رغم التحفظات التي قد يبديها المتتبع على تقرير غولدستون الأخير حول أحداث غزة، ولعل أبرزها مساواته بين الجلاد والضحية، بين القاتل والمقتول، بين إرهاب الدولة الصهيونية بكل ما تملكه من ترسانة عسكرية وحقد تاريخي، وبين شعب أعزل محاصر، يدافع عن أرضه المحتلة وعن نفسه وشرفه.

رغم كل ذلك يظل التقرير ومطالب معديه بجر قادة “إسرائيل” إلى المحكمة الجنائية الدولية مناسبة تاريخية لرد الاعتبار لمصداقية الأمم المتحدة، وخطوة متقدمة لعزل الصهاينة في العالم، وفرصة كبرى لتحطيم صورة الشعب المظلوم المضطهد المسوقة إعلاميا بدهاء ومكر كبيرين في أوساط الرأي العام الغربي.

فالحروب والجرائم الموثقة بالصوت والصورة وتقارير منظمات حقوق الإنسان محليا ودوليا،- في حق الشعبين الفلسطيني واللبناني -والتي أسهمت ثورة وسائط الإعلام خلال العقدين الأخيرين في فضحها بشكل واسع رغم محاولات التعتيم، صنعت هوة في جدار الرأي العام الغربي وعند بعض صانعي القرار، حيث بدأ يتنامى الإحساس بأن دعمهم غير المشروط ل”إسرائيل” صار يشكل إحراجا وعبئا، فجرائم الصهاينة لم تتوقف، وخرقهم لكافة المواثيق والقرارات الدولية أصبح قاعدة، يدعمها الفيتو الأمريكي في كل مناسبة.. يضاف إلى ذلك الرفض المطلق للتعاون مع منظمات حقوق الإنسان التي هي الآن ما تبقى من”الضمير الأخلاقي” الحي للغرب.

إن واجهة “حقوق الإنسان” ومعها الإعلام هي من أهم الواجهات التي يمكن أن تكون الآن ومستقبلا ميدانا للمواجهة والتدافع مع الصهاينة لتكريس عزلتهم وحصار قيادييهم وملاحقتهم بجرائم حرب ضد الإنسانية في كل الدول والمحافل، وهي ساحة أيضا لإزعاج وإحراج الضمير الغربي، الذي تتحكم عقدة الذنب في علاقته باليهود، ليتخلص من عاهته المزمنة، عاهة الكيل بمكيالين.