على حائط النور ناح الغرابُ *** ومن نفخة الصور هُزَّت رقاب
تهادَتْ تلملم ذنبا وتدعو *** وفي راحَتـَيْها استدار الكتاب
تمزق تملأ كل الثقوب *** عسى يُطفئ النورَ ذاك الحجاب
عسى الصخر يحنو لصخر شبيه *** ويبكي لمبكى التراب التراب
فتشكو له فعل صخر الصبايا *** وكيف لطفل صغير يُهاب
وتشكو له صخرة ً لا تبالي *** إذا ما عوت في رُباها الكلاب
وتشكو له هيكلا لم يُجاوز *** زجاجا يحوم عليه الذباب
أيا حائط النور هل لي مُقــامٌ *** وهل لي جدار و سقف و باب
أبت تربة القدس تنبت بيتا *** لقومي وشَحَّتْ عليهم سحاب
أبت والإباء عليها تراءى *** تقصه بين البيوت القِباب
ألم ترضَ بعدُ بضيفٍ شريك *** وعهدي بضيفك خيراً يُـثاب
فـَسَلْ خلفك البيتَ يَقـْــِري نزيلاً *** جفاه الورى واعتلاه العذاب
غريبا طريداً يُريد استواء *** وما إنْ رأى النورَ لاح الضباب
ألم ترضَ عنه وتقبلـْه جارا *** وقد زاد نوحَ العيون اغتراب
أجَلْ ليس يرضى لبيبٌ و أنـَّــا *** لنسل القرود جـِـوارٌ يُجاب
لكُمْ أن تـَرَوْا للجوار سوانا *** وأولى لكم في المراتع غاب
وأولى لكم في البكاء عويلٌ *** وأبرأ منكم لـَعَمْري الذئاب
وخير لكم في الدعاء اعتذار *** لعجل عبدتم وطال الغياب
وأنثى ذبحتم لذنب أصبتم *** فأنتم على الخلق جمعا خراب
فلا الغاب ترضى بكم ساكنيها *** ولا صحب يُرجى وكيف الصحاب
فأنتم على الخلق أعلنتموها *** على الناس لا حِسْبة ٌ أو عتاب
ظننتم إلهَ الوجودِ اصطفاكم *** وأنـَّـا عبيدٌ فحَقّ َ العِقاب
كريح تهاوت على الأرض نارا *** وأنـَّـا نزلتم تصَلـَّى الشهاب
وهذي فلسطين بعضُ الضحايا *** ولكنها غـُصَّة ٌ وانقلاب
غداً حائط النور يُخبر عنها *** ويحكي البراقُ و يُصغي الحِراب
غدا يَلفـِظ ُالثـّـُقـْبُ أوراق خِزي *** ويجري على الخاسئين اللـّـُعاب
غدا يا سلالة شر القرود *** يُرى القردُ قردا ً و يَهْوي النقاب
غدا يُفهم اللغزُ لغزُ الدموع *** على حائط ليس فيه انتساب
فندرك أن الدموع الغزار *** لِدَيْن ٍ تمادى فـحان الحساب
لوعد تبارك فوق السماء *** وأنـْـــِزل بــِشْراً على من أنابوا
لنصر سنـُعطى بقدر الدماء *** وقد فاق ما يرتضيه النصاب
فخذ من نفيس النفوس زكاة *** وطهِّـرْ بها كل شبر أصابوا
إلهي استوى الموت فينا وعيش *** بـِبَيْتٍ جريح و سور ٍ يُعاب
أيسبي المقامَ وضيعُ المقام ِ *** يدوس حمانا كأنـَّا سراب
أيَسْكُنُ فينا شريدٌ طريدٌ *** تضيق به للمُـــقام الثياب
وجسمٌ يضيق بروح ٍ وروحٌ *** تضيق بجسم فحَقَّ السِّباب
وليس يُسَبّ ُ المهينُ بهَجْو ٍ *** ولكن بـِـوَهْج ٍ وصخر يذاب
فيا قدس ثوري على الغاصبين *** وهل غيرَ نارِكِ يرجو اغتصاب
أريهم صخور المَقـام التهابَا *** فكم من جروح كواها التهاب
لأنت الحجارة و الناس نحن *** وَقودٌ أعِدَّتْ و شُهْبٌ غِضاب
ولكننا للجنان اعتصمنا *** وأرواحنا للخلود اكتتاب
ويا قدس إنا نذرنا فكوني *** على موعد حان منه اقتراب
وخيطي لعرسك ثوبا و تاجا *** ومنك الطعام ومنا الشراب
شراب من القلب يَجري دماء *** ومن طـَعْم ِ شوقك تـُمْلا الجـِراب
مضت عن دموعك ستون عاما *** ولا زال في مقلتيك الشباب
ومنك تفوح الروائح نصرا *** وفي عورة الكفر راح التباب