بمناسبة الدخول الدراسي أجر ى موقع الجماعة حوارا مع الأستاذ مصطفى شكٌري المتخصص في قضايا التربية والتكوين، هذا نصه:

سؤال:

اتخذت الوزارة ومعها الحكومة مجموعة من الخطوات لتجعل من هذا الموسم متميزا. ما تعليقكم على ذلك؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا المصطفى الكريم وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أجمعين. وبعد:

أشكر لكم هذه الاستضافة الكريمة، نسأل الله عز وجل أن يجعل موقعكم هذا منبر جهاد بالكلمة البينة والحجة البليغة.

دعونا بداية نقرر أن أي حوار حول المسألة التعليمية ببلادنا يكون غير ذي جدوى إن لم نطرق المداخل الأساسية الحقيقية للتغيير الجدي. إن نحن انسقنا وراء ما يروج من نقاشات الآن على الساحة التربوية، نكون ممن يسوقون الوهم وينشرون الزيف ويشهدون الزور، ويسهمون في تحويل الأنظار عن الساحة الحقيقية للنقاش بإثارة جزئيات واصطناع معارك يتم من خلالها الالتفاف على المشاكل الجوهرية التي تنكث جراحا مؤلمة في جسم قطاع حيوي كقطاع التربية والتعليم.

الخطوات التي اتخذتها الجهات الوصية على التعليم هي إصدار المذكرات وتدبيج الدلائل، والتميز الموجود هو في لغة الادعاءات وتحبير المصطلحات والمفاهيم وتعداد المنجزات التي لا أثر لها في الواقع. مشكلتنا أعمق من خطوات تبقى جزئية عديمة النفع لأنها محكومة بسياق الفشل العام الذي تتخبط فيه البلاد على كافة الأصعدة، ولأنها صادرة عن نفس العقلية المتنفذة عقلية الإملاء والتعليمات. يمكن أن نتحدث عن خطوات متميزة لما نجعل من قضية التعليم قضية أمة حرة بعيدا عن الاستبداد الداخلي والإملاءات الخارجية.

سؤال:

كيف تنظرون إلى مبادرة توزيع 3 ملايين محفظة وهل هي كافية للتشجيع على التمدرس؟

جواب:

الخطاب الرسمي يقول: إن هذه المبادرة تأتي في سياق الرغبة في تحقيق إجبارية التعليم باعتماد المجانية من خلال توفير محفظة تحتوي مجموعة كاملة من الأدوات المدرسية ل 3.7 مليون طفل، وهي مبادرة تستحضر أثر الفقر والعوز اللذين يمنعان الطفل من ولوج المدرسة أو من الاستمرار في التمدرس.

نعتقد أن هذه المبادرة تكون طيبة لو حسنت النيات ونظفت الأيادي، من يضمن لنا أن تصل هذه المحفظة إلى من يستحقها؟! وأنها ستصل كاملة بأدواتها تامة غير منقوصة!!.. وأنها ستكون ملائمة لدفتر التحملات ولمواصفات الجودة! إننا نعرف جيدا كيف تحول أمثال هذه المبادرات إلى مناسبات للاسترزاق من أموال الأمة نهبا وتسلطا. نعرف كيف تمرر الصفقات ومن يستفيد منها في ظل فساد الذمم وانتشار الرشوة. وقد لمسنا كيف وصلت المحافظ بعضهم رديئة فارغة، وسمعنا شكاوى من كتبيين طالبهم أصحاب الشأن برشاوى للحصول على صفقات تزويد المدارس بالكتب. ثم ماذا بعد المحفظة ؟! أين النقل الذي يوصل إلى المدرسة؟! . وأين هي المدرسة الفضاء المشجع على الدراسة؟! وأين هي التعبئة المحفزة للعائلة وللمتعلم وللمعلم على السواء للإقبال على التعليم والتعلم ؟!

إن تحقيق إجبارية التعليم لن يتم بمبادرات موسمية تستنسخ نموذج “الحريرة “في رمضان صادرة عن عقلية تجعل من التسول مؤسسة قائمة الذات تتاجر في آلام الفقراء. إنما يتم ذلك باقتلاع الفقر وأسبابه من الجذور، وبتحقيق تعبئة شاملة تجعل من قضية التعليم قضية الأمة الأولى.

سؤال:

كيف تقيمون الدخول المدرسي لهذه السنة؟

جواب:

مفهوم الدخول المدرسي كما الدخول السياسي و الدخول الثقافي مفاهيم لها دلالاتها في البلدان التي يمثل فيها الإنسان رأسمال ذا قيمة عالية غالية، أما عندنا نحن القابعين في ذيل سلم التنمية وأواخر ركب التقدم فهذه مفردات لا معنى حقيقي لها،ثم عن أي دخول مدرسي تريدنا أن نتحدث؟!

الدخول المدرسي عندنا نوعان: دخول ورقي دعائي إعلامي سوقت صوره في التلفزة تم فيه الاحتفال بعيد المدرسة، واستقبل فيه أولياء الأمور، وعقدت فيه المجالس التربوية، واستأنف فيه التلاميذ الدراسة كل هذا وقع في الإعلام والأوراق طبعا، ثم دخول واقعي حقيقي لا يختلف في شيء عما اعتدناه كل سنة إن لم يكن أكثر رداءة وعبثا، فإلى جانب المشاكل المزمنة المعتادة من تأخر في التسجيل، واكتظاظ داخل الفصول، وخصاص في الطاقم التربوي، واضطراب في توزيع الكتب ومعالجة قضايا الحركات الانتقالية وإعادة الانتشار ومسألة التعيينات والالتحاقات، نجد أن هذا الدخول يتميز بتخبط شديد ناجم عن بداية الأجرأة الفعلية لما سمي بالمخطط أو البرنامج الاستعجالي، حيث أصدرت الوزارة المعنية سيلا من المذكرات التنظيمية والدلائل التوجيهية التي أسهمت بسبب كثرتها وتواليها وعموميتها إن لم نقل غموض بعض محتوياتها في الزيادة من الاختلالات العامة التي يعرفها الدخول المدرسي، وعلى رأس هذه المذكرات التي خلقت اضطرابا أشد المذكرة 122 المتعلقة بتدبير الزمن المدرسي.

المخطط الاستعجالي هذا يقدم كأنه الوصفة السحرية التي ستعمل على إنقاذ التعليم من كوارث سارت بذكر معايبها الركبان، ويأبى الله إلا أن يفضح القائمين على التعليم، لما صرح السيد الوزير المكلف بالقطاع مؤخرا (جريدة le matin) أنه لأول مرة نتوفر على عدة بيداغوجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، تصريح يكشف وبلسان المسؤولين أنفسهم عن أن ما كنا فيه منذ سنوات لم يكن إلا سيرا على غير هدى وضربا في الأرض بغير دليل. وهو ما يعني استمرار رهن قطاع التعليم لنفس سلوكات الارتجال والاستعجال.

نسجل أيضا بداية إنزال ما يسمى بالتوظيف بالعقدة من خلال تشغيل آلاف المدرسين بدون تكوين ولا إعداد قبلي، وهو ما يعني خرقا فظيعا للأنظمة الأساسية للقطاع وإخلالا مريعا بمسألة المردودية والجودة. طبعا لن تفوتنا الإشارة إلى مخلفات تأسيس ما أطلق عليه اسم مدرسة “دعم النجاح” حيث الإجراءات الإدارية المعقدة في تسليم التراخيص بل والامتناع عن تسليم بعضها بسبب انتماء بعض أعضاء مكتب هذه الجمعية إلى جماعة العدل والإحسان، وهو ما يمنع من تسلم الاعتمادات المالية المرصودة ويؤخر مشاريع المؤسسات.

وأخيرا وهذا من الطرائف التي تدخل في باب (كثرة الهم تضحك..) يسود التخوف هذه السنة من انتشار أنفلونزا الخنازير، الوزير صرح أن الوزارة اتخذت تدابير لمواجهة الوباء منها مذكرات للتوعية والتحسيس وتوفير إمكانية غسل الأيدي بالماء والصابون مرات عديدة في اليوم، الطريف في الأمر أن السيد الوزير قال في نفس الحوار الذي ذكرناه آنفا: “إن المدارس ليست في حالة جيدة، 80 % من المدارس لا تتوفر على مرافق صحية في العالم القروي، و75% ليست مرتبطة بالماء الصالح للشرب، والأقسام غالبا ما تكون في حالة غير مرضية.”وللقارئ أن يفهم شيئا…!!!

وسط كل هذا يأتي العابثون ليرفعوا هذه السنة شعار “جميعا من أجل مدرسة النجاح” وهو الشعار الذي على ما يبدو يعلن بملء فيه “إن ما كنا فيه كان الفشل “الفشل في النجاح!! والنجاح في الفشل!!”.

سؤال:

كيف تقرؤون المذكرة 122 وما أثرها على الدخول الدراسي؟

جواب:

تقع المذكرة 122 بمرفقاتها في 12 صفحة موضوعها: تدبير الزمن المدرسي بالسلك الابتدائي، مرجعها: البرنامج الاستعجالي (المشروع رقم 12الخاص بتحسين جودة الحياة المدرسية) غايتها: تحقيق “جودة التعلمات من خلال إقرار” تدبير جديد للزمن المدرسي” يراعي “الإيقاعات الذهنية اليومية للمتعلمين”.

نقرأ هذه المذكرة في نفس سياق الارتجال والاستعجال، أي:

– إجراء ارتجالي محكوم بهاجس التحكم في الزمن المدرسي وهاجس الاحتفاظ بالتلاميذ لاحترام المواعيد المسطرة في المقرر الدراسي ومنع مغادرة التلاميذ بسبب الامتحانات كما يقول الوزير.

– إجراء غير علمي لأنه لا يستند إلى دراسة ميدانية علمية واقعية لظروف التعلم خاصة في العالم القروي. بل ولا يستجيب حتى لمعياري الوظيفة والمرونة اللذين ذكرتهما المذكرة نفسها، ولا لما أورده التقرير التركيبي للمجلس الأعلى للتعليم حول تقويم التحصيل الدراسي ص22: “يمكن القول إن القرب من المؤسسة التعليمية يعد من العوامل المساعدة على جودة التحصيل الدراسي”. وهذا إجراء يسهم في إبعاد المتعلم لا في تقريبه.

– إجراء حالم غير واقعي لأنه حين يتم الحديث عن توفير الظروف المناسبة للمتعلمين مابين الفترة الصباحية والمسائية خاصة في المناطق التي تبعد عن موقع المؤسسة عن السكن نكون أمام أحلام اليقظة بامتياز في ظل بنية وتجهيزات مهترئة.

– إجراء فوقي يضرب في العمق كل مفاهيم الشراكة والتشاور مع المتدخلين الفاعلين ويفرغ المجالس التربوية المؤسسة من محتواها.

أما عن آثار هذه المذكرة على الدخول المدرسي فتنبئ عنها المواقف العامة التي عبرت عنها الإطارات النقابية، واشتعال فتيل الاحتجاجات والوقفات النضالية، وكذا يظهر أثرها من خلال الإسهام في الزيادة في خلخلة إجراءات الدخول المدرسي خاصة بالنظر إلى توقيت إصدارها 31 غشت أي عشية الدخول المدرسي لما يقتضيه تنفيذها من إعداد لاستعمالات زمنية بمواصفات جديدة تراعي الصيغ الثلاث التي دعت إليها المذكرة. زد إلى هذا ما سينتج عن عدم تطبيق التوقيت المستمر من دفع أولياء الأمور إلى عدم إرسال أبنائهم خاصة في المناطق النائية إذ أين سيقضي هؤلاء المتعلمون الفترة بين الصبيحة والمساء في ظل غياب الفضاءات الملائمة وانعدام النقل المدرسي وقسوة الظروف المناخية. إن مصدري الوثيقة يهدمون من حيث شعروا أو لم يشعروا ما يدعو إليه برنامجهم الاستعجالي من إلزامية الاحتفاظ بالتلاميذ ويسهمون في الهدر المدرسي وما ينتج عنه من تكلفة اجتماعية واقتصادية، لن ننسى هنا هذا الضغط النفسي الذي مارسته المذكرة على طاقم التدريس حيث ستكون لها عواقب على المردودية.

طبعا لن يغيب عن أذهاننا ما يمكن أن يتفطن إليه اللبيب من كون هذه المذكرة جاءت لتخلق معارك وهمية يتم من خلالها تمرير مشاريع خطيرة على مستقبل القطاع من قبيل تفويت التعليم للخواص، ونظام التوظيف بالعقدة، وغير ذلك تغطية وتعمية عن المشاكل الحقيقة للقطاع.

سؤال:

تؤكدون دائما على أن رجل التعليم هو حجر الزاوية في أي إصلاح. هل في نظركم أنصف المخطط الاستعجالي رجل التعليم؟

جواب:

رجل التعليم هو الركن القوي في أي إصلاح يروم التغيير الحقيقي، أحيلكم على ما قاله أحد المربين الأفذاذ أعني الأستاذ عبد السلام ياسين: “المعلم واسطة عقد المنظومة التعليمية التربية … إن لم تكن هذه الواسطة على القدر الكبير من الكفاءة وعلو الباعث والكرامة والرخاء في المجتمع فالعملية كلها تنفسخ”(حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 169). أما البرنامج الاستعجالي فيتحدث عن “مدرسين يعملون في ظروف مريحة ويتحكمون في الوسائل البيداغوجية اللازمة” نتساءل أين هي الظروف المريحة في ظل غياب شروط العمل إن على مستوى الحوافز الذاتية أو البنية الموضوعية. ثم كيف يمكن التحكم في الوسائل البيداغوجية أمام غياب تكوين حقيقي أساسي ومستمر خاصة ونحن نلحظ “قنبلة” الواقع التعليمي بمستجدات المصطلحات التربوية التي لا أثر لها في الممارسة الفصلية والإدارة التربوية.

لنسأل هل أنصف المخطط الاستعجالي المنظومة التربوية كلها حتى ينصف أحد عناصرها الرئيسية والأساسية؟!! هل أنصف رجل التعليم لما ألقى بفشل المنظومة التربوية كلها عليه على شاكلة “رمتني بدائها وانسلت”؟ هل أنصف لما تحدث أهل مدرسة النجاح عن توطين الإصلاح في المؤسسات والفصول وما في ذلك من غمر ولمز بأن الإصلاح توقف عند أبواب الأقسام؟ أين هو الإنصاف والبرنامج الاستعجالي يدعو إلى إعادة النظر في سياسة التعيينات ومراجعة صيغ العمل تطبيقا لسياسة الاستخدام عبر العقدة، ومراجعة مسالك ومناهج الانتقاء والتكوين تضييقا على التوظيف العمومي لصالح ما سمي بالعرض التربوي الخاص استعدادا لتفويت القطاع للخواص والتنصل من مسؤولية مجال اعتبره القائمون على الأمر مزعجا وغير منتج.

أعتقد أنه آن الأوان أن يتصدى لعملية التربية أهل القوة والأمانة، وأنه آن الأوان أن ترفع يد الاستبداد عن مصير الأمة ومستقبلها بعيدا عن الحلول الترقيعية المرتجلة والمستعجلة.