ثمان عشرة سنة مضت من أعمارنا داخل أقبية السجون ظلما وعدوانا، توالت خلالها أحداث وأحداث، ومات أقوام وجاء آخرون، وتغيرت أشياء كثيرة بما فيها مبادئ الناس وقناعاتهم، فما بدلنا، ولله الحمد والمنة، ولا غيرنا طريقنا ولا مواقفنا. بل لا نزال ثابتين على الحق، معتزين بانتمائنا للعدل والإحسان، مقتنعين بمبادئها، رافعين لواء الاستخلاف، وإن بعد العسر يسرا، إن بعد العسر يسرا، راجين أن ينطبق علينا قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً. مما يدل على أن المبادئ والأفكار لا تقهر، لا ينال منها الحصار ولا السجون شيئا. بل إن المبادئ إذا امتزجت بالروح ونور الإيمان والإحسان كما هو شأن العدل والإحسان، فإن إرادة أصحابها في تحقيق ما هم به مقتنعون لا يزيدها القهر إلا صلابة وقوة، ولا يحد من صمودها ظلم الظالمين، ولا عبث العابثين الغافلين. لأنها إرادة مؤمنة صادقة متعلقة بربها، متيقنة بنصره، واثقة به، تبغي ما عنده، وما عنده خير وأبقى.

إن ما تعرضنا له من اعتداء وابتلاء ظلم شديد، ولا شك أن الاعتقال، وخاصة في بلدنا العزيز، تشوبه متاعب وآلام وغربة، وقد ورد السجن في القرآن الكريم مقرونا بالعذاب الأليم، لكن يد الله فوق أيدي المعتدين الظالمين، فقد شاء الله تعالى أن يلطف بنا خلال هذه المسيرة الطويلة من الابتلاء، فبدل الغربة قربة، وجعل المحنة منحة، والعسير سهلا ميسرا. وقد رأينا تجليات هذا الفيض والكرم الإلهي علينا خلال كل فترات سجننا، منذ أن زج بنا في مخفر الشرطة إلى يومنا هذا. فقد عُذبنا تعذيبا رهيبا داخل المخفر، واعتُدي علينا مرارا، وتَعسفوا وضيقوا، وحُرمنا من الزيارة أحيانا كثيرة، غير أننا لم نشعر بالهم ولا بالحزن أبدا، فكلما أغلقوا بابا، فتح الله أبوابا، فلله الحمد من قبل ومن بعد.

إن وجودنا في قبضة السجان كل هذه السنوات، وما تتعرض له العدل والإحسان من تضييق وحصار لدليل على زور وكذب من يزعم أن البلاد بخير، وأن صفحة طويت وفتحت أخرى. وسيظل لدينا يقين راسخ، نستمده من وعد الله لنا بالنصر والاستخلاف، وفقهنا لسنن الله في خلقه وكونه، بأن الليل الحالك سينجلي مهما طالت مدته، واشتدت ظلمته، وأن الإرادة المجاهدة الحرة ستنتصر، وستعلو راية العدل والإحسان، وكل الرايات الصادقة التي تتحمل وتصبر وتكافح وتناضل من أجل إرساء كلمة الحق، واحترام الإنسان، وحقوقه وحريته وكرامته.

فنحن أهل حق وأصحاب رسالة، لا يرهبنا استبداد المستبدين، ولا بطش الظالمين. فالتمسك بالحق ورفع رايته له ثمن معلوم في تجارتنا مع الله تدفعه اليوم كل الحركات الجادة، وفي مقدمتها جماعة العدل والإحسان التي يضيق على رجالها ونسائها، ويعتدى عليهم وهم صابرون محتسبون متيقنون بنصر الله، واضعون نصب أعينهم قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وقوله عز وجل أيضا: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.

فلنمض جميعا على العهد حتى يأتي أمر الله، وإننا لنعد أبناء شعبنا التواقين إلى إشراقة نور الحرية والعدل والكرامة بأننا سنظل إن شاء الله أوفياء لمبادئنا، إلى أن نحقق مبتغانا، وتتحرر أمتنا. وإنها لعقبة واقتحام حتى النصر.

نسأل الله تعالى أن يجعل سجننا هذا رفعة لنا عند ربنا، وأن يكون مجلبة لمحبة الله ورسوله وللناس لنا.

وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

الإمضاء: مصطفى حسيني (أحد معتقلي العدل والإحسان المحكومين بعشرين سنة سجنا نافذا ظلما وعدوانا)

حرر في فاس بالزنزانة رقم: 5.