رغم تعدد مشاكل الأمة العربية والإسلامية، وكثرة آلامها وجراحها ومآسيها في هذه المرحلة التي تكالبت عليها جميع الأمم، فإن للمسجد الأقصى مكانا أسمى في قلوب جميع المسلمين، فهو الذي قدسه الأنبياء وجعله الله مسجدا مباركا حين قال عز وجل في سورة الإسراء سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير الآية 1، كما أنه يعتبر أولى القبلتين وثالث الحرمين الذي لا تشد الرحال إلا إليه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”

لم يكن لي بد وأنا أتناول في هذا المقال ما يتعرض له المسجد الأقصى في هذه الأيام من انتهاكات، إلا أن أبدأ كلامي بهذه المقدمة التي تبين بعضا من مكانة المسجد الأقصى وفضائله، كي ندرك حقيقة الأمر إزاء ما يتعرض له من تهويد يستهدف الحجر والتاريخ والبشر والمقدسات المسيحية والإسلامية على حد سواء.

إنه لأمر بالغ الخطورة أن نرى في زماننا هذا المسجد الأقصى رمز الأمة وعزتها، يدنس من قبل الصهاينة المجرمين، فبعد أن فشل هذا العدو الجبان في كسر عنفوان وبطولة الشعب الفلسطيني على مر 60 سنة، بمجهودات وتضحيات المقاومة الباسلة لأبناء فلسطين وما حرب غزة عنا ببعيد، يعود اليوم في محاولة جديدة لاقتحام حرمات المسجد الأقصى المبارك وتدنيسه احتفالا منه كما يدعي “بعيد الغفران”.

لقد عمد الصهاينة الجبناء عدة مرات إلى القيام بعمليات نبش وبحث عن آثار يهودية مزعومة، لكن جرمهم هذا لم يواجه بالرد المناسب من طرف الدول العربية والإسلامية التي اختارت الصمت والخنوع، وانحياز الدول الغربية والمنظمات الدولية إلى جانب الصهاينة ناهيك عن التشرذم الفلسطيني، نجدهم يحاولون القيام بتنفيذ مخطط آخر أكثر خبثا من سابقيه، بحيث يجعل من أمر العبادة اليهودية في المسجد الأقصى مسألة عادية ليتم رويدا رويدا تقبلها کأمر واقع تمهيدا للخطوة الأخطر والأكثر خبثا، وهي إعلان المسجد الأقصى مکان عبادة خاصة باليهود والجماعات المتطرفة والمتزمتة ذات الطابع والتوجه الصهيوني، وهو نفس المنطق والخطة التي تم من خلالها فرض الکيان الصهيوني على العالمين العربي والإسلامي.

إن هذه الجريمة الجديدة التي يرتکبها الصهاينة عنوة ضد العالمين العربي والإسلامي، تدل بوضوح على أنه ماض قدما في سياسة تهويد القدس من خلال مخططه الخبيث لتهويد المسجد الأقصى نفسه، وهو مايفرض على جميع الحكومات العربية والإسلامية التصدي لهذه الجريمة الشنعاء التي تمس وجودهم وكرامتهم وهيبتهم عند شعوبهم التي عودت العالم غضبها وسخطها على مثل هذه الجرائم والمخططات عن طريق انخراطها في المسيرات الحاشدة والوقفات التضامنية وتنظيمها للفعاليات المقدسية…

إن المسجد الأقصى على وجه الخصوص والقضية الفلسطينية عموما تمر بمنعرج خطير وجب معه فض غبار اللامبالاة والعجز والكسل تجاه قضيتنا المركزية، وإنه لامتحان آخر لحكام الأمة العربية والإسلامية ولشعوبها لمواجهة هذه الهجمة الصهيونية الشرسة المدعومة ضد المسجد الأقصى رمز العروبة و الإسلام، دون أن ننسى التوجه للملك الديان كي يكف بأس الصهاينة المجرمين لينقلبوا بإذنه خاسرين مهزومين قال تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله

وتأسيسا على ما سبق بعد أن تحدتنا عن مكانة المسجد الأقصى وعن المخططات الصهيونية لتدنيسه، نقول إن القدس الشريف في قلوبنا وقلوب أبنائنا، ونقول أن فلسطين ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل هي مسؤولية كل عربي وكل مسلم لأنها ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وستبقى القدس شامخة إلى أن يعيد الله لهذه الأمة عزتها وكرامتها.