القمع

منذ أن بدأت تتناقل وسائل الإعلام ما يجري في القدس الشريف من حفريات في محاولات صهيونية لتهويد القدس وهدم المسجد عملت أكثر من عشر هيئات سياسية وحقوقية ونقابية وجمعوية في مراكش على تنظيم مهرجانا تضامنيا مع الشعب الفلسطيني وتنديدا بما يجري في الحرم الشريف على أيدي العصابات الصهيونية، إلا أن السلطات كانت بالمرصاد ومنعت المهرجان الذي كان مزمعا عقده يوم 26/09/2009، مما دفع بالهيئات المنظمة إلى القيام بوقفة احتجاجية أمام قصر البلدية الذي كان مفترضا أن ينظم في بهوه المهرجان الموءود، لكن الحضور من المواطنين المراكشيين فوجئ بإنزال كثيف لقوات القمع المخزنية لتدل بوضوح على مصدر المنع الحقيقي الذي لم تستطع أن تخالف أوامره وتعليماته السيدة رئيسة (عمدة) مجلس مدينة مراكش، فتهربت وراوغت وفريقها، ثم تجرأت فمنعت هي الأخرى منح الترخيص باستغلال قاعة القصر البلدي.

أرهبت قوات القمع المخزني القابضة بيد من حديد على مراكش، بل استعملت العنف المادي واللفظي بعبارات نابية وغير أخلاقية في حق نساء وأطفال ورجال. وذاك هو الوجه الحقيقي لدعوى حرية المرأة وكرامة الطفل.

لم تيأس الهيئات المنظمة للمهرجان وعاودت طلب تنظيمه، إلا أن هذه المرة ووجهت بوضوح؛ فالسيدة رئيسة مجلس المدينة امتنعت نهائيا عن استقبالهم، وأصرت على عدم الترخيص لهم باستعمال قاعة القصر البلدي، وهو مادفع بالهيئات، مرة أخرى، إلى تحويل المهرجان إلى وقفة تضامنية مع الشعب الفلسطيني وتنديدية بقمع جماهير مراكش ومنعها من التضامن مع فلسطين السليبة والقدس الشريفة والأقصى المهدد بالهدم في كل لحظة.

وهنا ستكون المفاجأة الكبرى؛ إذ لما تقدمت الهيئات بإشعار السلطات بالوقفة المزمع تنظيمها يوم 03/10/2009 أمام القصر البلدي وبعد ذهاب وإياب استدعت السلطات بعضهم على الساعة الواحدة والربع زوالا من يوم الوقفة وأخبرتهم كتابيا بالمنع لأسباب أمنية.

وازدادت المفاجأة خطورة وأهمية لما اتضح حجم وأنواع وطريقة تنظيم قوات القمع في المكان المحدد للوقفة (أمام القصر البلدي).

فقد حضرت جميع أنواع الأجهزة “الأمنية” بما فيها الشرطة السياحية والعلمية.

وهنا السؤال: ماذا يراد بمراكش رمز تاريخ المغرب وعمقه العلمي والتاريخي؟

الفساد

يمنع الناس من أن يقفوا ولو سويعة ليصرخوا فقط: يا إخواننا في القدس الشريف والأقصى المبارك إننا معكم بقلوبنا وعقولنا، أما أجسادنا فقد حال بين الالتحام بكم حدود سياج يحتمي من ورائها حكام أقزام.

نعم، يمنع صوت الحق ويرخص المانعون لمهرجانات الفساد والإفساد؛ مهرجان الرقص ومهراجانات السياحات، ومهرجان “الكوتشي” أمام سياح القرن الواحد والعشرين لمراكش، وغيرها من الأنشطة والفعاليات المشبوهة.

وهنا السؤال الكبير والمفارقة العجيبة:

هل حسمت السلطات المعنية في مصير مراكش العريقة، وأنه لامكان فيها للشرفاء وأنها أصبحت مستباحة للفساد والمفسدين، وأن المجالس المنتخبة من الآن فصاعدا يجب أن يكون كبارها من دعاة الفساد ورعاته والجريئين في منع كل مراكشي غيور من أن يرفع صوته؟

وعلى الصحافة والصحافيين من الآن فصاعدا، كذلك، أن يكونوا دعاة ولسان حال الوضع الجديد و عليهم أن يستعدوا للجلد والضرب والمضايقة إن هم أرادوا أن يكونوا أحرارا وإلى جانب الأحرار؟

ألم يعنف مراسل جريدة المساء عند تغطيته منع وقفة 26/09/2009؟

إنه سؤال على كل القوى الحية في هذه المدينة المباركة أن تقدم جوابا واضحا عليه، فمراكش أصبحت مرتعا محميا لكل أنواع السياحة الفاسدة، بما فيها السياحة الجنسية بكل أنواعها، فضلا عن تسلط رموز الفساد على مواقع مهمة في الإدارة واقتصاد مراكش ورواجه المالي والتجاري والعقاري.

الجريمة

ومما أصبح يعرفه المراكشيون في الأيام الأخيرة، وأصبح يقض مضاجعهم ويرهب وجودهم، ظاهرة الجريمة بكل أنواعها، خاصة السرقة بمختلف أجناسها، والتي كان ضحيتها عد من المواطنين نظرا للجو الاستهلاكي الذي فرضه نظام المعيشة الجديدة، والذي قضى نهائيا على فكرة “مراكش مدينة المسكين”. ولما أضيف له غلاء الأسعار واحتكار العقار وعامل البطالة صارت مراكش فضاء للجريمة الصغرى والكبرى مع ازدياد حوادث السير نظرا لشوارعها الضيقة والمترهلة التي لا تستوعب عدد وسائل النقل المتزايدة بشكل ملحوظ.

لقد طوقت مراكش من كل شوارعها، خاصة في أوقات الذروة، بحركة سير مدمرة للحياة الشخصية والبيئية، ومتسببة في آلام فظيعة للساكنة بسبب الخسائر البشرية والمادية المترتبة عنها.

ولذلك فقد كان من الواجب استعمال الترسانة الأمنية في ملاحقة الجريمة ومصادرها للحد منها بدلا من استعمال هذه القوى في قمع مجموعة من المواطنين أرادوا أن يعبروا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.

التزوير

من المدن المعروفة بالتدخل المباشر في تزوير الانتخابات مدينة مراكش.

فقد كانت السلطات في كثير من المواقف والمناسبات تحدد اسم الشخص الذي ينبغي أن يترشح، وتحدد وتدعم بطريقة من الطرق الشخوص الذين يكونون عبر الانتخابات في المواقع التي تخول للسلطة الإدارية التصرف كما تشاء في تدبير شأن المدينة.

إلا أن في الانتخابات الأخيرة، سواء انتخابات شتنبر 2009 الجماعية أو انتخابات أكتوبر 2009 المتعلقة بثلث مجلس المستشارين، كانت صورة فظة وقبيحة حيث كان التدخل مباشرا وصريحا وواضحا، أمام ضعف القوى السياسية المتصدية للشأن الانتخابي، حيث أفرزت لقيادة المدينة من يكون أداة طيعة وخادما بوعي أو من دون وعي استراتيجية السلطات الإدارية التي صار جليا أنها تخضع لتعليمات عليا صريحة في تحديد ماذا تريد الدولة من مدينة مراكش وعلى أية حالة واقعية ينبغي تكون أخلاقيا وإداريا وسياسيا وماليا واقتصاديا واجتماعيا…

لقد بات معلوما لدى الجميع أن الجهات العليا تريد من مراكش أن تكون وكرا عالميا لا علاقة لساكنته بما يجري فيه من مشاريع ومخططات الفساد والإفساد. ولاشك أنه عند تحقيق مستوى متقدما في هذا الباب ستكون مراكش عاصمة المغرب في ذلك، وبابا على كل المغرب والمغاربة لإدخالهم في متاهات الفساد الأخلاقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي لن يخرجوا منه بسهولة.

وهو ما يجعل جميع القوى الحية في هذه المدينة العريقة معنية بهذه التفاصيل التي ستقضي على الأخضر واليابس من شرفاء المدينة والذين يفترض فيهم أن يكونوا حماتها والمنافحين عنها وعن تاريخها في مقاومة كل أشكال الاستعمار والفساد والإفساد.

إرادة المقاومة والتغيير

من آفة العمل السياسي السليم في المغرب، عموما، وفي مراكش خصوصا، تفتت القوى السياسية وضعفها وضعف المجتمع المدني واختراق جل مؤسساته من طرف أجهزة المخزن ومافيا الفساد والإفساد.

لقد استطاعت يد المخزن في مراكش أن تقحم نفسها في كل تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية، وغيرها، في مراكش، مما مكنها من قبضة حديدية حادة جعلت المدينة تدار بعقلية مخزنية ضيقة وفظة في أدق تفاصيلها، وهو ما أدى إلى تشرذم الإرادات والتصورات حتى فضل الكثير من الفضلاء والرجال الحياد والانزواء والعزلة والابتعاد عن كل ما له علاقة بساس ويسوس والسياسة لعدم توفر أدنى شروط العمل السياسي في مدينة عريقة ولها تاريخ مجيد.

هنا، ومرة أخرى، يطرح السؤال الكبير على كل من له غيرة وإرادة على المدينة الحمراء، التي خاطبها الشاعر بدايات القرن العشرين: مراكش الحمراء إليك نرقب العلاإلا أن حكامها اليوم أرادوا لها الدركات السفلى بدايات القرن والواحد والعشرين، إذ وضعوها على هامش حركة التاريخ لتكون ساكنة لكنها عامرة بليالي حمراء صاخبة، ومهرجانات الفساد الباهرة، ومؤتمرات الدعاية إلا ما استثني منها، والاستثناء لا حكم له.

إن الغيورين في مدينة العلم والعلماء والتاريخ المقاوم والمجاهد اليوم أمام تحد حقيقي يتجلى في السؤال التالي:

كيف يخوضون معركة صناعة الوعي الحقيقي والإرادة الحرة لبناء عمل سياسي ومجتمعي قادر على المقاومة والصمود والبناء في مدينة أريد لها أن تكون مرتع الفساد والمفسدين؟

إن الجواب عملي من خلال الالتحام في إطار قوة تهيئ فضاء لفرز قوة حقيقية تنجز مهمة حراسة مراكش والمساهمة في بناء الوطن.