يركز الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين على دراسة التاريخ الإسلامي والوقوف على لحظة الانكسار فيه، والبحث عن أسباب ذلك، لأن واقع اليوم نتيجة لتراكم مآسي الأمس، ولذلك يقول سيبقى فهمنا لحاضر الأمة ومستقبلها مضببا بل مشوشا غاية التشويش إن لم ندرك أبعاد تلك الأحداث وآثارها على مسارنا التاريخي وتجلجلها في الضمائر عن وعي في تلك العهود) 1 ، ويجعل، حفظة الله، حديث الخلافة على منهاج النبوة دليلا فيقول نتخذ هذا الحديث الجليل وأمثاله دليلا لمعرفة الانحراف التاريخي الذي حول مجرى حياتنا ففقدنا بالتدريج مقوماتنا) 2 .

قبل الغوص في مفهوم الانكسار التاريخي نرى لزاما التطرق إلى الضوابط الأساسية التي يقترحها الأستاذ عبد السلام ياسين لدراسة تاريخ المسلمين لما يشكله ذلك من فائدة لفهم الإضافة النوعية التي قدمتها كتاباته على هذا المستوى. إذ ليس كل من أحس بأهمية دراسة التاريخ وأمعن النظر فيه يصل المبتغى – يؤكد عليه الأستاذ المرشد دائما وهو التخطيط للمستقبل – فقد تأتي النتائج عكسية تزيد الأمة فرقة وشتاتا إن لم تتحلَّ الدراسة بضوابط يمكن ذكر بعضها في:

أ- باعث التقرب إلى الله عز وجل:

إن تاريخ المسلمين تاريخ فتن إن تتبعناه دون استحضار هذا الباعث نتيه وسط الركام، يكون عملنا أفقيا نخسر فيه آخرتنا وبئس العباد نحن يومئذ، ما يفيدنا إن تجولنا في رحاب التاريخ نبحث عن أصولنا لنعرف أنفسنا معرفة دقيقة عميقة إن لم يكن الباعث هو التقرب إلى الله عز وجل فيذكي فينا هذا الباعث الرغبة في لقائه سبحانه والبحث عن مرضاته والسير في الطريق الواضحة إليه ومعرفة سنته الكونية بالنظر في كتاب العالم. 3

ب- الدراسة بنيّة الجمع والتوحيد لا لإثارة الخلاف والأحقاد:

ما وصلنا إلى هذا الحال إلا بعد انفراط الوحدة وتصادم الإرادات.

للأمة الإسلامية أعداء يسعون إلى إضعافها عبر تمزيق وحدتها، هذا أمر طبيعي. لكن الذي يدمي القلب سعي بعض المسلمين إلى التفرقة بإثارة الخلاف، وبنبش الماضي، ينصبون أنفسهم قضاة يصدرون الفتاوي الجاهزة على الأشخاص.

تتيه دراستنا في الجدل العقيم والخلاف المذهبي إن لم نستحضر هذا الضابط ونجعله نصب أعيننا في كل الأوقات، نتذكر أن لا قيام لأمر هذه الأمة إلا بوحدتها، وأن لا وحدة لها ترجى إلا بتآلف قلوب أفرادها. وصدق الله العظيم إذ قال واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. يقول الأستاذ المرشد مبرزا أهمية الوحدة ومبينا نتائج فقدانها: إن أعداءنا يأكلون دنيانا حلوة هنية، ونحن نأكلها مرة مرارة مضاعفة بضعف الفقر والذل، ثم نغص بمعاشنا هذا الكئيب غصتين، غصة الدنيا بما قعدنا وعجزنا عن الجهاد، وغصة الآخرة بما ضيعنا من وحدة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت الوحدة ولا تزال شرط حياتنا) 4 .

ج- ضرورة الوقوف على لحظة الانكسار التاريخي:

ما ضاع من الأمة كثير، وضياعه كان بتدرج. فكيف نعرف كل ما ضاع وفقد؟

إن وقفنا في حاضرنا نبغي دراسة التاريخ لن نعرف ما ضاع من الأمة خاصة ونقض الإسلام كان عروة عروة، فلا بد أن نقف على لحظة الانحراف حاملين الكتاب والسنة لنضعهما مكان الضوء الكاشف لهذا التاريخ. ذلك وحده الذي يمكننا من معرفة تسلسل الأحداث وتطورها. لنستمع إلى الأستاذ المرشد وهو يوضح هذا الضابط: إن فهم الانكسار التاريخي الذي حدث بعد الفتنة الكبرى ومقتل ثالث الخلفاء الراشدين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ضروري لمن يحمل مشروع العمل لإعادة البناء على الأساس الأول.) 5

د- التتلمذ المباشر للوحي أو النظر من أعالي التاريخ:

ما خلفه لنا السلف الصالح من اجتهاد نقبله ونجعله على الرأس والعين، نوظفه دون أن ننسى الشروط التاريخية التي أنتجته، دون أن ننسى أن كل ابن آدم يؤخذ من كلامه ويرد إلا الصادق المصدوق الذي نأتم مباشرة بتعاليمه الشريفة لأنها وحي إن هو إلا وحي يوحى ونتتلمذ مباشرة لكلامه بقلب خاشع يتلقى نور النبوة وهي رحمة كلها، وعقل ناقد نزيه حريص على معرفة الحق، وكلامه حكمة كله، وبنيّة التنفيذ استجابة لداعي الله عز وجل.

من تلك المرتفعات فقط يمكننا أن نبصر بوضوح وشمولية وانجماع في فكرنا وقلبنا وإيماننا وإرادتنا وحركتنا مواقع الأقدام على أرض واقع مفتون، ويمكننا أن نسير على المحجة البيضاء نكتشفها من جديد) 6 .

أصحاب التحليل المادي وغيره من المذاهب الوضعية حينما يحاولون تفسير التاريخ وتحليل وقائعه يعرضون فقط للدوافع النفسية والسياسية والاقتصادية، فهل نجاريهم في هذا؟

تلك مذاهب تكفر بالله ولا تؤمن بالغيب ونحن أصحاب رسالة. رسول الله صلى الله عليه وسلم أنبأنا، وهو الصادق المصدوق، بما سيقع من فتن. فهل نضرب بهذا الأخبار عرض الحائط؟

باستحضارنا لعامل الإيمان بالغيب ورجوعنا إلى الوحي مباشرة نستقي منه، يمكن أن ندرس التاريخ الإسلامي دون أن نتجاوز اجتهادات من سبقنا، ولكن نضعها في مكانها غير ناسين ما مر على الأمة من فتن كان يكال فيها بالصاع صاعين.

ماذا جرى؟ نطرح هذا السؤال، نمهد به لسؤال أكثر منه أهمية، معرفة ماذا جرى بشكل موجز تفيد لنتعرف على المنحدر الذي وقعت فيه الأمة.

هلكت الأمة على أيدي الغلمة السفهاء بعد ما حولوا الخلافة الشورية العادلة إلى ملك عاض مستبد. روى أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان رحمهم الله عن سعيد عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك” قال سعيد بن جهمان ثم قال (أي سفينة): أمسك (أي احسب بأصابعك) خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم قال: أمسك خلافة علي، فوجدناها ثلاثين سنة، قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم ! قال: كذبوا بنو الزرقاء، بل هم ملوك شر الملوك ! وجاء في صحيح البخاري رحمه الله في باب الفتن حديث رواه بسنده عن سعيد بن عمرو بن العاص قال: كنت مع مروان وأبي هريرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: “هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش”” فقال مروان: غلمة؟ لعنهم الله غلمة. قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان”.

يوضح الحافظ ابن حجر أن الغلمة ليست هي الصغر في السن ولكن الصغر في الدين والمروءة والرأي”.

لكن الذي يهمنا أكثر، كيف جرى ذلك، كيف كان هذا التحول؟

جوابنا على هذا السؤال يمكننا من معرفة ماذا كان قبل التحول / الانكسار واندثر، وبعد العلم العمل، ننهض طلبا لما كان واندثر تحقيقا لموعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بإقامة الخلافة على منهاج النبوة، بإحياء سنته وسيرته كلها، بالرجوع إلى الجادة التي لا يزيغ عنها إلا هالك، وهلكت الأمة يوم زاغت عنها فتسلط عليها غلمة حكموها بالسيف وأذاقوها مرارة الاستبداد والتسلط، بالعودة إلى البيضاء الواضحة التي تعتمت يوم سكت المسلمون عن انتقاض عروة الحكم وهادنوه.


[1] نظرات في الفقه والتاريخ: ص 27.\
[2] ن. م. ص 10.\
[3] فقرة مقتبسة باختصار من أحد أشرطة الأستاذ عبد السلام ياسين “أحاديث في العدل والإحسان”.\
[4] نظرات في الفقه والتاريخ، ص 52.\
[5] ن. م، ص 27.\
[6] ن. م، ص 46.\