لقد كان مستقبل القدس، ووضع المسجد الأقصى تحديداً، إحدى العقد الأساسية لعملية التسوية السلمية التي انطلقت في أوسلو عام 1993، وكانت الصخرة التي تكسّرت عليها هذه التسوية، ومن ثم كان المسجد الأقصى نقطة الاستفزاز لتثبيت “حق” يهودي فيه، ونقطة انطلاق الانتفاضة التي سُميت باسمه. خلال الانتفاضة بدأت دولة الاحتلال تبلور رؤية استراتيجية جديدة لتسوية الصراع قائمة على فرض ما تراه مقبولاً من جهتها وتنفيذه على الأرض كحل أحادي، وبدأ الجدار يعيد تشكيل خارطة الضفة الغربية والقدس، تبعه الانسحاب من غزة، وتسوية وضع المسجد الأقصى كانت بكل تأكيد جزءاً من هذه الخطة، وهذه التسوية المقبولة تقضي بفرض تقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين.

خلال عشرين شهراً امتدت بين 1-1-2005 و21-8-2006 قامت الأجهزة الرسمية الإسرائيلية بأعمال أساسية على طريق تحقيق السيطرة على المسجد الأقصى بكل شكلٍ ممكن، فخلقت فيه ومن حوله “مجالاً أمنياً إليكترونياً” قائماً على شبكة من الكاميرات وأجهزة الرؤية الليلية والمجسات الحرارية التي تسمح بمراقبة دقيقة ومحكمة للمسجد ومحيطه، وأعدت قوة تدخل سريع لتنفيذ المهام داخله، وحاولت التدخل في مسؤولية ترميم وإصلاح أبنية المسجد التي هي منوطة حصراً بدائرة الأوقاف في القدس، وأتمت أعمالاً إنشائية لوصل ساحة البراق (المبكى)، مكان تعبّد اليهود، بالمسجد مباشرة من خلال جسر يصلها بباب المغاربة، وافتتحت مواقع سياحية لزيارة الجمهور الإسرائيلي في الحفريات أسفل المسجد الأقصى. من جهتها عملت المنظمات الاستيطانية بدعم وتغطية حكومية، وبالتناغم والتكامل مع دور المؤسسة الرسمية على تثبيت “الحق اليهودي” في الصلاة وإقامة الطقوس في الأقصى، فدعت إلى اقتحامات متكررة للمسجد، ونجحت في تنفيذ اقتحامات جماعية مصغرة في غير الأوقات المعلنة.

لقد بلغ عدد الاعتداءات الفعلية المنفذة ضد المسجد 66 اعتداءً كانت الجهات الحكومية للاحتلال مسؤولة عن 51,5% منها، فيما بلغ عدد التصريحات العدائية الرسمية والسياسية ضد المسجد 15 تصريحاً، ناهيك عن التكرارات الكثيرة لفحوى هذه التصريحات.

أمام هذه التطورات رصد التقرير التحرك الفلسطيني الشعبي والرسمي للدفاع عن المسجد، والموقف الرسمي العربي إضافة للموقف الدولي وخرج بالتوصيات التالية:

أمام التهديد المصيري الذي يحيط بالمسجد الأقصى، فإن كل المهتمين والمعنيين مطالبون بتغيير جذري في أدوارهم تجاه المسجد الأقصى، وفي الطريقة التي يؤدون فيها هذه الأدوار:

‌أ- توصيات للجماهير الفلسطينية:

بعد التأكيد على دورهم وإكباره، نحذر أهل الأرض المحتلة عام 1948 من احتمال بدء المؤسسة الإسرائيلية بتقييد قدرتهم على دخول القدس والتوافد على المسجد الأقصى، وندعو أهل الأرض المحتلة عام 1967 أن لا يسمحوا لأية قضية من أن تشغلهم عن القضية الأساس التي انطلقوا من أجلها في انتفاضة الأقصى.

‌ب- توصيات للقوى والفصائل الفلسطينية:

بعد التنويه بدورها الرائد في التفاعل مع التهديدات ضد المسجد الأقصى ندعو الفصائل والقوى لتبني استراتيجية مشتركة تتجاوز التجاوب العفوي بسبب تغير طبيعة التحدي وخطورته.

‌ج- توصيات للسلطة الفلسطينية:

بعد التأكيد على أن الصيغة التي نشأت بموجبها السلطة تحرمها من أية قدرة على التواجد أو التأثير الفعلي في القدس، والقيود التي أضافتها الاعتقالات على تحركها في القدس، ندعو السلطة لاستحداث بدائل خلاقة للعمل في القدس حتى لو كانت بطرق غير تقليدية بمفهوم العمل الحكومي والبيروقراطي.

‌د- توصيات للحكومة الأردنية:

بعد التأكيد على سعي الحكومة الأردنية للوصاية على الأماكن المقدسة وإصرارها على تولي هذه المسؤولية، وأنها الآن بالفعل الوصية عليها بموجب القانون الدولي وبموجب معاهدة وادي عربة التي وقعتها مع حكومة الاحتلال، نؤكد أن خدمة المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية تكليف يقتضي جهداً وعملاً وليس تشريفاً، وندعو الحكومة الأردنية لتحمل مسؤوليتها تجاه القدس بمناهضة أي تغيير يجريه الاحتلال في القدس، ولتعبئة كل أجهزتها ومؤسساتها بما يتجاوز مشاريع متفرقة للإصلاح والإعمار.

‌ه- توصيات للحكومات العربية:

بناء على التشخيص بأن الحكومات العربية تتعامل مع قضية المسجد الأقصى وكأنه مسألة داخلية في دولة شقيقة، ندعو الحكومات العربية إلى تغيير هذا الأسلوب والعمل ضمن استراتيجية واضحة ومحددة لحماية المسجد من مصير التقسيم بالحد الأدنى إن لم تكن قادرة على تحريره، كما ندعوها لدعم وإسناد الدور الذي يجب أن تضطلع به الحكومة الأردنية بصفتها الوصية على الأماكن المقدسة.

‌و- توصيات للجماهير العربية والجهات العاملة للقدس:

بناء على حقيقة أن وجود الاحتلال يعوق التدخل المباشر لكل من هو خارج فلسطين في شؤون المسجد الأقصى، ندعو الأحزاب والقوى والمؤسسات العربية والإسلامية إلى تكريس جهد دائم لنصرة المدافعين عن الأقصى، والتخطيط والتحضير لحملات وتحركات فعّالة ومحددة الأهداف تتناسب مع تهديدات خطيرة وحقيقية سيتعرض لها المسجد الأقصى خلال المرحلة القادمة، وندعو هذه القوى إلى الحفاظ على رمزية القدس والمسجد الأقصى في وعي الجماهير ليظلا عنوان المواجهة مع المشروع الصهيوني مهما تعددت العناوين.

‌ز- توصيات لوسائل الإعلام والإعلاميين:

بناء على الملاحظة المتأنية لضعف تغطية شؤون القدس والمسجد الأقصى كماً ونوعاً في وسائل الإعلام العربية والإسلامية، وعدم وضعهما في رتبة الأولويات حتى عندما يحظيان بالتغطية، ندعو إلى إيلاء اهتمام خاص لتغطية أخبار القدس والمسجد الأقصى وخلق الآليات اللازمة لذلك، وإبقاء هذه القضية ضمن القضايا الأساسية في مختلف أنواع التغطيات الحوارية والوثائقية والثقافية ليتأكد في الوعي أن كل التضحيات والإنجازات في مواجهة مشروع المحتل يجب أن تصب في النهاية تغيّراً للأحسن في أوضاع القدس والمسجد الأقصى.

‌ح- توصيات للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية:

بعد التذكير بأهم قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمسجد الأقصى ومضامينها، وبعد تشخيص حقيقة انتقائية مجلس الأمن في تطبيق القرارات، وعجز الأمم المتحدة عن تطبيق قراراتها المذكورة، ندعو إلى تحقيق الحد الأدنى الممكن بتعيين لجنة تراقب أوضاع المقدسات وتوثق الاعتداءات المتتالية على المسجد الأقصى وبقية المقدسات، كما ندعو الأونيسكو والمؤسسات المعنية إلى توثيق ما يتم تدميره من تراث إنساني على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إجراءاتها في القدس.