طريق الدعوة في ظل الأنظمة الاستبدادية هو طريق محفوف بالمخاطر، وليس مفروشا بالورود كما قد يظن من لا يعرف حق المعرفة الفوارق الشاسعة بين رسالة الدعوة وأهدافها، وبين الأنظمة الجبرية ومقومات وجودها. والأصل أن يعيش المؤمن حامل الرسالة في أمن وسلام، لا يطلب البلاء ولا يتمناه، بل يستعيذ الله منه، ويسأله العفو والعافية في دينه ودنياه، خاصة وأن المجتمع في أمس الحاجة إلى أمثاله ممن يبني ويرشد ويمكن لنور الله في قلوب الناس وبيوتهم ومحياهم. فإذا ابتلي بسبب إيمانه ودعوته ورسالته فما عليه إلا أن يتحمل ويصبر ويرضى بقدر الله، ويتيقن بأن الله سيتولى أمره، ويرفع درجاته، فهو سبحانه لا يفعل إلا خيرا.

فالإيمان بقضاء الله وقدره هو من صميم عقيدتنا، وما تعرضنا له من أذى يدخل ضمن قدر الله تعالى الذي أمرنا بالإيمان به، إذ هو ركن من أركان الإيمان الذي لا يكون أحد مؤمنا بدونه، كما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبر جبريل عليه السلام، قال صلى الله عليه وسلم: “الإِيمَان أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه”.

والله تعالى حين يبتلي المؤمنين إنما يبتليهم لحكم وأسرار، منها ما جاء في قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، فيكون الابتلاء بهذا تمحيصا، ليميز الخبيث من الطيب، ويعلم الصادقين من الكاذبين. وقد يكون الابتلاء عطاء ولطفا تجلى في صورة مصائب. وفي جميع الأحوال فإن المؤمن يجب أن يرضى ويفرح بكل ما يأتي من عند الله. وما ينبغي للدعاة حملة الرسالة حين يتعرضون للابتلاء بسبب رسالتهم، أن يشغلوا أنفسهم بما أصابهم من ظلم وتعسف، بقدر ما ينبغي أن يتفاعلوا إيجابا مع ما نزل بهم، فإذا بالمحنة تتحول منحة. وهذا التحول يتوقف على رد فعل المبتلى إزاءها، هل هو يواجهها بالصبر والاستقامة، محتسبا أمره لله تعالى، مقبلا عليه، مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الشدائد والابتلاءات، أم هو يستسلم لضعف إيمانه وإرادته، غافل عن الله تعالى، يتألم ويشكو أكثر مما يعمل ويقاوم. فهذا لاشك ستتحول محنته إلى بلاء حقيقي، ومأساة ونقمة.

وأستطيع أن أجزم بأن الداعية، الموصول بربه الواثق بنصره، بمقدوره أن يحول جميع المحن إلى منح يصنع بها الحياة، ويغير بها منحى التاريخ. وهو ما لا يتأتى للظالمين حين تنزل عليهم المصائب عقابا لهم على ما اقترفته أيديهم من مآس، وعلى إعراضهم عن دين الله، وبعدهم عنه.

ونسبة ما تعرضنا له من أذى إلى قضاء الله وقدره لا يعفي الظلمة من تبعات جرائمهم، كما لا يعني الرضا بالظلم المسلط علينا وعلى رقاب أمتنا، بل الواجب علينا أن نحارب هذا القدَر بقَدَر آخر أحب إلى الله تعالى، وهو تحقيق العدل والحرية، وحق الإنسان في وجود يليق بمكانته وكرامته، وحقه في عبادة خالقه، واحترام دينه وهوية أمته. وبهذا نمتلك القدرة على تسخير قدر الله، ومغالبة قدر بقدر، يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين ج1: ليس الرجل الذي يستسلم للقدر، بل الذي يحارب القدر بقدر أحب إلى الله). نؤمن بقدر الله تعالى، وفي نفس الآن نقاوم القدر بالقدر. لا نتبلد أمامه، ولا نمسح فيه جرائم الظالمين الذين ارتكبوا ما ارتكبوا باختيارهم، ومحض إرادتهم. يقول المرشد العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ الجليل عبد السلام ياسين حفظه الله وأحسن إليه: ينبغي لجند الله أن ينازعوا القدر بالقدر على منهاج النبوة، ووفق النموذج الجهادي النبوي الصحابي الراشدي، حتى إذا نزل قدر الله بما لا يصبر على مثله الضعفاء فينبغي أن تتجلى التربية الإحسانية في الموقف القوي، موقف السكينة والثبات والقبول والرضا بالقضاء، فما الرضا بالقضاء، حق الرضا، انهزام وضعف، بل هو قوة). وهو ما يقتضي من الداعية المبتلى في سبيل الله أن يصبر، ويصمد، ويحتسب، ويتحمل، ويقاوم حتى يصنع بهذا الصمود والثبات والإقبال على الله تعالى نموذجا، ورسالة ناطقة تحرك الهمم والعزائم والإرادات، وتوقظ الأمة، وتحيي فيها معاني العزة والمقاومة، وتدفعها لتتحمل مسؤوليتها أمام الله، وأمام التاريخ. وبهذا يبطل مفعول الابتلاء، وتتهدم مخططات الأعداء الذين قد يظنون أن رسالة الدعوة يمكن القضاء عليها بالعنف، والإرهاب، ومختلف وسائل القهر والإذلال.

آمنا بقضاء الله وقدره، ولله الحمد والشكر من قبل ومن بعد.

قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

الإمضاء: مصطفى حسيني (أحد معتقلي العدل والإحسان المحكومين بعشرين سنة سجنا نافذا)

حرر في فاس بالزنزانة رقم: 5.