لماذا يا يوسف تثير القلاقل دائما؟ لماذا تحرص في كل مرة على النيل منا ومن سمعة وكرامة بلدنا؟. من حقك ألا تحبنا ولا تحبَّ بلادنا، – وللناس فيما يكرهون مذاهب – لكن لماذا تتجنى علينا؟ اتركنا وشأننا. تكفينا مصائبنا أيها الشيخ “الجليل” فلا تزد عذاباتنا.

نزلت علينا ضيفا ذات يوم رمضاني من سنة 1403، وألقيت درسا في حضرة أميرنا في موضوع تجديد الدين والإيمان، وصُلْتَ فيه وجلت، وقلت كل ما بدا لك، ونحن لا ننكر عليك ذلك، لكن الذي ننكره عليك أنك لا تعرف أدب مجالسة الملوك، لأنك طفقت ترد رواية الملك وهي على ما نعتقد أصح لفظا من روايتك، ولم تظهر الاحترام اللازم لجلالته كما هو معهود عند جميع العلماء الذين يفدون إلينا، رغم أن لك مكانة علمية، يبدو لنا أنك لم تستفد شيئا من كتاب الأحكام السلطانية للماوردي.

لم ننس هذا الأمر، حتى خرجت من جديد بفتوى تجيز الاقتراض الربوي من أجل الحصول على سكن، وقمت بقياس بلدنا على بلاد الكفر، وتجاوزت مجالسنا العلمية الموقرة، ومرغت أنفها في الوحل، وفتحت بذلك بابا للمتطرفين للجراءة علينا. لماذا يا يوسف لا تشتغل بقضايا البلد الذي أنت فيه، وتتركنا وشأننا؟ لسنا بحاجة إليك وإلى فتاويك المغرضة، لأن لدينا من العلماء ما نستطيع أن نواجه به كل معضلة تقع لنا، ونعرف حكم الله في كل نازلة تنزل بنا. عندنا مجالس علمية، ورابطة للعلماء، ودار للحديث. لماذا تغمض عينيك على كل هذا؟

قد نغفر لك ما تقدم يا يوسف – لأننا رغم ضيق صدرنا – نقدرك جيدا، لكن السيل بلغ الزبى عندما دعوت المنقبات والملتحين للنزول إلى الشواطئ، لم نشأ أن نخاطبك أصلا إلا لهذا السبب. أنت تلقي الكلام على عواهنه، ولا تفهم خبايا الأمور، لذلك بدا لنا أن نُبَصِّرك بما لم تحط به خبرا:

دعوت “الملتحين والمنقبات” والمتدينين إلى ارتياد الشواطئ بشكل طبيعي وإقامة “صلاة الجماعة” في وقتها على البحر. نقول لك بأن هذا تحريض على الشغب، ماذا لو عاد أصحاب اللحى ثانية إلى الشواطئ، واضطررنا من جديد إلى تفرقتهم بخيولنا وهراواتنا، واضطررنا إلى مصادرة خيامهم وأغراضهم؟. هل تعرف كم نحتاج من شرطة ودرك للقيام بهذه المهمة؟. ألا تعرف أن وقفة احتجاجية مهما كانت صغيرة تكلف خزينتنا عدة ملايين. أنت بهذه الدعوة تسعى إلى تكبيدنا خسائر فادحة. ثم إن الشاطئ للراحة والاستجمام، وليس للصلاة، وقد تحتج وأمثالك بحديث: “جعلت ليَ الأرض مسجدا وطهورا” لكنْ هذا شاطئ، وتلك رمال وليس مطلق الأرض، ثم من أدرانا أن هذا الحديث صحيح؟ وحتى لو كان صحيحا، فقد لا يكون خاصا بزمننا، ثم لم يثبت أن النبي عليه السلام وأصحابه صلوا في مكان يسبح فيه الناس عراة.

وأضفت أن من حق المتدينين ارتياد الشواطئ والاستمتاع بالصيف، متسائلا “هل هواء البحر محرّم على أهل الدين؟”. ونحن نرد عليك أن من حقهم ارتياد الشواطئ، لكن بشكل حداثي، من حقهم لكن شريطة احترام اللباس الخاص بالشواطئ، لأن هذه النسوة المحجبات أو المنقبات، وهؤلاء الرجال بسراويلهم الطويلة يشوهون الديكور الحداثي الذي يؤثث شواطئنا، ويُنَفِّرُون السياح منها، هل تعرف ماذا يعني ذلك؟ إن مشروع جلب عشرة ملايين سائح سيصبح في خبر كان. ثم إن السباحة بهذه الثياب تساهم إلى حد كبير في تلويث مياه البحر، وهذا سيضر حتما بثروتنا السمكية، لهذا نتفهم مثلا أن الناس في المسابح الفرنسية ملزمون بارتداء مايوهات مخصصة للسباحة، ويمنع من يرتدي غيرها من التمتع بتلك المسابح، ولا نظن أن قياس المسابح على مياه البحر غير معتبر هنا. ثم ليكن في علمك أننا نقبل بالتعددية في كل شيء، في النقابة وفي السياسة وفي الصحافة، في كل شيء إلا في البحر. البحر أيها الشيخ للراحة والاستجمام وليس لاستعراض العضلات، فكرنا أن نضع يوما لافتة على الشواطيء نكتب فيها: “ممنوع على الملتحين والمحجبات”، لكننا خشينا أن نصبح أضحوكة العالم، لكننا – وإن لم نكتب لافتة – فإننا نمنعهم بالقوة، ونوقف كل سيارة مشبوهة، أو كل حافلة تقل هذا الصنف من البشر إلى الشواطئ.

قلتَ بأن الصلاة على الشاطئ ظاهرة طيبة. هذا برأيك، أما برأينا فهي ظاهرة رجعية ظلامية، لقد تمكنا من طرد من يقوم بذلك على شواطئنا، منعناهم بالقوة وأدخلناهم إلى بيوتهم ليرابطوا فيها كما يقولون. على الأقل لا تتأذى العين من منظرهم المزعج على الشاطئ، لكننا ما لبثنا أن داهمنا عليهم بيوتهم أيضا وأخرجناهم منها بالقوة، تعرف لماذا؟ لأن الأذن تتأذى بما يصلنا من أخبارهم، طردناهم من الشواطئ، وحاصرناهم حتى داخل بيوتهم، لكنهم كالنباتات الطفيلية التي يستحيل اقتلاعها، وبيننا وبينك نقسم لك أننا استفدنا كثيرا من برامجهم الشاطئية، أخذناها بحذافيرها بعد أن شذبناها وحذفنا منها ما يتصادم مع الحداثة.

نرجو أن تفهم أنك تزعجنا، ولو كنت هنا لحاكمناك بقانون “كل ما من شأنه”، لكنك بعيد المنال، وحتى لو استصدرنا مذكرة توقيف في حقك، فنحن نعلم أننا لن نظفر بك، لذلك نرجوك فقط أن تدعنا نعيش بسلام، فنحن فشلنا في التعليم وفي السياسة وفي كل شيء، ولا وقت لدينا لنتفرغ من جديد لمن يهدد أمن شواطئنا، ويهدد مقدسات بلدنا. لقد أدخلناهم بالقوة إلى جحورهم، فنرجوك لا تحرضهم على الخروج من جديد. نرجو أن تفهم قولنا، وأن تدعنا وشأننا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.