مشهد زاخر بالمفارقات المدهشة: القاضي اليهودي ريتشارد غولدستون يضع بين أيدي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقريرا غير مسبوق يدين العدوان الهمجي الصهيوني على قطاع غزة، تقرير من 575 صفحة، يعد ضربة موجعة للكيان الصهيوني، من خلال تأكيده في أكثر من فقرة على انتهاك الجيش الصهيوني للقانون الإنساني والدولي، وارتكاب جرائم حرب أثناء العدوان على غزة. وفي المقابل سلطة رام الله تسحب المشروع، وبلغة المراوغة والخداع تطلب التأجيل، والنتيجة إنقاذ المجرمين الصهاينة من المثول أمام المحكمة الدولية.

لقد جرت العادة أن تطالب حركات التحرير من المجتمع الدولي اتخاذ المواقف اللازمة من جرائم الاحتلال، لكن سلطة رام الله كانت الاستثناء باختيار الدفاع عن قتلة شعبها، بعد أن هددها ليبرمان بالكشف عن تورطها في دعم الحرب الصهيونية على غزة، ومن أجل صفقة الهاتف المحمول تمت المتاجرة بدماء الشهداء. قد مزجوا بالنفاق فامتزجوا *** والتبسوا في العيـان واشتبهوا
وما لأقوالهم إذا كشفت *** حقائق، بل جميعها شبه
فأي نوع من البشر هؤلاء الذين يسهل عليهم الهوان فيخونون قضيتهم وأوطانهم وشعوبهم، ويخونون كل دماء الشهداء والجرحى الذين سقطوا دفاعا عن أرضهم وحقوقهم، ومقدساتهم.

أي قوم لئام هؤلاء الذين تنكروا لليتامى، والثكالى، والمشردين الذين لم يكن ذنبهم سوى الذود عن أرضهم. حتى الخيانة تبرأت من جرمهم وتوسلت أن ينعتوا بغير نعتها حتى لا تدنس بصنيعهم.

لقد اعتبر عمرو موسى موقف سلطة رام الله “في غاية الخطورة والسلبية” و”تفريطا غير مسبوق” وقال إنه: “أصيب بالغثيان”.

قرار السحب هذا أو “التأجيل” أدهش الجميع، واستاءت منه كل الدول التي أيدت التصويت على التقرير متحدية احتجاجات الولايات المتحدة و”إسرائيل” وضغوط الاتحاد الأوربي. وخطورة هذا الموقف كما أشار إلى ذلك ممثل اتحاد الحقوقيين العرب بالأمم المتحدة إلياس الخوري”تكمن في أن هذا التقرير هو سابقة من نوعها، في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، حيث تدخل لأول مرة القضاء الجنائي الدولي، ومتخصصون على قدر عال من الحرفية والحياد لتسجيل جرائم حرب غزة. ووجدت “إسرائيل” صعوبة اتهام غولدستون بالعداء للسامية لأنه يهودي الديانة”.

وأهم ما جاء في تقرير غولدستون:

1- حصار إسرائيل لقطاع غزة والذي بدأ قبل الحرب في 27-12-2008 يرقى لأن يكون عقابا جماعيا للشعب الفلسطيني.

2- العملية الصهيونية التي حملت اسم” الرصاص المصهور” والتي استمرت 23 يوما كانت موجهة نحو شعب غزة ككل وليس ضد نشطاء حماس وحدهم.

3- إسرائيل تعمدت إطلاق قذائف الفسفور الأبيض الحارقة على مقر الأمم المتحدة، ومستشفى القدس في غزة، وعدد آخر من منشآت الأمم المتحدة في القطاع.

4- القوات الصهيونية أذلت شعب غزة، وانتهكت كرامته.

5- القضاء الدولي قد يرى حصار غزة نفسه جريمة ضد الإنسانية.

نعيش حقا زمن المفارقات المدهشة والمخجلة، قاضي يهودي يتمسك بتقريره، ويؤكد كل تهمة وردت فيه عن جرائم العدوان الصهيوني، ويرفض شتى أنواع الابتزاز ويصر على معاقبة المجرمين، فتكون سلطة رام الله هي المنقذة للذين أحرقوا غزة في واضحة النهار، ولم تتردد هذه السلطة من قبل بتعاون مع الاحتلال بتقديم مشروع قرار طرحه على الجمعية العامة مندوب السلطة الفلسطينية رياض منصور، هذا المشروع يعتبر فيه قطاع غزة منطقة خارجة عن القانون، يجب أن تخضع لأبشع أنواع الحصار والتجويع من قبل المجتمع الدولي.

إننا أمام سلطة أدمنت التفريط في الثوابت الوطنية بعد انصهارها الكلي في بوتقة الاحتلال، فغدت الحارس الأمين لمصالحه الاستيطانية، ولا تجد أدنى حرج في الافتخار بالقضاء على المقاومة في الضفة الغربية، بعد تعقبها للمقاومين ومطاردتهم والزج بهم في السجون وتعذيبهم حتى الموت .وفي مقابل هذا التنكيل برجال المقاومة يسجل للأجهزة الأمنية لسلطة رام الله تحريرها للضابط الصهيوني الذي أسرته سرايا القدس في جنين، رغم أن إذاعة الجيش الصهيوني أكدت أن هذا الضابط هو المسؤول عن التنسيق في عمليات الاغتيال، التي استهدفت رجال المقاومة في الضفة الغربية.

إن الموقف لا يحتمل كل هذا الهراء.

وإن عاقبة العبث بمصير الأمة، وبتاريخها، وماضيها، وحاضرها، ومستقبلها، عاقبة محزنة ومدوية.وقد خلت من قبلهم المثلات، وإذا كانت هذه السلطة عاجزة عن الفهم، فليت شعري ماذا ينتظر الشعب الفلسطيني- الذي لم يهزمه حتى جيش الاحتلال- كي يتصدى لكل العملاء والأذناب، ويجعل حدا لهذا العبث وهذا الاستخفاف.