حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني، وهو من ضحايا القمع المجاني، فقال: في بلد يمسي فيه الرشيد سفيهـَا، ويصبح فيه “المخزني” إماما وفقيهَــا، ويرتقي فيه اللص ليكون آمرا ومقربا ووجيهـَا، في هذا البلد الذي أغرقه الوحل من كل جانبْ، وأرّقه نهب الذئاب والثعالبْ، وأهلكه حزب النوائب والمصائبْ، مرض الملك والمرض للناس ابتلاء وطهارهْ، فرجموا الصحافة وأغلظوا في الحجارهْ، ثم حاكموها ولم يبرروا سلخها ولو بجزء من عبارهْ، واستغل الفراغ الروحي ثلة من الفتيات والفتيانْ، فحاولوا الإفطار جهرا في شهر الرحمة والغفرانْ، وما تحركت حكومتنا إلا بعقلية التائه الحيرانْ، وتجبر القاضي على الخدم فأحرقهم إحراقـَا، وضرب لنا مثلا للجور فصار به علما خفاقـَا، ونجح في تكريس العنصرية وما أخفق إخفاقـَا، وفوتت الصفقات لآل ” عبس وتــولـَّى “، وعبِّدت الطرق لفهري عن أبنائه ما تــخــلّى، وسدت أبواب الخير في وجه شعب بالبؤس والبأساء تـحـــلّى، .. فلما صعب علي فهم وتقبل ما جرى ويجــري، طلقت خوفي من جهْـــري، وتوجهت نحو صديق عــــمْري، ابن أبي الرعايهْ، صاحب الألف حكاية وحكايهْ، فوجدته بعد جهد جهيد في سوق المتعة والغوايهْ، يحدث الناس عن مبنى التوبة ومعنى الهدايهْ، فلما انتهى من حديثه الجميل للغايهْ، قصصت عليه أمْـــري، وبحت له بما في صــدْري، وسألته تحليل وتقييم ما يدور في قـُـطْري، فقال بعدما حمد الله وشكرْ، وتمعن في السماء وأطال النظرْ، واستوى على القرفصاء واستقــرْ: << يا مفجوع الزمان الجوعاني، يا من ضاقت به السبل وقتلته القوافي والمعاني، لا تغرنـّك الشعارات والوعود والأماني، ولا تخدعنك الزينة والبهرجة والمهرجانات ذوات المفاتنْ، فأنت في بلد ظاهره لا كالباطنْ، يُرى من بعيد كأنه يمٌّ هادئ ساكنْ، وهو البحر المتقلب الأسود الداكنْ، وأنا مالي سوى الرحمان ينجيني من سياسة هذا البلدْ، فأنا مالي فيه مسروق شأني في ذاك شأن الوالد والولدْ، وحقي فيه مهضوم والهاضم كل من فسدْ، وصوتي فيه مقموع والقامع للقمع قد عبدْ، وجسدي فيه قد هـُدّ من كثرة العيش بين الشقاء والنكدْ، فإن تعجب فاعجب من قلم يختار الزبدْ، وإن تسأل فاسأل معي بجرأة من لله قد سجدْ، عن أشياء ضاعت وأشياء لا يرتضيها الفرد الصمدْ، وقل بعلانية ترفض سرا يعيش في كبدْ: أنا مالي أسكت عمن لجلدي بالظلم قد جلدْ، وأنا مالي لا أسَخر قلمي لوأد من للحق قد وأدْ، وأنا مالي لا أكون ذا همة تأبى الموت من كمدْ، وأنا مالي أرتضي معيشة ذل لم يقدرها علي الواحد الأحدْ، وأنا مالي أرى الطاغية للجبار قد ولدْ، فلا أحرك أمامه إلا غبطة تنم عن حسدْ، وأنا مالي أحَوَّل من غير حبكة أو عقدْ، إلى حقل عن التجارب ما زهدْ.. وأنا مالي إن تكلمت عن صحة الملك اعتقلوني، وخلف جدران الزنازن أسقموني، وبالإرهاب والترهيب استجوبوني، ولحلة الإجرام والمجرمين ألبسوني، ولقاعات المحاكم أدخلوني، وبكل متسلط ومتلون صفعوني، ومن كل أحرف الحرية جردوني، ... وأنا مالي إن صرخت لا تستخفوا بديني وشريعتِي، اعتقلوني وعشيرتِي، وضيقوا الخناق علي وعلى قبيلتي، وحرفوا عمدا علانيتي وكذبوا على سريرتي، وسطروا القوانين لتحريم وتجريم عقيدتي.. وأنا مالي إن قلت لا إله إلا اللهْ، جعلوا لي ثالوثا يقدس بالجبر والإكراهْ، وقالوا لا تقدس إلا ما نقتضيه ونراهْ، ولا تسأل عن مغزى جواب لا تفهم فحواهْ، ولا تجب عن سؤال قد يمس عظيم الجاهْ، ولا تقرأ لمن كتبه لا تعترف بــإياه، ولا تسمع إلا ما سمعناه ولا ترى إلا ما رأيناهْ.. وأنا مالي كلما قرأت جرائد الصباح والمساءْ، إلا وألفيتها مليئة بالذم والهجاءْ، فهذا صحفي يسب ذاك من غير استحياءْ، وذاك إعلامي يلفق التهم لإخوانه الأموات والأحياءْ، وتلك صحافة ضاعت حصافتها بين حروب من فيها من أدعياءْ، فتفرج على مآسيها الشامتون والأعداءْ، ويا ليتها كانت توجه سهامها النارية السوداءْ، نحو أبواب المسؤولين عن أوضاع النكد والشقاءْ، والمساهمين في رجوع المغرب إلى ما وراء الوراءْ، ... وأنا مالي كلما نظرت في التعليم وجدته كعهدي به يتعثرْ، وأحلام شغيلته والمتخرجون من أطواره تتبخرْ، والإصلاح المعول عليه بالأزمات يتفجرْ، والمخططات الاستعجالية في بدايتها تتكسرْ.. وأنا مالي كلما فتشت عن الرياضة في هذه البلادْ، إلا وسمعت لها أنينا يشكو كثرة الفسادْ، وبكاءً مريرا من جامعات فرعون وقوم عادْ، فلا كرة القدم تفرح الأولادْ، ولا عَدْو الأبطال يأتي بالمرادْ، ولا من مسؤول يكشف البلوى ويزيل الأرق والسهادْ.. وأنا مالي لا أتفرج إلا على شاشة تلفاز عقيمْ، لا تقدم لي إلا كل برنامج لئيمْ، ولا تشفي إلا غليل العتل الزنيمْ، ولا تفلح إلا في ترجمة المسخ إلى واقع أليمْ.. وأنا مالي كلما دخلت إلى مستشفى الشعب القيِّمْ، إلا وكان ملك الموت علي يسلمْ، فإما موت بمأساة للعمر يختمْ، وإما مرض للغم علي يٌحـَـتمْْ.. وأنا مالي أراني "بخوشا" وذبابا في نظر الكبراءْ، وخطرا في الوقفات على النظام: نظام الوزراء والمدراءْ، ومخلا بالأمن كلما تجاوزت الخطوط الحمراءْ، وجاسوسا كلما فجرت ملفا حساسا بين يدي القضاءْ، و "بلعيريجيا" كلما أريد لورقتي الإحراق والفناءْ.. وأنا مالي كلما ذهبت للانتخابات إلا وأهين اختياري، وتحكم في من لم يصنعه قراري، وحكمني بدستور قديم يأبى التعديل أو التواري، وساهم في تشكيل حكومة لا تملك الحق في التحرك أو التباري.. وأنا مالي للغرب أوالي وأولــِّـي، ولله لا أصوم ولا أصلِّـــي، ولإبليس لا أهدي حروف الاستعاذة أو دعاء التخلي.. وأنا مالي ومالي ومالي، ثم أنا مالي ومالي ومالي، ألا فلتجيبوني عن سؤالي، ولا تصعدوا بسلم الغرب إنه ليس بالعالي، وآخر الكلام ليس "وأنا مالي"، بل صلاة وسلام على المصطفى الغالي، محمد ومن تبعه بإحسان إلى يوم يجمعنا فيه جميعا الله الكبير المتعالي.