المنمق، أو المبادرة الانفرادية من جهة أو أخرى، ولكن دونها الإرادة الصادقة، والعمل الدؤوب الذي يشارك فيه الجميع من أجل الجميع.