كلما حل بطرف من أطراف أمتنا بأس وشدة وخرجت الشعوب للنصرة من تلقاء نفسها أو بدعوة من داع إلا ورُفعت لافتاتٌ على هامش المسيرات وحَوالي الوقفات تقول: بماذا تفيد الوقفات؟

النصرة يجب أن تكون بالسلاح والتجنيد.. كلام وماذا بعد.. إلى غير ذلك من الشعارات التي لا أقول تحبيطية

وإنما أقـَلّ ُ ما يُمكن أن يقال عنها أنها يائسة وقد نعذر أهلها قليلا إذا ما توسمنا صدق النية في قلوبهم وجذوة الغيرة في صدورهم. لكن لنتمعن في الأمر قليلا لنعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة، ولنبدأ بالشاهد الأول في القضية: وهو من أهلها فأصحاب القضية لطالما استبشروا خيرا بل ودعوا لذلك جهارا نهارا، من قادة المقاومة والجهاد والنضال إلى أصغر طفل أذِن له أن يُبلغ رسالة في الموضوع فالكل يثمن خروج الشعوب العربية والإسلامية بل والعالمية ويأسف إذا رأى شيئا من التقصير وعدم الاكتراث خاصة من بني جلدته ويكفي أن تشاهد قناة ً ما تنطق بلسان حال الجرح لترى كيف تخصص لذلك حيزا مهما من إعلامها وتحليلاتها.. فلا أظن أن واحدا منا سيحكم على الشعاب كأهلها.

الشاهد الثاني: لنفعل كما يريد البعض ولنقبع في بيوتنا ولتلزم الأنظمة حصونها وقصورها فننظر المعادلة: شعب يذبح، حرمات تدنس، بيوت.. أشجار.. وشعوب تفوق المليار تضرب الأرقام القياسية في الإعراض واللامبالاة فأيهما سيُبكي ذلك الشعب المسكين وماذا سيدور في ذهن تلك الأرملة وذلك اليتيم..

الشاهد الثالث: ولنبق مع الرأي الآخر، فإذا كان الخروج والصراخ رسالة فالصمت أيضا رسالة، سُكُون الشوارع في ساعة العسرة يعني الشيء الكثير، للأنظمة أولا التي سترى أنها في سعة من أمرها وأن لا أحد يجبرها على التنديد فضلا عن التجنيد، أما الغرب ومدللته فهما يفهمان جيدا لغة الصمت وما كان الحديث عن إعادة النظر في بعض الأنظمة والحديث عن حقوق الإنسان .. إلا دغدغة في صدور الشعوب، وإن كنتُ لا أرى في ذلك بصيصا من حسن النية أو جدوى في الفعل وإن وقع، لكن الشاهد عندنا هو أن للشعب سلطة ً وسوطا ليس من الحكمة في شيء أن يتخلى عنهما.

الشاهد الرابع: كلنا يسلم بفاعلية الدعم بالمال والسلاح لفلسطين وغيرهما من مواضع الألم في جسم الأمة وهناك من يفعل ذلك والحمد لله، لكن لنفتح سبرا للآراء في صفوف من بذلوا للقضية من أموالهم لتجد أن السبب الرئيس في ذلك كان وقفة أو مسيرة أو خطبة جمعة أو خطابا عاما أو ربما حديثا ثنائيا أو مقالا أو رسالة على الماسنجر.. لنعلم أن النصرة منظومة مركبة بعضها يخدم بعضا فإنفاق جزء من أجزاء المائة من قلم جاف بثمن 1،50 درهم مثلا قد يحشد للقضية ملايين الدولارات وقس على ذلك .

الشاهد الخامس: حتى إذا لم تصل الصرخة إلى ما تتوخاه فلا أقل من أن أذن الصارخ سمعت وتيقنت أنه لا زال في الضمير حياة وفي اليابس ماء وأن تعلم وتـُعلِم مَن حولها مِن الجار والرفيق والصديق أن ثمَّة َ قضايا أخرى يجب أن تزاحم قضايا القفة والحوالة والمعاش والحقيبة المدرسية .. حتى تخرج الأمة من سلبيتها وغثائيتها فإنه لا يُعلم صلاح هذه الأمة أين هو في شعاب هذه الأمة وما يُدريك لعله لا زال يقارع الخمرة في مرابض السوء ينتظر لافتة أو كلمة أو همسة تمسح عنه الغبار. فكم من علماء جددوا للأمة دينها وسطرهم التاريخ بالذهب كان من ورائهم عبد أو أمة منسيان لم يكتب عنهما التاريخ جملة مفيدة.

تطول الشواهد، لكن الشاهد عندنا هو أن يعمل كل في حدود طاقته ومسؤوليته للإبداع والعطاء للنصرة إذا تعذرت الهجرة دون الحط من جهود الغير، فالعيب كل العيب أن يكون دورنا في القضية مقتصرا على الجرح والتعديل دون رواية ولو حديث صحيح يدعم الموضوع فيصبح المشهد كهذا الرسم التبياني:

* شعب يقاوم ويكابد —- من خلفه —- شعوب تغضب وتساند.

* كيان يغصب ويعاند —- من خلفه —- غرب يُرهب ويساعد.

* نظام لاه راقد — على هامشه — ألسنة تقول: لا طائل في النصرة ولا زائد..